31 سنة على الغارة الإسرائيلية على حمّام الشطّ: هكذا أدارت الخارجية التونسية المعركة ديبلوماسيا

01 أكتوبر 2016
38
بقلم : عبد اللطيف الحناشي

قام سرب من الطائرات الحربية الإسرائيلية صباح يوم 1 أكتوبر 1985 بغارة جوية استهدفت مقار منظمة التحرير الفلسطينية بحمام الشطّ( الضاحية الجنوبية للعاصمة التونسية)، وقد أسفرت الغارة عن خسائر بشرية وتدمير شبه كامل لمقر القيادة الفلسطينية وبعض المباني المجاورة التي يقطنها تونسيون.

لم يكن هذا العدوان الخارجي هو الأول الذي تعرضت له الدولة التونسية المستقلة ذات السيادة بل يعدّ الثاني، فقد قامت الطائرات الفرنسية يوم 8 فيفري 1958 بغارة جوية على قرية "ساقية سيدي يوسف" الواقعة على الحدود الجزائرية التونسية وذلك بحجة أن القرية كانت تستخدم كقاعدة خلفية للثوار الجزائريين الذين يقومون بالعمليات العسكرية ضد القوات الفرنسية انطلاقا منها.

فما هي الظروف التي حدثت فيها الغارة؟ وكيف أدارت الدولة التونسية هذه الأزمة على الصعيد الداخلي والخارجي؟وما هي أبرز القضايا أو المحاور التي تم التركيز عليها في إدارة المعركة والنتائج التي توصلت الى تحقيقها الدبلوماسية التونسية؟

I – الظروف العامة التي وقعت فيها الغارة

  1. 1.     على المستوى الداخلي: 

أ – الوجود الفلسطيني في تونس: انتقلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الى تونس بعد تمكن "إسرائيل" من احتلال لبنان وعاصمتها بيروت صيف 1982 وقد تدخلت عدة أطراف دولية لإقناع الرئيس الحبيب بورقيبة لاستقبال الفلسطينيين ويظهر أن الولايات المتحدة الأمريكية قد قدمت بدورها عدة ضمانات للدولة التونسية، من ناحيتها قدمت الحكومة التونسية "شروطا" معينة، كما طلبت التزامات محددة من الفلسطينيين فقد كانت الحكومة التونسية حساسة جدا من وجود الفلسطينيين على أراضيها و تخشى من مظاهر ذلك الوجود خاصة إذا كان مسلحا، ويظهر أن سوابق هذا الوجود في بعض الأقطار العربية كانت حاضرة في ذهن القيادة السياسية التونسية شديدة الحساسية من التدخل الخارجي في شوؤنها الداخلية، لذلك أكدت على ضرورة أن تستقر القوات الفلسطينية المسلحة (تسليحا شخصيا وخفيفا) في منطقة بعيدة نسبيا عن العاصمة وعن العمران بشكل عام (منطقة وادي الليل، شمال غرب العاصمة) في حين تستقر القيادات السياسية في منطقة حمام الشط (تبعد عن العاصمة بنحو 22كلم) على أن تتولى الدولة التونسية حماية الفلسطينيين الذي التزموا بدورهم بان لايكون لهم أي نشاط عدا النشاطات السياسية والاجتماعية والإنسانية (اعالة أسر الشهداء، مركز التخطيط، مركز التراث...).

   أثارت مسألة انتقال منظمة التحرير الفلسطينية الى تونس بعيدا عن بؤرة الصراع العديد من الاحترازات في صلب المنظمة نفسها وفي داخل أغلب المنظمات الفلسطينية بل حتى عند بعض الدول العربية وكان لكل طرف تبريراته ومصالحه.. ([2])وبشكل عام كانت القناعة عند أغلب الأطراف أن وجود المنظمة في منطقة بعيدة جدا عن فلسطين سيؤدي الى "الالتفاف على القضية" وابتعاد المنظمة عن شعبها في الداخل وعن قضاياها الأساسية وأيضا عن اللاجئين الذين يتركزون قرب دول على حدود "إسرائيل" أو قريبة منها( دول الطوق) كما اعتبر هؤلاء أن الظروف الأمنية في تونس غير مناسبة إذ يمكن اختراق البلاد أمنيا بسهولة من قبل جهاز الموساد الإسرائيلي خاصة..([3]) غير أن العديد من العوامل قد دفعت المنظمة بالاقتناع أو الرضوخ والانتقال إلى تونس من ذلك عدم وجود دول عربية من بلدان الطوق على استعداد لاستقبال القيادة الفلسطينية أما بسبب خلافاتها مع المنظمة أو نتيجة لتباين التوجهات و الاطروحات أو لأسباب تتعلق بأمن تلك الدول..([4])

كما كان لوجود الجامعة العربية بتونس([5])عاملا مهمّا في إقناع "الجميع" أو في دفع الدول العربية وحتى الدول الأجنبية في إقناع المنظمة لقبول الانتقال وإقناع دولة المقر أيضا بذلك.وكانت منظمة التحرير الفلسطينية وخاصة منظمة فتح تعتقد أن الانتقال إلى تونس سيضمن لها حرية أوسع لتحركاتها الدبلوماسية والسياسية دون وصاية أي طرف عربي.

ولا شكّ أنّ المواقف التقليدية للحكومة التونسية من القضية الفلسطينية و آفاق حلّها كما حدده الرئيس الحبيب بورقيبة عند زيارته لدول الطوق العربية (خطاب أريحا سنة 1965)، قد دعّم علاقة الدولة التونسية بالمنظمة خاصة بعد إقرار هذه الأخيرة البرنامج المرحلي وقبولها بقرارات الأمم المتحدة.([6])

   ويظهر أنّ العلاقات المتميزة التي تربط الحكومة التونسية بالولايات المتحدة الأمريكية قد  شكّلت عاملا مهما في إقناع الدولة التونسية بهذا العرض، وقد لعبت دورا أساسيا في إخراج المنظمة من لبنان حسب الشروط الاسرائلية، وتزايد دورها في عملية التسوية([7]) ومعالجة مسألة الصراع العربي الإسرائيلي بعيدا عن بؤرة التوتر.([8])

ب – تأزم الوضع السياسي والاجتماعي:

       كانت الجبهة الداخلية في تونس غير متماسة، فقد كانت الدولة التونسية عشية الغارة تعيش أزمة مركبة، فالصراع على خلافة الرئيس الحبيب بورقيبة كان على أشده بين عدة أجنحة في النظام، واستحكم أمر القطيعة بين أحزاب المعارضة بجميع مكوناتها والجمعيات المهنية والإنسانية من جهة والحكومة من جهة أخرى وتعدّدت المضايقات التي لحقت مقار الأحزاب ومناضليها وصحفها محاكمة بعض منتسبي تلك الأحزاب…أما العلاقة مع الاتحاد العام التونسي للشغل فقد تجاوزت التوتر إلى مرحلة الصدام المباشر حيث اتخذت السلطة الحاكمة عدة إجراءات ترمى الى ضرب استقلالية المنظمة الشغيلة واحتوائها..

   أما على المستوى الاقتصادي فقد كانت البلاد تعيش ظرفية صعبة نتيجة انحباس الأمطار والاختيارات الاقتصادية غير الموفقة وانعكاس كل ذلك على الحياة اليومية للمواطن وتفاقم عدد العاطلين عن العمل خاصة بعد رجوع العمال التونسيين من ليبيا قرار من الحكومة الليبية بطردهم وغلق الحدود بين البلدين.

ج – توتر العلاقات مع ليبيا:

      لم تعرف العلاقة بين ليبيا وتونس استقرارا ولا هدوءا منذ سنة 1974 بعد فشل الوحدة بين الدولتين، الا أنها ومنذ أواسط سنة 1985 عرفت توترا نوعيا خاصة بعد طرد الحكومة الليبية لآلاف العمال التونسيين العاملين في ليبيا واتجاه تونس لتنشيط علاقات سياسية واقتصادية متميزة مع الجزائر، وتركيز حملات إعلامية مشحونة بين الطرفين وتهديد طرابلس بالقيام بعمليات عسكرية انتقامية ضد تونس ورغم الوساطات العربية المختلفة فان الأمر وصل إلى حدّ القطيعة الدبلوماسية بين الطرفين...

  1. 2.    الأوضاع العربية: 

       كانت الأوضاع العربية متأزمة عامة نتيجة استمرار الحرب العراقية الإيرانية وتواصل الخلافات العربية العربية( وخاصة السورية العراقية) وتمكن النظام في مصر من اختراق الحصار العربي المفروض عليه، منذ مؤتمر بغداد، وذلك من خلال بوابة الحرب العراقية، وفشل مؤتمر للقمة العربي الطارئ في الدار البيضاء نتيجة لعدم حضور دول جبهة "الصمود والتصدي" وغياب أغلب الرؤساء والملوك عن حضوره.

  1.  فلسطينيا:

تزايد نشاط المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة وبرزت ظاهرة نضالية جديدة تمثلت في حرب السكاكين ضد الاسرائليين والهجومات المسلحة على الحافلات([9]) وفي الخارج نفذت إحدى الوحدات الفلسطينية المختصة عملية اغتيال استهدفت 3 جواسيس اسرائليين في لارنكا (قبرص).  وبالتوازي مع ذلك عرفت المقاومة اللبنانية والفلسطينية في الجنوب نشاطا ملحوظا ردت الطائرات الإسرائيلية عليه بغارات على مخيمات البداوى ونهر البارد وبلدة المرج في البقاع([10])، كما تم اختطاف طائرة أمريكية واحتجاز 39 رهينة أمريكية كانت على متنها وقتل أحد الرهائن، وتم إطلاق سراح نحو 735 معتقلا لبنانيا في سجن عتليت.. ([11])

مقابل ذلك توصل الطرفان الأردني الفلسطيني الى اتفاق مشترك للعمل سوية "لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية" بما في ذلك مدينة القدس والعمل على كافة المستويات لإيجاد تسوية عادلة وشاملة لمشاكل الشرق الأوسط على أساس قرارات قمة فاس والأمم المتحدة، والاتفاق على تشكيل وفد مشترك في مباحثات السلام وقد باركت الدول الأوروبية هذا الاتفاق وأعلن ريتشارد مورفي([12]) عن رغبة إدارة بلاده في إجراء حوار مع وفد أردني فلسطيني مشترك يمهد الطريق أمام مؤتمر دولي لإيجاد أرضية عمل لتحقيق سلام عادل وشامل في منطقة الشرق الأوسط([13])، كما أبدت مارغريت تاتشر، عند زيارتها لجمهورية مصر العربية والمملكة الهاشمية الأردنية ، عن رغبتها في لقاء وفد أردني- فلسطيني مشترك بعد الإعلان رسميا عن تشكيله حتى لو ضمّ هذا الوفد شخصيات لها صلة بمنظمة التحرير..([14]) وعلى اثر ذلك صرّح اسحق شامير بأنه يعتزم تقديم مذكرة احتجاج رسمي إلى الحكومة البريطانية واعتبر أن وجود أعضاء من منظّمة التحرير الفلسطينية في وفد للحوار مع بريطانيا يشكل ضربة لآفاق السلام في الشرق الأوسط.([15])

II – الغارة الإسرائيلية :

  1. الأهداف

     كشفت التقارير الدبلوماسية اللاحقة أن اسرائيل قد أعدت للعملية قبل أربعة أشهر من حدوثها

وانها استخدمت خلالها مختلف أشكال الاستطلاع وكل المعلومات والوسائل التي يتيحها الاتفاق الاستراتيجي الموقع بينها والولايات المتحدة الأمريكية([16]) وصرّح وزير الدفاع الإسرائيلي اسحق رابين أنه تمّ إعلام الإدارة الأمريكية بالعملية قبل نهايتها بقليل ([17]) واعتبر تونس حاضنة للإرهابيين الفلسطينيين ولذلك يجب ":ضرب الإرهاب على الرأس..".([18])، أدت تلك العملية التي اعترفت إسرائيل بتنفيذها إلى تدمير مقر منظمة التحرير بالكامل والى استشهاد نحو 70 شخص بين فلسطينيين وتونسيين بالإضافة لعشرات الجرحى من الجانبين غير أنها لم تتمكّن من القضاء على القيادة الفلسطينية.

2   –  المواقف العربية والدولية:

أدانت الدول العربية العملية بما في ذلك ليبيا، التي كانت على خلاف شديد مع الحكومة التونسية، ([19]) وعلّقت مصر مفاوضات طابا مع "إسرائيل". أما القيادة الفلسطينية فقد اعتبرت العملية موجهة ضد السلام والمبادرة الأمريكية، ([20])وهو نفس المنحى الذي ذهبت إليه مصر حيث اعتبرتها محاولة إسرائيلية لقطع الطريق على الاجتماع المزمع عقده بين كل من الرئيس مبارك وريغن والملك حسين للوصول الى حل وسط ينقذ مهمة ريتشارد مورفي المتوقفة، خاصة وأنه لم يبق الا 3 أشهر للحكومة الإسرائيلية بقيادة اسحق شامير بالإضافة إلى انشغال الإدارة الأمريكية بأجواء انتخابات الكونغرس..

أما بالنسبة إلى أوروبا فقد أدانت كل الدول الأوروبية بما في ذلك بريطانيا وألمانيا العملية غير  أن الموقف الإيطالي كان متميزا بحدته عن بقية الدول، فقد شبه وزير الخارجية اندريوتي الغارة "بمذبحة نازية"، وفي بلجيكيا أدان العملية مجلس النواب واعتبرها "عمل غير مقبول وتجاوز لكل الأعراف والقوانين الدولية"([21]) ووجه أعضاء بارزون من البرلمان الأوروبي انتقادا قويا ل"إسرائيل".([22]) أما البرلمان الأوروبي فقد كانت أدانته متأخرة وذلك بعد صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة.([23])

في حين أصدرت الاشتراكية الدولية بيانا أدانت فيه العملية وعبّرت عن تضامنها مع الدولة التونسية.([24])

أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد  اعتبر العملية "انتقامية وشرعية ضد أعمال إرهابية "([25]) ثم عدّل لاري سبيكس المتحدث باسم البيت الأبيض الموقف بان أعلن أن "الإدارة لا توافق على استخدام العنف..غير أن العملية قد جاءت في إطار الدفاع عن النفس وهي لذلك تصبح موضع تفهم من قبل الإدارة.."([26]) أما وزير الخارجية شولتز فقد اعتبر أن إدارته قد أقنعت تونس باستضافة الفلسطينيين ولكن بدون سلاح !([27]) فقد كانت العملية من المنظور الأمريكي شرعية واعتبر البيت الأبيض أن اسرائيل لم تخرق القانون الأمريكي حول بيع السلاح.. فكيف أدارت الحكومة التونسية هذه الأزمة في إطار تلك المعطيات؟

III - كيفية إدارة ألازمة :

تتطلب إدارة الأزمة الخارجية عامة تشخيصا محددا يتناول جميع أبعادها وانعكاساتها المحتملة، كما تتطلب تعيين فريق من الخبراء والسياسيين لإدارتها سياسيا وإعلاميا في الداخل والخارج، وتنسيقا محكما بينها وبين سلطات القرار لضمان النجاعة وتحقيق الأهداف المسطرة سلفا ومعالجة الطوارئ التي ربما تتولد عن الأزمة سواء لصالح تونس أو لغير صالحها..السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف كانت استعدادات تونس لمواجهة هذه الأزمة؟ وما هي نقاط القوة الذي يستند عليها موقفها؟ وأي نقاط ضعف التي تتخلله؟وبالتالي ما هي الخطة التي ستتحرك بموجبها؟

بالاستناد للمراجع التي اطلعنا عليها وبعض الشهادات التي استمعنا اليها من قبل بعض الفاعلين السياسيين تبين لنا أن السلطة التونسية لم تهتم بهذه الامور التقنية لإدارة ألازمة، وكانت إدارتها عفوية متمحورة حول شخصية الرئيس الحبيب بورقيبة بالأساس( والذي يوجد في حالة صحية غير طبيعية نسبيا) ووزير الخارجية آنذاك السيد الباجي قائد السبسي على المستوى الخارجي، أما في داخل البلاد فكان الوزير الاول ومدير الحزب الدستوري هما اللذان "يديران" الأزمة في حين كان كاتب الدولة للخارجية ينسق مع وزير الخارجية ويقدم المعطيات الأساسية للصحافيين حول مجريات الامور في نيويورك.

1 – على مستوى الداخل:

كانت الحالة الصحية والنفسية والمزاجية للرئيس الحبيب بورقيبة سيئة بسبب كبر سنّه، وكان الوزير الاول في وضع لا يحسد عليه فالصراع على الخلافة على أشده ومصادر القرار متعددة وعلاقاته سيئة مع المعارضة والاتحاد العام التونسي للشغل...

سقطت الحكومة في أول اختبار وهو ميدان الإعلام، فمن المبادئ الأساسية لادارة الأزمات إطلاع الرأي العام بدقة وشفافية على جميع الحقائق وأبعاد الأزمة مهما كانت مرارتها أو قسوتها،([28]) وكان الأمر أثناء هذه الأزمة على عكس ذلك تماما، فكثير من الوزارء لم يعلم بما حدث الا بالصدفة، وحتى الذي علم كان يعتقد أن الذي حدث كان من قبل الليبيين..([29])

ولم يتم الإعلان الرسمي عن الغارة الا في نشرة أخبار الواحدة بعد الظهر، في حين أن الغارة وقعت العاشرة صباحا، ولكن حتى الإعلان المتأخر لم يحدد الجهة التي قامت بالعدوان واكتفت الجهات المسؤولة بالقول أن الذي قام بالغارة هي جهات مجهولة.([30])

لقد خلق هذا الامر بلبلة لدى الرأي العام وظن البعض أن ليبيا هي التي نفذت تهديداتها السابقة من خلال هذه العملية، ولم يتم الإعلان عن هوية الطائرات المغيرة الا في الساعة السابعة مساء من يوم الغارة.([31])

أصدرت الحكومة والديوان السياسي بيانا مشتركا تضمّن": تحذيرا لكل البلدان الصديقة لإسرائيل من هذه الأعمال غير المقبولة.."([32]) دون ذكر للولايات المتحدة الأمريكية وهو ما يعبّر مرة أخرى عن المسافة التي تفصل الشعب والمعارضة عن الحكومة والحزب الحاكم، فالجميع يقر بدور الولايات المتحدة الأمريكية في تلك العملية بشكل أو آخر والكل عرف بتأييدها لعمل اسرائيل مباشرة بعد الإعلان الرسمي الإسرائيلي، في حين  البيان الثاني الذي صدر عن الديوان السياسي للحزب الحاكم، بعد اتضاح الأمور،قد تضمن غموضا وشكّا دون أن يحسم الأمر حيث أشار الي "قلق وانشغال الرئيس إزاء الدور الذي قد تكون الولايات المتحدة قد لعبته في العدوان..([33]) أي دون تحميلها المسؤولية المباشرة في العدوان باعتبار أن إسرائيل لن تقدم على مثل تلك العملية دون موافقة صريحة أو ضمنية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.وكان استدعاء الرئيس السابق الحبيب بورقيبة للسفير الأمريكي خير دليل على تورط الولايات المتحدة الأمريكية في الاعتداء غير أن الحزب خيّر على ما يظهر  رمي سهامه على النظام الليبي إن"..الصراعات الهامشية التي استحكمت بين الدول العربية قد ألهتها عن مواجهة القضايا الأساسية وان النظام الليبي مسؤول عما حدث لتونس.([34])

حاول الوزير الاول تدارك الموقف وامتصاص غضب المعارضة والشارع فقام بإطلاق سراح جميع الذين اعتقلوا أثناء مظاهرات الاحتجاج([35]) باستقبال بعض قادة المعارضة المعترف بها رسميا وذلك بعد 3 سنوات من الجفاء بين الطرفين، كما استقبل رئيس حركة الاتجاه الإسلامي غير المعترف بها رسميا وذلك لأول مرة..على المستوى الحزبي تكثفت تصريحات ولقاءات مدير الحزب(السيد الهادي البكوش) مع الصحافة والدستوريين، الذي أكّد على ضرورة حماية الوطن وأنّ ذلك لن يكون إلا بواسطة الشعب التونسي خاصة وان الموقف الأمريكي لم يكن مشرّفا([36])وأدان النظام الليبي واعتبره حليفا لإسرائيل.([37]) مؤكّدا على مواصلة استمرار الحزب والشعب  التضامن  مع الفلسطينيين واحتضانهم ودعم مسيرتهم.([38])

وفي الوقت الذي تميّز فيه خطاب المعارضة بالوضوح تميزت مواقف الحكومة والحزب عموما بالارتباك والغموض، وأصدرت أحزاب المعارضة بيانا مشتركا اعتبرت فيه أن العدوان انتهاك للسيادة الوطنية ودوس لحرمة التراب الوطني وأدانت الولايات المتحدة الأمريكية بشدة، واعتبرتها شريكا مباشرا في اقتراف هذا العدوان، وطالبت الحكومة بقطع العلاقات الدبلوماسية معها وبالإعلان عن حداد وطني. ([39]) وأصدرت بعض الأحزاب بيانات منفردة ساندت فيها نضال الشعب الفلسطيني وأبرزت "تورط الولايات المتحدة في العملية، واعتبرت أن العملية قد حولت البلاد الى دولة مواجهة..([40]) في حين بين البعض الآخر أن العدوان" أبرز من جديد ترابط أهداف الصهيونية مع أهداف الإمبريالية الأمريكية وهو ما يفنّد مزاعم الصداقة مع تونس التي تدعيها أمريكا، وكشف بالتالي عن أوهام الحماية الأمريكية للبلاد.."([41]) وطالب بيان أحد الأحزاب الحكومة بضرورة " دعم حماية المنظمة..وبتقديم شكوى ضد هذا الإرهاب الشنيع الى مجلس الأمن.."([42]) و خرجت العديد من المظاهرات في العاصمة وبقية الولايات( البعض منها منظم والبعض الآخر عفوي) منددة بالغارة وبالولايات المتحدة الأمريكية وتم مواجهة البعض منها بالقوة وإيقاف مئات الأشخاص، منهم بعض القيادات في أحزاب المعارضة العلنية.([43])

2 – على المستوى الخارجي:

قام الرئيس بورقيبة باستدعاء السفير الأمريكي بتونس، الذي اسمعه، على ما يبدو، كلاما "قاسيا" غير دبلوماسي واتهم بلاده بخيانة تونس حيث اتجه للسفير بالقول: "نحن كقرينين تعاشرا طيلة نصف قرن ثم اكتشف أحدهما خيانة الآخر، فشعر كأن هذا يخونه طوال الخمسين عام.." وكان بورقيبة قد استقبل قبل أسبوعين من حدوث الاعتداء ضابط سام من البحرية الأمريكية أهداه سيفا من ذهب كعربون صداقة وحماية، وكان قد زار الولايات المتحدة قبل الاعتداء بشهرين تقريبا وتلقى من الرئيس ريغن تطمينات صريحة بان تقف بلاده الى جانب تونس في حال تعرضها للخطر.([44])

هدّد بورقيبة أيضا، في لقاءه ذاك مع السفير الأمريكي، بقطع العلاقات الدبلوماسية مع حكومته و أشار بذلك لوزير الخارجية غير أنّ هذا الأخير أقنعه على ما يبدو بضرورة التريث وانتظار ما سيؤول إليه الأمر.([45])

ومقارنة بالذي حدث في ساقية سيدي يوسف قبل 27 عاما كان اول إجراء اتخذه الرئيس الحبيب بورقيبة هو استدعاء السفير التونسي من باريس للتشاور وهو ما يعتبر في العرف الدبلوماسي بلوغ الأزمة إلى أقصاها بين الدولتين ثم قدمت تونس شكوى لمجلس الأمن([46])غير أن موقف بورقيبة أثناء هذه الأزمة كان مختلفا إذ لم يتخذ مثل هذا الإجراء مع الولايات المتحدة. هل لأنّ الولايات المتحدة لم تكن الدولة المعتدية على تونس بشكل مباشر كما الحال مع فرنسا؟ أم إدراكا منه بان ذلك لا قيمة له؟ أو اعتقاده أن إجراء مثل هذا لن يجلب لتونس ما تسعى لتحقيقه وقد يبعد الولايات المتحدة الأمريكية عنه؟([47])

لا شكّ أن تونس لا تملك الإمكانيات الضرورية بل ولا تفكر في الرد على إسرائيل([48])،ولم يكن أمامها إلا حلاّ وحيدا وهو تقديم شكوى لمجلس الأمن لإنصافها.

ويظهر أن الرئيس بورقيبة باستقباله السفير الأمريكي قد حدّد ميدان وأهداف المعركة فتقديم شكوى لمجلس الأمن لإدانة ما قامت به اسرائيل ضدّ سيادة تونس وأمنها وسكانها من ناحية  والمطالبة بالتعويضات المناسبة ومنع الولايات المتحدة من استخدام حق الفيتو ضد هذا المشروع من ناحية أخرى.([49])

كان وزير الخارجية في نيويورك يتابع أشغال الدورة العادية للمجلس... و كانت كل العوامل مساعده لإدارة الأزمة بأقل معاناة خاصة وأن الوزير  يحظى بثقة الرئيس من جهة  وبمواقف مؤيدة لتونس  من كل الأطراف تقريبا([50])، فتشخيص الأزمة كان واضحا ومواقف أغلب إن لم نقل كل الدول ضد عدوان دولة على سيادة دولة أخرى والأمر لا يحتمل مداولات عويصة باعتبار ما تنص عليه مبادئ ومواثيق الأمم المتحدة، خاصة وان اسرائيل قد اعترفت بالعدوان.

يظهر أن المشكلة الأساسية التي واجهت الدبلوماسية التونسية في إدارة الأزمة تتمثل في الإمكانية شبه المؤكدة في استخدام الفيتو من قبل حلفاء اسرائيل وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية منعا لأي إدانة ضدها، وقد يزداد الأمر تعقيدا إذا تضمنت الشكوى أي إشارة للفلسطينيين أو القضية الفلسطينية، لكن الدول المعنية جميعها أدانت العملية باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية التي قدّمت تبريرات واعتبرت أن ذلك هو دفاعا عن النفس ومواجهة الإرهاب.

كانت منظمة التحرير الغائب الحاضر في هذه القضية فرغم أن إسرائيل خرقت المجال الجوي التونسي فان الاعتداء لم يكن موجها ضد التونسيين كما صرحت بذلك الحكومة الإسرائيلية بنفسها، بل كان ضد الفلسطينيين والقيادة الفلسطينية بالأساس التي تتهمها بممارسة بالإرهاب. فلماذا لم يتم التأكيد على هذا المعطى بالرغم أن الوجود الفلسطيني في تونس كان محل إجماع من قبل الجميع بما في ذلك الولايات المتحدة، ثم أن منظمة التحرير الفلسطينية كان لها وضع المراقب في الأمم المتحدة.؟

    يبدو أن الأمر كان واضحا لوزير الخارجية التونسية، الذي كان باتصال متواصل مع الرئيس الحبيب بورقيبة، ويظهر أنه حاول صّد كل محاولات الفلسطينيين لإدراج أي فقرة ذات علاقة بالفلسطينيين في نص القرار معتبرا أن المسألة تخص سيادة تونس.([51]) وكان وزير الشؤون الخارجية التونسي قد صرّح وهو في نيويورك، وبعد حدوث الاعتداء مباشرة، أن الهدف من وراء الاعتداء هو"..نسف الجهود التي تسعى لإيجاد حل عادل ودائم للمشكل الفلسطيني..وان عملهم الإرهابي يندرج في خط ّسياستهم الرافضة دوما لكل حل سلمي والمحبطة لكل جهود السلام..".([52]) فهل يدخل ذلك في إطار مساومة بين الحكومة التونسية والإدارة الأمريكية بحيث تغض تونس الطرف عن الجانب الفلسطيني من ألازمة مقابل أن لا تستخدم الإدارة الأمريكية الفيتو ضد المشروع التونسي؟ 

إننا لا نستبعد ذلك بالرغم من أن الذين قمنا بالتحدّث معهم حول هذه النقطة قد استبعدو هذا الأمر من جهتهم، غير أن طبيعة العلاقات الاستراتيجية التي تربط بشكل رسمي الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تشي الى هذا الأمر، فإسرائيل تظلّ من أهم محاور الاستراتيجية الأمريكية، أما تونس فهي لا تشكل بالنسبة إلى إسرائيل مشكلة في حد ذاتها، فقد اعترفت بالعملية وأبرزت إنها تستهدف الفلسطينيين وليس التونسيين وبذلك ليس من صالح إسرائيل أن تتضمن الشكوى التونسية المسألة الفلسطينية بالرغم أن القانون الدولي يبيح لها ذلك، و أغلب الدول التي أدانت الاعتداء الإسرائيلي كانت على وعي بان المستهدف هم الفلسطينيون والقيادة الفلسطينية بالتحديد وليس الدولة التونسية، و البعض من تلك الدول هبّ لنجدة السلطة التونسية أثناء عملية قفصة سنة 1985؟ وبالنتيجة يظهر أن الدبلوماسية التونسية عملت لتحقيق هدفين اثنين هما:

  • إدانة قيام اسرائيل بخرق سيادتها والاعتداء على ترابها الوطني وإلزامها بدفع التعويضات.
    • تحييد الموقف الأمريكي باتجاه عدم استخدامه للفيتو ضد المشروع..

وعلى هذا الأساس قامت مشاورات ومباحثات الوفد التونسي لتحويل مسار الموقف الأمريكي من الموقف المؤيد لإسرائيل، إلى الموقف المتفهم وصولا الى التخلي عن استخدام الفيتو، وقد كان ذلك ممكن التحقيق باعتبار المساندة العامة من جميع الأطراف وخاصة تحت ضغط الموقف الأوروبي والموقف المصري المساند بشكل مطلق للمشروع التونسي وبغياب البعد الفلسطيني في مضمون الشكوى الفلسطينية.

 تلكأت الولايات المتحدة الأمريكية في البداية وناورت ثم قبلت ولكن بشرط أن لا تقع إدانة دولة اسرائيل صراحة و بالاسم وهو ما تم بالفعل حيث أدان المجلس العملية، ([53]) (بند عدد1) دون أن يدين إسرائيل، وقد صرح السيد محمود المستيري كاتب الدولة لدى وزيرالشوؤن الخارجية عقب خروج القرار"أن لا فرق بين العملية ومرتكبيها.." ثم استدرك قائلا" كنا نتمنى ذلك الا أن الإدانة المباشرة لإسرائيل احترزت عليه الدول الأوروبية والولايات المتحدة..".([54])

 من جهة أخرى لم تقع الإشارة لا من قريب ولا من بعيد لهوية الذين استهدفتهم الغارة الإسرائيلية حيث توجهت الإدانة "للعمل المسلح..ضد الأراضي التونسية" فقط وليس مقّر منظمة التحرير الفلسطينية ولا القيادات الفلسطينية بالرغم الاعتراف الإسرائيلي الصريح بان العملية كانت تستهدف القيادة الفلسطينية وياسر عرفات بالأساس، كما أن التعويضات التي أشار اليها البند الرابع كانت تخص الأرواح البشرية والأضرار المادية دون إشارة أو تحديد للضحايا الفلسطينيين و لا إلى حقهم في التعويض...

اعتبرت الحكومة التونسية أن ما توصّل إليه المجلس يعدّ انتصارا دبلوماسيا كبيرا، وان إمساك الولايات المتحدة عن التصويت في قضايا ذات علاقة بإسرائيل يعدّ حدثا في حدّ ذاته، ([55])غير أن الحكومة التونسية تجاهلت أمر الولايات المتحدة التي مارست نفس الموقف بخصوص عملية الهجوم على المفاعل النووي العراقي – تموز – سنة 1981، والعراق يخوض الحرب ضد إيران بمساندة ضمنية من الولايات المتحدة الأمريكية...

الخاتمة:

يمكن القول أن الولايات المتحدة الامريكية كانت بين نارين:اسرائيل الحليف الاستراتيجي وتونس الصديقة، ويظهر أن الدبلوماسية التونسية كانت على وعي بذلك، وكان هدفها، وطنيا، يتجه نحو إدانة الفعل الإسرائيلي والتعامل مع حقيقة العلاقات الاستراتيجية التي تربط اسرائيل والولايات المتحدة فاستخدمت عدة معطيات لتحقيق هدفها من ذلك التهديد الذي نقله السفير الأمريكي بتونس للرئيس ريغن شخصيا والذي مثّل عاملا حاسما لتمرير الموقف بصيغته تلك دون استخدام الفيتو.

ومواقف تونس التقليدية من الصراع العربي الاسرائيلي والدور الذي يمكن أن تلعبه في مشروع التسوية الذي طرحه كاتب الدولة الامريكي لشؤون الشرق الأوسط. وتعهدات الولايات المتحدة السابقة لتونس بحمايتها من أي اعتداءات خارجية و التلويح بإمكانية تخلي تونس عن سياستها الخارجية المبنية على التوازن بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية مع التفضيل النسبي لفائدة واشنطن، وبالتالي الاقتراب اكثر نحو أوروبا.

 وبالنهاية أكدت تلك العملية أن الاستراتيجية الصهيونية لا تفرق بين دولة عربية وأخرى بغض النظر عن طبيعة نظامها السياسي وعن بعدها او قربها من اسرائيل جغرافيا، فتلك الاستراتيجية تعتبر العرب جميعهم دول مواجهة، كما بينت ذلك مداولات مجلس الأمن والتصويت، وقد تأكد مرة أخرى أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تساوم مع مصالح اسرائيل فجميع وعودها لأصدقائها لا أهمية لها أمام تلك المصالح.

عبد اللّطيف الحناشي: أستاذ التاريخ السياسي المعاصر والراهن

الكلمات المفاتيح: 

  • غارة حمام الشط، منظمة التحرير الفلسطينية، الحبيب بورقيبة، الولايات المتحدة الأمريكية، الموساد الاسرائيلي