نحن ..والدواعش...

23 يناير 2017 - الساعة 10 و 23 دقيقة
12
بقلم : محجوب لطفي بلهادي

 البدايات قد تكون زلاّت لسان وأفعال...

ما نتفوّه به بشكل متواتر ومنتظم من رسائل لفظية يعكس من وجهة نظر علم اللسانيات الحديث أنساقا ذهنية في التفكير قائمة الذات تعبّر عن نفسها من خلال أنماط متعددة من السلوك.. تبحث ممّا تبحث عن "تموقعات" داخل أو خارج فهارس التاريخ ومجالات الجغرافيا ...

بعيدا عن امتهان تخصّص"تفسير الرؤى" التي تفوّقت فيه نخبنا العربية،  تستوقفنا في كل لحظة وزاوية كماّ هائلا من العبارات الرّديفة تٌنطق بلكنات وبلهجات مختلفة، تداولها الألسن من "سوق الحميدية الدمشقي" إلى "أسواق مرّاكش" المميزة، منها : "تعالى اجلس..ريّح.. شوفيه لسّة بكّير.. أقعد شوية.. مازال بكرى ..شبيك مزروب؟..."، تدعو جميعها بشكل لافت إلى كوجيتو جديد : "أنا جالس إذن أنا موجود" من شأنه - إن تمت دراسته بشكل معمّق - أن تٌيسّر عملية البحث عن الصندوق الأسود الحامل لأسرار إخفاقاتنا المتتالية وتسلل "الدواعش" بيننا بجواز عبور عربي-عربي...

ففي قلب أهمّ مختبرات "الربيع العربي" تونس، عندما تٌسأل:  "وينك توّا ؟ فان الإجابة سترد عليك بطريقة بافلوفية سريعة : "أنا قاعد نستنّا فيك"...

وان دعوته إلى جلسة ما فانّك تخاطبه على النحو التالي  : "ايجا نعملو قعدة"  .. وان استمتع بهذه الجلسة فانه يجيبك "ملاّ قعدة ! "...

وان طلبت منه خدمة فانه يرد عليك بطريقة روبوتية  " إنشاء الله " ..وان استشرته في موضوع دنيوي يٌقحمك في عالم المباح والمحظور.. وعندما تطالبه بالإيفاء بوعوده فانه يٌقفل في وجهك الهاتف الجوّال ...

سلوكيات وأخرى تنتقل بسرعة الألياف البصرية على طريقة - ابن بطوطة بنسخة رديئة جدا - من بلد عربي إلى آخر بتمظهرات فونيمية وايحائية محلية متعددة...

في حين أنه عندما يٌهاتفك أحد الأصدقاء في إحدى العواصم الغربية للقائك ، فإمّا أن يدعوك لاحتساء قهوة لانجاز عمل أو لإبرام صفقة، وإمّا للاحتفال بحدث ما.. أمّا في مملكة الشرق - مملكة كونفوشيوس وزارادتش بامتياز - فلا مكان "للجلوس والقعدة"، فللعمل قيمة مقدسة ترقى إلى مرتبة العبادة والدين...

عبارات تعدّدت ، اتّسعت وجابت عرضا وطولا ثنائية الوعي واللاوعي المتحكمة بنا لتؤسس لمنظومة متكاملة من السلوك اللفظي شديدة التعقيد والتفرّد، يسبح داخلها "اليومي" خارج حركة الزمن بحامض نووي مختلف، لازماني التكوين !...

منظومة ساهمت في ظهور أجيال من "الزعامات العربية" موميائية المنشأ والفعل، فرّخت جحافل من المغول الجدد (الدواعش وشركائهم) فى طور استكمال دولة الموت، داخلها وخارجها مفقود.. أسقطت من جميع حساباتها المشروع التاريخي الحداثى لاعتمادها على "السّاعة الرّملية" في زمن "العقارب الرقمية والذرية" ..حنّطت العقول والذّاكرة قبل أديم الأرض..جعلتنا نتجدّد بتنفّس روائح وبخور الصراع الطائفي/العقائدي الكريهة.. أبدعت في استنساخ "واقعة الجمل وصفين وكربلاء " بإصدارات القرن الحادي والعشرين .. حوّلت الاقتصاد إلى وليمة فاخرة تداول عليها سلالات جديدة من القوارض البشرية، تنتصب داخل قاعات أكل فسيحة، في رحابها تٌقرع الطبول وتٌرفع الكؤوس على نخب انتصار الجالس الخامل على المتحفّز الواقف.. انتصار الاستكانة على المبادرة والإبداع !

 النهايات قد تكون عودة إلى الكهوف الموحشة...

في زمان ومكان غير محددين.. بعد أن أنهكتهم رحلة التّنظير والتّناحر الطائفي..استلقى فتية من صفوة القوم في إحدى الكهوف الموحشة..فحدثت المعجزة الكبرى ولم يقّرّر الله إلاّ أن يلبثوا لقرون وقرون ..وعندما استفاقوا أدركوا أن قطار الزمن فاتهم..عاندوا التيار لعقود طويلة .. منهم من عاد مسرعا للكهف طالبا من الله المنيّة.. ومنهم من ظّل طريق العودة.. وقلّة  قليلة منهم أعلنت العصيان على الكهف...

قد يتبع ...

الكلمات المفاتيح: 

  • تونس، الربيع العربي، الدواعش، الإرهاب،

أهم الأخبار