فنجان قهوة مع فتى مشاغب

09 فبراير 2017 - الساعة 09 و 49 دقيقة
12
بقلم : عبد الحميد الجلاصي

أقابله من قبل، ولكنّي أزعم انني أعرفه جيدا. فأنا أراقب الساحة ،و أصنف الفاعلين ،و الحرص على تسجيل البصمات المميزة ،اكثر من حرصي على تسجيل القواسم المشتركة.

وهو كان احد الأبناء المشاغبين لليسار التونسي .هذا اليسار الذي يمثل حالة أوسع من التنظيم ،بل أوسع من التيار .

لم يقابلني من قبل ، و لكنه قال انه يعرفني ،رجل العتمة ،القادم من "الخلف "،مع ما يثيره" الخلف" من فضول و مخاوف .

تواعدنا على المقابلة وسط العاصمة .

 

                                                       ****

غالب وقتي أقضيه في الضواحي ،و عندما اسرق شيئا من الوقت للتسكع في شارع الثورة ،احس انني انتقلت الى عالم آخر .اتذكر صبي "بوحبيب "عندما يذهب الى "البلاد "،و المقصود هنا" منزل تميم ".

لم أفوت الفرصة لزيارة بعض المكتبات .اشعر بالحسرة .هم يجدون الوقت للكتابة ،و نحن لا نجد فسحة للقراءة .

أطوف بين الكتب ،وأدندن :"ما أحلى الرجوع اليه "،كما قالت الاخرى .

                                             ****

نلتقي في احد المقاهي .

كل شيء يجمعنا .

يدخن بنهم ،و امقت التدخين .

يستهلك القهوة بدل الماء ،و لا أميل كثيرا للقهوة .

نحن ابناء نفس الجيل .

صيغ المجاملة تاخذ منا ثلاث دقائق .فقط .

مباشرة يطرح السؤال :كيف ترى الأوضاع ؟

يعجبني هذا النوع من التبادل.

أمام شخص أقابله أقدر ان احدد ،منذ الدقائق الاولى ، مآل العلاقة .و غالبا ما يصدق حدسي .أحب العلاقات المباشرة ،و أكره اللف و الدوران .

هذا الذي أمامي سيكون صديقا . لا بأس ساقنعه يوما  ان يقلع عن التدخين .

في كلمات مكثفة عبرت عن اهم خلاصاتي.عن اعتزازي بالمنجز السياسي ،و عن خوفي عليه .عن ام المشاكل التي تعاني منها البلاد و ،هي مشكلة القيادة ،عن تفهمي لغضب الناس و احساسهم بالغموض و الاحباط جراء تواضع المنجز التنموي، واستشراء الفساد .

لم اكن لطيفا في التعبير عن خيبة أملي من كسل الطبقة السياسية المناضلة و خاصة من يسار ضيع بوصلته و غرق في الايديولوجي على حساب الاجتماعي ، واستعمل رافعة لعودة النظام القديم .و من استمرار لجوء كل الطبقة السياسية  الى اللغة الخشبية التي لم يعد يسمعها احد .

تحدثت ايضا عن مخاضات النهضة ،حزب المرتبة  الاولى  في قسم متوسط .

صديقي كان اكثر حدية في نقد اليسار ،و هو احد ابنائه ،و لكنه كان ناقدا ايضا للنهضة و الترويكا ،و يرى ان عليها ان تكون صريحة أكثر بخصوص مسؤوليتها في ملفي الارهاب و عودة المنظومة القديمة .

موقفه اقرب للإحباط بخصوص مستقبل  التجربة ،و اهم مخاوفه ان تتشكل ديموقراطية شكلية تتستر على أفظع اشكال التفاوت الاجتماعي ،و ابشع انواع الفساد .

ذكر لي الاحتجاجات الشعبية التي تحصل في رومانيا هذه الايام على نية الحكومة التغاضي على الاخلالات المالية اقل من أربعين الف اورو .و هكذا يمكن ان  تشرعن الديموقراطيات الهشة  الفساد !!!

كنت أكثر تفاؤلا منه .اذ طرحت سؤال العمل .

كنا متفقين على ان ثورة وقعت ،و هي التي  تمثل مرجعيتنا .

وكنا متفقين على ان الدولة الديموقراطية الاجتماعية هي التي تجمعنا ،و من مقتضيات ديموقراطيتها الحوكمة الرشيدة و مقاومة الفساد .

وكنا متفقين على  امكانية الاتفاق على برنامج  يجسد معاني الدولة الديموقراطية الاجتماعية الرشيدة .

شخصيا انا مقتنع ان حركتي -النهضة -يجب  عليها ان تعدل بوصلتها قليلا باتجاه اليسار ،بمعنى العدالة الاجتماعية ،و بمعنى القوى السياسية و الاجتماعية .

في رايي المباديء تقتضي ذلك ،و التوازن السياسي في البلاد يقتضي ذلك ،و الوفاء لقاعدتنا الانتخابية ،من الطبقة المتوسطة فما دونها ،يقتضي  ذلك .

و كنا متفقين ان من مستلزمات تحقيق هذا الامل ان  تنظر الاحزاب لايديولوجياتها،في السياسة ، كمنظومة قيم .و في القيم يمكن ان نجد التقاءات  واسعة ،مع احتفاظ كل طرف بالإسناد الايديولوجي الخاص به .

وكنا متفقين ان النقد الذاتي ضرورة للاحزاب ،و هو مطلوب من جميعها ، وانه مسار يبني الثقة .

أكدت  لصديقي  ان جهدا جبارا يجب ان يبذل لتذويب الجليد ،و ازالة سوء التفاهم في الساحتين السياسية و الاجتماعية ،و هو ما يستلزم صبرا و بيداغوجيا مناسبة .

و عسى ان أكون على ذمة هذا الجهد .

 

                                   ***

حينما يتقابل تونسيان على فنجان قهوة لا يتكلف ذلك اكثر  من ثمن تذكرة مقابلة ودية  في كرة القدم .

بالتاكيد لا يحل ذلك مشاكل العالم ،و لكنه قد  لبنة لتذويب الجليد و ازالة سوء الفهم   .

و دائما ما تتفطن ان وراء اختلافاتنا الظاهرية توحدنا أشواق جوهرنا الإنساني .

أهم الأخبار