03 مارس 2020 14:17

في رحاب "أوتينا" .. أو حينما تروي الحجارة حكاياها

 يسرى الشيخاوي -

في رحاب أوذنة أو "أوتينا" كما سماها البربر، تطالعك ملامح مدينة عنيدة متمردة، خجولة ولكنّها صامدة في وجه الطبيعة والسياسة والتهميش.

وكلما توغلت أكثر في تفاصيل هذه المدينة التي مازالت آثارها تختزن أسرارا كثيرة، يغازلك التاريخ المعتق على حجارتها وتسافر بين ثناياه.

وإن هي مصافحة ثانية لـ"أوذنة"، في زيارة نظمتها وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، إلا أنها لا تخلو من سحر اللقاء الأول فكل التفاصيل ساحرة أخاذة تأسر الروح. 

في هذه المدينة الواقعة على الطريق الرومانية، طريق بمثابة الشريان تصل قرطاج بتبوربومايوس (الفحص) مرورا بمكسولا (رادس)، آثار للبربر وللرومان وقصص تحفظ زوايا المكان تفاصيلها، قصص عن الحياة والموت، عن الحب والكره، عن البقاء والزوال، عن الإنسان في كل انفعالاته وحالاته.

وقبالة المسرح الأثري بأوذنة، تصطدم عينيك في كل خطوة بحجر أو بقايا آثار، تسري بك في كل مرة إلى أزمنة خلت، إلى عهد الرومان والبربر والعرب وما قبلهم، تثير خيالك وتنسج الحكايات عن منازلها الموشحة بالفسيفساء، والكابتول والحمامات العمومية والسبل المبلّطة والأسواق ومعاصر الزيتون والكروم.

في غمرة الخيال، تستسلم كل حواسك لإغراءات المكان فتصغي لحكايا التراب وترانيم الحجارة، تتأمل رسائل العشق المكتوبة على شفا الحجارة، وتشتم رائحة الدماء ذات حرب ورائحة الخمر ذات صخب، يتأرج ريقك بين حلاوة النصر ومرارة الهزيمة وتمسح بيديك الشجن عن وجه الآثار المنسية رغم كل شيء.