سجناء الهيلتون: كيف عاش الديبلوماسيون الإسرائيليون في تونس؟

20 سبتمبر 2016
38
بقلم : أحمد نظيف

على أبواب صيف العام 1994، شرع الفلسطينيون في جمع أغراضهم والعودة إلى جزء صغير من الوطن. لم تكن مغادرة تونس كعمّان أو بيروت، تحت تهديد السلاح. على العكس تماماً، كانت بمنتهى الأناقة والهدوء، عبر طائرات فخمة إلى القاهرة ومنها براً إلى قطاع غزة أو إلى عمان ومنها نحو بلدات ومدن الضفة الغربية. في المقابل كان الانقسام حاداً في التعاطي مع هذه العودة بين معارض لاتفاقية أوسلو ومن بين مؤيد لها. اعتقد الجميع أن الكفاح المسلح والثورة الفلسطينية، أصبحا جزءًا من ماض قد مضى وتاريخ لن يعود. فيما تسلح البعض الأخر بالأمل ونثروا أطروحات التبرير:" تخلى عنا الجميع، تركنا العرب لوحدنا. وجدنا كوةً صغيرة نعود منها للوطن، فهل نبقى في المنفى البعيد؟؟". 

بارتياح كبير إستقبل النظام في تونس مسألة الرحيل وخروج منظمة التحرير من البلاد. كانت ثقلاً أمنياً كبيراً على دولة تخوض حرباً داخليةً شعواء ضد الحركة الإسلامية، دولةً لا طاقة لها بحروب الشرق الأوسط السرية. فقد شكّلت الحوادث السابقة للخروج، بدايةً من إغتيال أبوجهاد وصولاً إلى كشف العميل الموسادي، عدنان ياسين، مروراً باغتيال أبوإياد ونشاطات منظمة أبونضال، مثّلت كلها أحمالاً ثقيلةً كان بن علي لا يرغب في حملها. مباشرةً بعد توقيع "إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي" بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن في 13 سبتمبر 1993، أعلنت تونس أنها ساهمت في المحادثات السرية التي سبقت الاتفاق بين الطرفين والتي جرت في مدينة أوسلو النرويجية منذ العام 1991، كما احتضنت تونس، قبل ذلك، الحوار الديبلوماسي بين الولايات المتحدة الأمريكية ومنظمة التحرير، والذي أوقفته عملية شاطئ تل أبيب التي نفذها فدائيو جبهة التحرير الفلسطينية بقيادة أبوالعباس. الذي كان يرى في الحوار تكريساً لمسار التسوية ومحاولات لإنهاء الثورة وحصاداً مبكراً لثمار إنتفاضة الحجارة.

سبع سنوات عجاف

اعتمادا على مقولة " لن نكُون ملكيين أكثر من الملك" انتشرت موضة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي في تسعينات القرن الماضي. نهاية الأحلام الثورية أوجدت مناخات خصبة لانتشار هذه الموضة. كانت التسعينات عشرية الخيبة. كان عقداً كالحاً على كل الجبهات. في هذا السياق، ولجت تونس لعبة السلام مع إسرائيل. ففي أعقاب رحيل منظمة التحرير الفلسطينية وجد النظام نفسه يمتلك المبررات الكافية لإعلان ما كان يُحضر له منذ توقيع إتفاق أوسلو. فمنذ العام 1993، بدأت إسرائيل تفتح قنوات اتصال مع تونس بعد أن أعلنت وزارة الخارجية التونسية أنها "لا ترى مانعاً من إقامة علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل بعد أن وقعت إتفاق سلام مع الجانب الفلسطيني" وقد حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي، إسحاق رابين، زيارة تونس يومها، غير أن النظام رأى في الزيارة خطوةً مبكرةً لم يتسعد لها سياسياً ولا شعبياً. كانت عبارةُ "لن تكون فلسطيناً أكثر من الفلسطينيين" الأكثر تداولاً عند أنصار السياسية الرسمية، يومذاك، في مواجهة كل المعارضين و"المشككين واللاواقعيين والحالمين". في نفس العام قام يوسي بيلين، نائب وزير الشؤون الخارجية الإسرائيلية، بزيارة غير مُعلنة إلى تونس وبحث خلالها خطوات تطبيع العلاقات. لكن تونس بقيت تنتظر خروج منظمة التحرير النهائي والرسمي، كي تعلن رسمياً تطبيع العلاقات، وكان ذلك باتفاق مع القيادة الفلسطينية. بموازاة ذلك فتحت تونس المجال للسياح الإسرائيليين وخاصة زوار كنيس "الغريبة" بجزيرة جربة خلال الحج السنوي. 

بعد مغادرة ياسر عرفات في 11 جويلية 1994 إلى أريحا، أعلنت تونس فتح سفارة لها في قطاع غزة وبالموازاة كشفت عن قيام أول علاقات رسمية بينها وبين إسرائيل من خلال "فتح قنوات اتصال عبر السفارتين البلجيكيتين في تونس وتل أبيب". شكلت هذه الخطوة صدمةً للأوساط السياسية والشعبية المحلية. لكن لم تخرج المظاهرات المعارضة ولم تحتّل الجماهير الرافضة الشوارع. كان النظام قوياً يومذاك، ولكن كانت مشاعر الهزيمة والخيبة قد تمكنت من قطاعات واسعة من الشعب، فما حصل في حرب الخليج وأثار الحصار على العراق التي بدأت تظهر يومها والحصار على ليبيا، رسخّت كلها، مشاعر اليأس وأخرجت الخطوة التونسية في مد الجسور مع كيان ضرب قبل أقل من عشر سنوات ضاحية حمام الشط وقتل كثيراً من التونسيين، في مظهر "الأمر الواقع". لم يكن باليد حيلة. في الخارج إستغلت المعارضة، وخاصة الحركة الإسلامية، هذه الخطوة كي تشن مزيداً من الهجوم على النظام، فيما وصلت تحليلاتها إلى أن بن علي ضربها من أجل فتح العلاقات مع إسرائيل !! بيد أن الحركة نفسها رفضت سن قانون يجرم التطبيع عندما وصلت السلطة في 2012. لم يواصل أعضاء الحركة الهاربون في أوروبا، المُزايدة بالقضية، فقد كانت مطالب اللجوء التي أودعوها لدى أجهزة الأمن الأوروبية تمنعهم من الحديث كثيراً في هذا الملف الحساس. 

في العام 1995، التقى وزير الخارجية التونسي، الحبيب بن يحي، بوزير الخارجية الإسرائيلي، إيهود باراك، في اسبانيا على هامش مؤتمر برشلونة الأوروبي –المتوسطي، وخلال اللقاء قرر الطرفان تطوير العلاقات الديبلوماسية لتخرج من السفارة البلجيكية إلى إقامة مكتب اتصال ورعاية مصالح في كل من تل أبيب وتونس. لاحقاً، وفي بداية العام 1996، أعلنت واشنطن رسمياً، على لسان وزير خارجيتها، وران كريستوفر:" أنه للمرة الأولى إسرائيل وتونس ستنشئان مرافق رسمية تسمى رعاية المصالح في كلا البلدين". لم يمض وقت طويل على هذا الإعلان حتى فتحت إسرائيل مكتباً لها في العاصمة تونس في منتصف شهر أفريل 1996، وبعدها بشهر أرسلت تونس وفداً ديبلوماسياً كي يفتتح مكتباً لها في تل أبيب. كانت مهام المكاتب المُعلنة:" المشاورات السياسية، والسفر، والتبادل التجاري بين البلدين". جاءت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سبتمبر 2000، لتضع نهايةً لمكاتب التمثيل الديبلوماسي، لكنها لم تُنه العلاقات التونسية الإسرائيلية. كانت سبعُ سنوات عجاف من العلاقات لم تجن منها تونس سوى حفنة من السياح فيما كسبت فيها إسرائيل "اعترافا" ومغانم أخرى.

منبوذون في الهيلتون

في 15 أفريل 1996 وصل إلى مطار تونس قرطاج قادماً من تل أبيب، شالوم كوهين، الرئيس الجديد لمكتب الاتصال الإسرائيلي في تونس يرافقه 4 ديبلوماسيين إسرائيليين هم بالتفصيل: نائبه وديبلوماسي ثان ومسؤولة إدارية ومسؤول أمني. استقروا جميعاً في جناح داخل فندق الهيلتون في حي نوتردام الراقي، متخذين منه مقراً مؤقتاً لهم، ريثما يجدوا مقراً دائماً. بيد أن مُقامهم في غرف الفندق الضيقة تواصل لسنوات. بدوافع شتى: خوفاً من المسؤولية الأمنية ورفضاً للتطبيع وبُعداً عن المشاكل، رفض التونسيون تأجير فيلاتهم وشققهم ومكاتبهم لإسرائيل كي تقيم عليها مكتبها الديبلوماسي. وحتى القلة القليلة التي قبلت ذلك واجهت رفضاً حكومياً، فبعد سنتين من السكن في فندق الهيلتون عثر الإسرائيليون في العام 1998 على فيلا في حي المنزه كانت تشغلها سفارة إحدى دول أوروبا الشرقية، وقبل صاحبها تأجيرها لهم غير أن الخارجية التونسية رفضت المصادقة على عقد الإيجار. كانت السلطات التونسية تُفضل بقاء الديبلوماسيين الإسرائيليين في الفندق ولا ترغب في حدوث مشاكل أمنية معهم، فانتقالهم إلى مقر مستقل وسكن خارجي سيضع السلطات أمام مسؤولية امنية ثقيلة كما سيضع النظام في حرج بعد أن يتم رفع العلم الإسرائيلي على مبنى المكتب فيما سيعجز الديبلوماسيون على رفع علمهم فوق مبنى الفندق.

يتحدث تقرير إخباري نشرته صحيفة الحياة اللندنية، بتاريخ 21 أفريل 1997، أي بعد سنة من تطبيع العلاقات رسمياً بين تونس وإسرائيل، عن ظروف حياة الديبلوماسيين الإسرائيليين في تونس:" على رغم مرور أشهر عدة على وصول البعثة الديبلوماسية الإسرائيلية إلى تونس، إلا أن اعضاءها ما زالوا يقيمون في فندق من دون أن يتمكنوا من تأجير أي محل، مع أنهم يعرضون أسعاراً مغرية على التونسيين. ويعيش الديبلوماسيون الإسرائيليون في شـبـه عـزلة، فصلاتهم مع المواطنين التونـسيـين ضعـيــفة جــداً. ويواجه اعضاء البعثة الديبلوماسية، إضافة إلى التجاهل المطلق من قبل الناس تجاهلاً حتى في أوساط الديبلوماسيين المعتمدين في تونس. وفي معظم الحفلات التي يدعو لها السفراء لمناسبة أعيادهم الوطنية أو لمناسبات أخرى، لا يرى أثر للديبلوماسيين الإسرائيليين الذين لا يدعون عادة إلا ما قل وندر ومن قبل ممثلي الدول الغربية وحدهم. ويؤكد سفير غير عربي أنه لم يعترض قط أي من الديبلوماسيين الإسرائيليين في أي مكان، كما أن هؤلاء لا يدعون أيضاً في المناسبات الرسمية، وهو ما لا يسبب أي حرج باعتبار ان هذا الفريق من الديبلوماسيين لا يرقى إلى مستوى عال من التمثيل الديبلوماسي. ويبدو أن الديبلوماسيين الإسرائيليين قبلوا بالأمر الواقع ولم يعد ذلك يمثل أمراً حارقاً لهم، خصوصاً أن هناك قناعة كبيرة بأن السلطات الإسرائيلية لا تفعل شيئاً لتغيير موقف الناس تجاه إسرائيل أو تطويرها على اعتبار ان القرارات المتخذة تصدم الشعور الشعبي وحتى الرسمي."

شالوم كوهين سائحاً في لافيات

بلا موكب رسمي ولا حراسة مُكثفة، باستثناء سيارات الشرطة التونسية التي تراقبه من بعيد، يأتي شالوم كوهين، رئيس مكتب الاتصال الإسرائيلي في تونس، يومياً، عدا السبت، إلى شارع مدريد في حي لافايات بالعاصمة، ليجلس إلى إثنين من أصدقاء والده، وهم تجار من يهود تونس يبيعون المكسرات والحلويات ويحتلون محلاً كبيراً في الشارع، فوقه تقع الشقة التي ولد فيها كوهين في العام 1955. غادر كوهين تونس مع عائلته في العام 1960 نحو إسرائيل ليعود إليها بعد أربعة عقود سفيراً منبوذاً. كان محلّ المكسرات ملاذه الوحيد، يأتي إليه لتمضية الوقت هرباً من غُرف الهيلتون الباردة والموحشة يرافقه أحياناً نائبه جدعون بيهار. كان شهر ماي من كل عام متنفساً كبير لكوهين ورفاقه السجناء في جناح الهيلتون. في ماي يقام الحج السنوي لمعبد الغريبة وخلاله يقوم المكتب بنشاط كبير في تسهيل قدوم ألاف الحجاج الإسرائيليين واليهود من كل العالم وخلاله يتمكن الديبلوماسيون الإسرائيليون من لقاء المسؤولين التونسيين، وزيري الداخلية والسياحة وغيرهما...

وخلال رئاسته لمكتب الاتصال قام كوهين بإصدار نشرة تحمل اسم " Les Perles du pays" توزع كل ثلاثة أشهر على الصحافيين والأكاديميين والمؤسسات العلمية التونسية باللغة الفرنسية، لكنه بعد أن يئس من حالة العزلة التي يعيشها ومرافقيه أوقف اصدار النشرة. بعد سنوات من العُزلة قررت إسرائيل نقل كوهين إلى قسم المغرب العربي بوزارة الخارجية الإسرائيلية في تل أبيب ثم سفيراً في القاهرة، وتعويضه ببني بنيامين أومار الذي تقلد مهامه في شهر أوت 1999 مواصلاً العمل من فندق الهيلتون. في المقابل سحبت تونس أعضاء مكتبها في تل أبيب بعد صعود حكومة الليكود إلى السلطة بشخص بنيامين ناتنياهو، فطلبت من رئيس المكتب وزير الخارجية الحالي، خميس الجيهناوي، ونائبه محمد نجيب صفر العودة إلى تونس.

كانت الحكومة التونسية تنتظر أي حدث كي تنهي العلاقة الثقيلة مع الجانب الإسرائيلي. اكتشفت بعد سنوات أن هذه العلاقات لم تجن لها شيئا. على العكس تماماً قدمت سلاحاً لمعارضيها كي يضربوها به. بل حتى الجانب الفلسطيني الذي من أجله – بحسب الزعم الرسمي – نشأت هذه العلاقة أصبح يعاني من تهرب إسرائيل من التعهدات السابقة، خاصة بعد صعود اليمين. جاءت الانتفاضة الفلسطينية الثانية لتضع حداً للعلاقات الرسمية، عندما طلبت تونس من الديبلوماسيين الإسرائيليين مغادرة البلاد. لكن العلاقات لم تنقطع نهائياً. ففي سبتمبر 2003 كشف صحيفة يديعوت احرونوت العبرية عن زيارة سرية قام بها شالوم كوهين، الرئيس السابق لمكتب العلاقات إلى تونس وبحث خلالها مع كاتب الدولة للخارجية وإمكانية إعادة العلاقات الديبلوماسية. ووفقاً للصحيفة فان المسؤولين التونسيين ''أبلغوا ضيفهم انه سيتم فتح المكتبين في حال شهدت العملية التفاوضية بين اسرائيل والفلسطينيين تقدماً لكنهم طالبوه بإعادة السماح للسياح الاسرائيليين بالسفر الى تونس والغاء التحذير الذي أصدرته الخارجية الاسرائيلية باعتبار البلد غير آمن للإسرائيليين''.