15 افريل 2019 13:51

مباركة المنصري: قصة مناضلة تناساها التّاريخ

 مريم مرايحي -

"لا حاشتي لا بفلوس لا بشهرة لا بمناصب نحب فقط تونس ديما حرة".. هكذا أجابت "مناضلة تالة" عمّا إذا كانت تنتظر أي تعويض عن سنوات نضالها الطّوال.

جلست بنظرتها الجريئة وعينيها اللتين لم يطفئ مرور الزمان بريقهما على أريكة في أحد أركان صالون بيتها المتواضع، امرأة ملأت الدنيا وشغلت الناس في جهتها بجرأتها وقوتها وثباتها فكانت ومازالت رمزا للعنفوان والصلابة.

لم تغب ابتسامة الفخر والعزة عن وجهها  لحظة واحدة  وهي تسرد تفاصيل رحلتها في الحياة، هي التي ذاقت الأمرين من فقر ومرض وشقاء طيلة سنوات نضالها لكنها بقيت ثابتة معتزة بما قدمت غير منتظرة لأي مقابل أو إعتراف من أحد.

طفلة خارجة عن السائد

في حي بولعابة بمدينة تالة رأت مباركة المنصري أو كما يلقبونها بالمناضلة أو "بّا" النور عام 1939 ذات 12 ماي، لعائلة متواضعة فكانت البنت الوحيدة بين أربعة ذكور. 

التحقت في سن السادسة بالمدرسة القرآنية بتالة، وخلال سنوات دراستها الأولى بدأت علامات المقاومة تظهر عليها فلمس فيها معلمها المناضل بالحزب الدستوري "الطيب بوترعة" صفة التمرد على السائد فكان يفتح معها النقاشات حول ما يجري في البلاد ليتعرف على طريقة تفكيرها فاكتشف مقتها للمستعمر منذ سن السابعة (كنت نكره الجادرمية مللي عمري سبعة سنين وكنت كل مانروح مالمدرسة نحادفهم بالحجر).

وبدأت مسيرتها النضالية في سن الثامنة عندما طلب منها معلمها ذات مساء إيصال سلة مليئة بالأسلحة  إلى مجموعة من المقاومين الذين كانوا ينتظرونها وراء جبل "عين أم الثعالب" بتالة، فلم تخشى المهمة رغم صعوبتها ونفذت الطلب بسعادة كبيرة (كنت فرحانة وحاسة روحي وليت مناضلة) وتكررت المهمة عشرات المرات، فأصبحت رسميا المرسول بين المقاومين بالمدينة.

سنة 1949 ألقي القبض على "بّا" طفلة العاشرة ربيعا وهي بصدد نقل المؤونة للمقاومين في جبل عين "العرعارة بتالة" وقضت ليلة واحدة في "الجادرمية" فتعرضت للضرب والإهانة ورغم ذلك لم تدل بأسماء بقية المقاومين (لو كان يقتلوني ما نقولش على أساميهم)، فمنعها والدها من مواصلة دراستها بالمدرسة القرآنية وسجنها في المنزل خوفا عليها.

إلا أنها واصلت النشاط فكانت تخرج خلسة من المنزل لتحضر اجتماعات أعضاء الحزب وواصلت نقل الرسائل المشفرة والسلاح وكان هدفها الوحيد هو الاستقلال (كنت نعمل أي حاجة باش نخرجوهم من بلادنا).

 لم يزرها الخوف يوما رغم اعتراض عائلتها على نشاطها السياسي ورفض أبيها الذي وصل إلى حد تعنيفها وحبسها في البيت ومنعها من الخروج فواصلت النضال، وبرز اسمها بين صفوف المقاومين في مدينة تالة وكانت المرأة الاستثناء (كانوا يقولوا عليا راجل موش مرا) فمثلت الفخر والقدوة لبنات جيلها الذي حرمهن خضوعهن لنواميس المجتمع من تحقيق ما حققته هي من مكانة ومسيرة نضالية سيذكرها التاريخ.

المناضلة وعشق الحبيب بورقيبة

عشقت المناضلة الزعيم الحبيب بورقيبة أو كما تلقبه هي "سي الحبيب"، فهي تعتبره إلى يومنا هذا أفضل سياسي في تاريخ تونس وكانت كلمتها التي ترددها دائما "مافماش سياسة بعد سي الحبيب" فهتفت عند زيارته لمدينة تالة بعد الاستقلال "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع" تقديسا له فهي تعتبره إلى اليوم رسولا أو ملاكا منزلا من السماء ولم تستوعب بعد فكرة موته فنزلت يوم جنازته إلى العاصمة رغم مرضها الشديد (كان لازم نودعه ونبكي عليه).

التحقت المناضلة بالحزب الحر الدستوري بمدينة تالة سنة 1951 وكانت المرأة الوحيدة في الحزب فاحتلت مكانة مرموقة بين مناضليه وكانت تقود المسيرات بالجهة وتوزع المنشورات وتلقي الخطابات في الاجتماعات.

وسنة 1954 انتقلت مباركة المنصري مع المقاتلين إلى ولاية قابس وشاركت في معركة الغندري فحملت السلاح ووقفت وجها لوجه أمام جنود المستعمر (حسبت روحي باش نموت وقتها) وهربت المقاومين وأخفتهم بين سكان المنطقة.

بعد الإستقلال

بنبرة فيها مزيج من الفخر والألم والحنين قالت "عمري ما فرحت قد مافرحت نهار إلي استقلت  فيه تونس".. شعرت يومها "بّا" أنها ملكت الكون بأكمله فقد تحقق كل ما سعت إليه طيلة حياتها.

ونصبت سنة 1959 رئيسة للإتحاد النسائي بتالة وواصلت النشاط في الحزب لكنها انقطعت عن النشاط السياسي بمجرد وفاة الزعيم الحبيب بورقيبة ولاء منها لعهده فكما جاء على لسانها "مافماش سياسة بعد سي الحبيب".

لم يذكر التاريخ أيقونة النضال بالوسط الغربي "مباركة المنصري" إلا أن التاريخ  لا ينسى فاسمها بقي وسيبقى مدويّا على مرّ الزمان.