من أجل حزب عمالي كبير

10 مارس 2017
12
بقلم : محمد صالح عمري

دعا المؤرخ المرموق الهادي التيمومي منذ أيام الإتحاد العام التونسي للشغل إلى تكوين حزب عمالي واعتبر أنّ ذلك حلّ نهائي لجملة من المسائل، كما أشار إلى الحالة البريطانية كمثال ناجح لبروز حزب من رحم النقابات. لا شك أنّ معرفة التيمومي بالمجتمع التونسي دقيقة وذات مصداقية ثابتة، فهو مؤرخ الهامش والمركز معا، وكتب في التشكيلات الاجتماعية والثورات والشخصية التونسية، كلّ ذلك من منظور المؤرخ المستفيد من العلوم الإجتماعية الأخرى والانغماس في المجتمع. وهو مناضل ومكوّن لأجيال من المناضلين سياسيا ونقابيا. وحريّ بنا أن نُعير كلامه الأهمية البالغة التي يستحقّها. وما مقالي هذا إلاّ تفاعل مع دعوته وعودة نقدية إلى بعض الأفكار التي كنت تقدّمت بها سابقا، وتوسيع لدائرة الحوار.

والواقع أنّ المقترح ليس جديدا تماما وأنّه شغل الناس منذ الأيام الأولى للثورة. فقد تقدّم المؤرّخ والنقابي الوطني الراحل أحمد جدي في 26 مارس 2011 بسؤال في هذا الاتجاه إلى الإتحاد أثناء لقاء للذاكرة الوطنية بمؤسسة التميمي ونشر في المجلد الأوّل لمرصد الثورة التونسية. جاء في السؤال:"بناء على قراءة مؤرّخ لهذا التاريخ، أي تاريخ الإتحاد بين السياسي والإجتماعي، هل ثمّة تفكير، وأعرف أنّه داخل المجتمع هناك رغبة في وجود حزب إضافة إلى التعددية النقابية؟ أنا أقول ذلك لكي يتكوّن ما يمكن أن نسمّيه قوّة سياسية مضادّة في المجتمع ولِما لا لتشكّل حزبين كبيرين يقودان مستقبل البلاد؟" (265).  وكان ردّ الإتحاد وقتها على لسان عبيد البريكي الناطق الرسمي باسمه كالتالي: "الفكرة موجودة عند النقابيين ولكن حسب موقفي الشخصي (وموقف الزملاء) فإنّه قد يضعف الإتحاد العام التونسي للشغل، وقد يدفع به نحو التعددية النقابية الفعلية. قوة الإتحاد تكمن في تواجد كل الأطياف السياسية فيه. فإذا تسرّعنا وأحدثنا هذا الحزب فإنّ النقابة ستصبح متحِّزبة وسيفقدها ذلك قوّتها وسيصبح لكل حزب منظمته النقابية، وهذا رأيي الشخصي لا غير وليس موقفا رسميا" (271).

كان ذلك بعد أسابيع من الثورة ورفض الإتحاد التسرّع وهو مُحقّ في ذلك في حينه إذ كانت تونس تمر بمرحلة اهتزاز وخلخلة وواقع متحرك، وكان لابد من التشبّث بالوعاء أو الإطار الوحيد القادر على احتضان النفَس الإحتجاجي وتفعيله في مكاسب ملموسة للعمال وللتونسيين عموما في انتظار الفرز السياسي.  وقد فعل الإتحاد ذلك وزاد عليه بأن تحوّل إلى ضامن حقيقي وثابت لانتقال تونس من مرحلة الإنتفاض إلى مرحلة تركيز أسس جمهورية جديدة. أما اليوم وقد مرّ على الثورة أكثر من ست سنوات ودخل السيد البريكي نفسه الحكومة وخرج منها وانعقد مؤتمر ثان للاتحاد وتكوّنت أحزاب ومرّ بالحكم عدّة حكومات وتشكّلت عدة جبهات وتحالفات، وتراكمت مكاسب وانكسارات ليس هنا مجال تفصيلها، فإنّنا لن نكون متسرّعين إذا أقرّينا بجملة من الحقائق.  

1. التشتّت التام والتفتّت المحبِط للقوى الحاملة لطموح الثورة وبرنامجها وفشل هذه القوى في تحويل الزخم إلى بديل واضح ومُقنع ويمكن ترجمته إلى مكسب انتخابي يضعها في موقع القيادة أوالحكم. فقد تقلّص تأثير الجبهة الشعبية ولم تتمكّن من التطور تنظيميا. أما الأمل في تحوّل الجبهة أو بعض الأحزاب المكوّنة لها إلى حزب يساري جامع فقد بيّن التاريخ أنّه وُئد باغتيال شكري بلعيد.

2. تقدُّم ما أسميه بنزعة معاقبة الثورة والثوار بما في ذلك الجهات المقصية، وتحول هذه النزعة إلى سياسة أحزاب وسياسة دولة  في نفس الوقت. ومنه اتفاق أحزاب عديدة منها نداء تونس وحركة النهضة وآفاق تونس والوطني الحرعلى تلجيم الإتحاد والتحركات الاجتماعية. أما الحكومات التي أفرزتها المسارات المختلفة مثل التوافقات والانتخابات والتحالفات فهي تواصل نفس منوال التنمية  وتدعم فكرة أنّ الثورة قوس يجب أنْ يغلق من أجل انجاح ديمقراطية سياسية تسمح بتواصل الدولة، والمعني بالدولة هنا هو دولة ماقبل الثورة وإعادة ترميم  المنوال التنموي الموجود بجعله أكثر قبولا عبر إصلاحات تقنية أو ظرفية. ومنها إصلاحات التعليم بشقّيه وبعض القوانين والمحاكمات الإنتقائية، وجميع هذه الإجراءات   لا تعدو أن تكون من قبيل جعل ما هو مرفوض مستساغا ومن ثمّ ضمان البقاء في السلطة بأيّ شكل.

3. عودة الإتحاد إلى موقع طالما شغله قبل الثورة أي كحصن وحيد أمام الهجوم الكاسح للثورة المضادة وكهدف أساسي لها.  فالإتحاد الآن حسب خصومه إمّا شر لابد منه أو خصم وجب تحييده حتى يحين الوقت للإجهاز عليه. وهو في نظر بعض أنصاره يقوم بمعركة سيسية بالوكالة لصالحهم، وهو لدى شق ثالث، وهؤلاء قلّة، آخر الحصون أمام المرحلة الحزبية التي تمر بها البلاد والتي أضعفت "العصبية النقابية" الجامعة وحوّلتها إلى نوع من القبليّة الحزبية. وجميع هذه  المراهنات المتناقضة على الإتحاد قد تؤدي إلى تدمير المنظمة الشغيلة  في حدّ ذاتها. وقد فصّلتُ في هذه المخاطر في مقالات سابقة.

المثال البريطاني

والمتأمل في التاريخ البريطاني الحديث يلحظ، تماما كما ذكر التيمومي، أنّ بروز حزب العمّال البريطاني كان عملية طويلة المدى انطلقت منذ أواخر القرن التاسع عشر ولم تجد تعبيرتها الكاملة إلاّ بُعيد الحرب العالمية الثانية. وليس من باب التعميم أو المبالغة القول إنّ بريطانيا اليوم هي نتاج حزب العمال ونقاباته في تعاملهم مع المسألة السياسية ومسألة الحكم بالذات (وهي في ذلك تختلف جوهريا عن الولايات المتحدة  حيث لعبت النقابات عموما ولا تزال أدوارا محافظة وحتى رجعية آخرها وقوفه العديد منها إلى جانب دونلد ترمب.)

لقد حققت الحركة العمالية في بريطانيا، وبعدها في بلدان أخرى تبنّت الديمقراطية الإجتماعية، مكاسب أثبت التاريخ أنّه لا يمكن التراجع عنها بل لعلّها أصبحت الحدّ الأدنى المشترك بين جميع الأحزاب، ومنها التغطية الصحية والضمان الإجتماعي وعمومية التعليم إلى جانب الحوكمة الرشيدة والحقوق الشخصية. بل لعلّ بريطانيا ككل ماكانت لتجد وزنها الذي خسرته بعد سقوط امبراطوريتها، وما كانت لتجد توازنها المحلي وموقعها العالمي، إلاّ بفضل حزب العمّال خاصة عقب الحرب العالمية الثانية، حيث ركز الحزب الذي كان أغلبيا آنذاك أسس الدولة القوية العادلة اجتماعيا والمسنودة شعبيا. (كلّ هذا لا يجب أن يُنسينا طبعا دور هذا الحزب وخاصة بعض فئاته في السياسة الإستعمارية الجديدة لبريطانيا، ولكن مجال المقارنة هنا يهمّ جدلية النقابي والسياسي في نشأة وتاريخ هذا الحزب والديمقراطية الإجتماعية لاغير).

من المعلوم أنّ للتاريخ حركيته ومنطقه كما هو الشأن في الحالة البريطانية ولكن ميزة الثورات تكمن بالذات في اختصار الزمن وفتح آفاق غير منتظرة والتدخل في حركية التاريخ. وهنا تكمن ثورية ما حدث في 2010-2011 في تونس بالذات.

بديل ممكن وتوازن غير مغشوش

أعتقد أنّ تونس قد مرّت بمرحلة فرز سياسي ضروري ومشروع، تبيّن من خلاله أنّ القطب المرتد عن الثورة قد أحكم سيطرته على الدولة واستغل مكاسب الثورة ذاتها لبناء رصيد رمزي ومادي يسعى من خلاله إلى إحكام قبضته على البلاد ككل لفترة قد تطول.  بالتوازي مع ذلك نجحت  الثورة المضادّة والدولة العميقة في إلهاء الإتحاد والبلاد عموما بالتفاصيل وإغراقهم في الجانبي والطوارئ حتى تتمكن من تغييب الأفكار الكبيرة و تعرقل بناء الرؤية الشمولية والتفكير الاستراتيجي. بل لعلّها دفعت الجميع إلى العمل على الحدّ من" تسرب الرمل" كحدّ أقصى عوض التفكير في البدائل والبناء. في المقابل تعددت الدعوات إلى خلق توازن سياسي عبر إنشاء المزيد من الأحزاب والتحالفات التي تسمي نفسها وسطية. وهي برأيي تطرح توازنا مغشوشا لاغير.  

أقدّر أنّ اللحظة الراهنة تتطلب تفكيرا جديدا يطمح إلى خلق توازن حقيقي بطرح بديل حقيقيعلى الشعب.  ويكون ذلك بالدفع نحو حزب عمّالي كبير على قاعدة أهداف الثورة في العدالة الاجتماعية الحقيقية والحرية والكرامة والدولة المدنية. ويكون ذلك لا على أساس تحوّل الإتحاد إلى حزب سياسي، ولا على أساس تزكية الإتحاد لحزب بعينه، وإنّما على قاعدة  فصل وظيفي بين النقابي والسياسي يكون بمقتضاه الإتحاد داعما لحزب عمالي جديد يحمل مضامين الاتحاد السياسية والاجتماعية.  ويكون اليسارالمنظم وغير المنظم والقوى التقدمية قاطرة هذا الحزب وذلك بعد تخلّي اليسار عن الأشكال الحالية من التنظيم سواء كانت أحزابا أو جبهات أو تجمّعات، أو صهرها في الحزب الكبير.

بناء على ما تقدّم أقترح مؤتمرا تأسيسيا يهدف إلى وضع أرضية سياسية جامعة وخطة تنظيمية دقيقة تفضي إلى تأسيس حزب سياسي عمّالي عصري.  يدعو الإتحاد إلى المؤتمر ويشرف على تنظيمه ويدعو إليه كلّ من يتبنّى الأهداف الكبرى المذكورة آنفا. وقد تكون هذه الأرضية منطلق تجميع لخوض الإنتخابات البلدية القادمة وتكون الإنتخابات بدورها إطارا تتطور من خلاله الأرضية عبرالممارسة والحوار والإتصال بمختلف شرائح المجتمع. فعكس الأحزاب لا يزال الإتحاد متمتّعا بمصداقية هي ضمان لشعبية طموحاته وفعله. وعكس الحكومات المتتالية التي وصفها أحد المؤرخين بأنّها حكومات هُوات، فإنّ الإتحاد كان ولا يزال مؤسسة تجربة وحنكة وتمرّس.  

هذا هو الهدف الإستراتيجي الشامل. أمّا في مرحلة أولى وعاجلة، فأدعو إلى وضع المسألة على مائدة النقاش داخل الإتحاد وخارجه على أوسع نطاق.  أعتقد أن المسؤولية التاريخية للإتحاد وللقوى التقدمية تكمن في وضع حدّ للإهدار المتواصل للطاقات والنوايا الحسنة والمجهودات الفردية والمحاولات الدنكشوتية للفعل في واقع وطني معقّد يتجاوز الأحزاب الصغيرة والجبهات المحدودة والمنظمات المتخصصة والأفراد الفاعلين.

محمد صالح عمري: أكاديمي تونسي بجامعة أكسفرد البريطانية

 

الكلمات المفاتيح: 

  • الهادي التيمومي، الإتحاد العام التونسي للشغل، الثورة التونسية