يوسف المُشاهِد

29 أفريل 2017
12
بقلم : محمد صالح عمري

حين تولّى يوسف الشاهد رئاسة الحكومة كتبت ُمقالا بعنوان "المشهد والشاهد والشهيد" وفيه تحدثتُ عن نجاحه إلى حدّ مهم في كسب معركة المشهد  (spectacle) في أول ظهور له  وعن حضور الشهيد شكري بلعيد في خطابه وتطرقت إلى موقعه كشاهد: "وقف رئيس الحكومة الجديد من أمر تونس موقف الشاهد على ما آلت اليه والمنذر بقرب الخراب. وكأني به يقول ألا هل بلّغت؟ اللهمّ فاشهد. أو قل لقد جاءنا قائلا: أشهد أمامكم بقرب خراب عمران إفريقية على يد أهل المال، من صندوق النقد الدولي إلى بارونات التهريب (أحد نواب الشعب سمّاهم، سهوا أو جهلا، بالونات التهريب).

هل شهد زورا أم حقاً؟ لا علم لي. الأهم أنّه شهد من موقع العارف بحكم قُربه من الدوائر المالية العالمية وتجربته مع وكالة التعاون الدولي الأمريكية ووجوده داخل الحكومة السابقة وحركة نداء تونس وغيره. هو عارف بما يُعدّ لتونس أو ما يتنظرها - لا يهم القصد فالمصير واحد - ممّا أصاب اليونان مثلا، من الناحية الاقتصادية والاجتماعية. والملفت أنّ أزمة اليونان لم تُدخِل ذلك البلد في دوّامة العنف والحرب الأهلية مع العلم ان  عنف ممكن تماماً في تونس لأسباب يطول شرحها. ولم يأت السيد يوسف الشاهد على ذكر هكذا سيناريو حين اكتفى بالتهديد بسياسة تقشّف تكاد تكون حتمية.  والنوايا والقدرة الاتصاليه هنا لا تهمّ بقدر أهمية المصير في حدّ ذاته." 

الآن وبعد مرور ثمانية أشهر على اعتلائه سدّة الحكم يمكن القول إنّ يوسف الشاهد وقف من الأحداث والتطورات موقف المُشاهد وذلك من موقع أمامي  أحيانا  وخلفي أحيانا أخرى.  وجلس، وهو من طلب من الناس الوقوف إلى تونس، يتفرّج على مصائر البلاد والعباد وحتى على مصيره هو. بقي في موقع المتفرّج والقوى الداعمة له تتلاعب به حينا وتتجاوزه حينا آخر وتتجاهله في الغالب، وذلك حسب الظرف والحدث والموازين. فقد تبيّن بالكاشف أن الإسلاميين ورّطوه بفصلهم التحريضي عن التأييدي فأوكلوا لبعض أجنحتهم التحريض عليه و"مَرمَدته" ، كما "مَرمَد" حزب نداء تونس رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد،  في حين تصدّر بعض الإسلاميين الآخرين المشهد الإعلامي والبرلماني يؤيّدون رئيس الحكومة في تمرير مشاريع جانبية (قانون الزطلة مثلا) واُخرى معادية للبلاد (عدم رفع السرّ البنكي مثلا). ونفس الشيء ينسحب على نداء تونس الذي رفع يديه عن يوسف الشاهد تقريبا منذ البداية. وحين احتاج الشاهد إلى سند واضح لا لُبْس فيه من الائتلاف الذي عيّنه في منصبه لم يجده لا من النداء ولا من النهضة. 

وهكذا، ولعِلّة في خصال الشخص القيادية أيضا، مرّت أمام عيني رئيس الحكومة وهو في لوجه (loge) بالقصبة مسرحيات وأفلام وتراجيديات منها كوميديا شفيق جراية وملهاة نبيل القروي ومسلسل المجلس الأعلى للقضاء ومسخرة تشليك الهايكا وبهلوانيات برهان بسيس وحلبة كرة القدم ....وها هو اليوم يقف أمام تطاوين وغيرها من الاحتجاجات متفرجا أيضا.  

نعم، يحدث كل ذلك في تونس ويوسف الشاهد كما هو يحرك فكّيه يريد أن يتكلّم فلا يخرج من فمه إلاّ الشهيق حينا والنهيق حينا أخرى، على حدّ تعبير بليغ للراحل توفيق بكار في وصفه لشخصية البغل وقارئها الغبي في كتاب السدّ للمسعدي.. وحتى إن تكلّم فليقول الفراغ واللاّشيئ:  وقد أحسن السودانيون حين قالوا عن الخطاب الفارغ إنّه "كلام ساكت".

هذا يوسف المُشاهِد الذي يرى تونس تتفتّت أمام عينيه وهو يتفرّج حائرا: ألمُ هذا البلد يستجاب أم لا يستجاب؟ ولنا الآن أن نتساءل:هل كان تعيين يوسف الشاهد ثوابا أم عقاب؟ أم أنه لم يكن غير سراب يخفي تحالف الدولة العميقة والإسلام السياسي الميكيافيلي وهما يغيّران التكتيكات حتى تؤول إليهما الأمور أو يعمّ الخراب؟  

 

* أكاديمي تونسي بجامعة أكسفورد