عن النسخة التونسية من "أفيخاي أدرعي"

15 جويلية 2017
12
بقلم : أمين بن مسعود

على الرغم من كافة التسويات واتفاقات السلام مع الكيان الصهيوني، تبقى القضية الفلسطينية قضية العرب في فلسطين لا قضية الفلسطينيين وحدهم في فلسطين التاريخ والجغرافيا..

بدأ الاستفراد الإسرائيلي والأمريكي بالقضية الفلسطينية عندما صارت حكرا على مجموعة معيّنة من الشعب الفلسطيني وعندما أمست حملا ثقيلا على دعاة التطبيع مع إسرائيل من ممثلي النظام الرسمي العربيّ.

المفارقة انّ الذين يزايدون على النظام الرسمي العربي السابق الذي كانت له الجرأة في محاربة إسرائيل ومنازلتها ثقافيا وسياسيا وإعلاميا وعسكريا حتّى وإن أفضت الحروب إلى انتكاسات عديدة , لا يتحدثون عندما يتعلّق الأمر بسجّل التطبيع مع الكيان الصهيوني وحصيلة اتفاقات السلام على الأمن والاقتصاد والسلم الاجتماعي والثقافي لبلدان التسوية مع تل أبيب. 

اليوم, نجني حصاد التطبيع في سياقه الثقافي والسياسيّ, نستلّ "ثمار" التطبيع الذي عمل وعمد إلى تحييد القضية الفلسطينية عن عمقها العربي وتحويلها من استحقاق وجود إلى مسألة حدود وإدخال القضية الفلسطينية إلى هوّة التنازل عن الجغرافيا على حساب التاريخ...

اليوم, تعرف تونس انتكاسا ميثاقيا ومبدئياّ ومناقبيا إزاء القضية الفلسطينية تفضي إلى حالة ارتدادية من قوافل الشهداء والمتطوعين الذين يسطرون مقولة الشاعر العراقي مظفر النواب "حالة عشق لا تتكرر يا عبد الله فلسطين"... إلى خطاب نكبويّ عنوانه الأبرز رئيس حزب سياسي تونسي يعتبر انّ القضية الفلسطينية قضية الفلسطينيين لوحدهم داعيا إلى التطبيع المباشر مع إسرائيل..

أخطر ما في تطبيع الأوراق والوثائق بين الحكومات، هو ثقافة التطبيع مع الاحتلال الاستيطاني وتحوّل التصوّر الذهني لإسرائيل من تمثّل رافض ومقاوم لها باعتبارها حالة نشاز مع التاريخ والجغرافيا والأنسنة إلى تمثّل شبه قابل لوجودها تحت ذريعة التعاطي مع الأمر الواقع, قبل ان يستحيل شبه القبول إلى تأييد كامل تحت ضربات المطرقة الإعلامية والدعائيّة التي أدخلت الكيان الصهيوني إلى البيوت والعقول العربية مرة عبر النشرة الجوية ومرة ثانية عبر استضافة ضيوف صهاينة عل الهواء مباشرة من "القدس" دون إفرادها بصفة المحتلة...

عملت قناة الجزيرة – كانت الأولى - ومن وراءها العديد من الفضائيات العربية إلى كيّ الوعي العربيّ وضرب المحددات الثقافية والاستراتيجية والسياسية عبر تحويل الرواية الصهيونية إلى جزء من القصة الإخبارية وبالتالي تصيير قضية الصراع إلى وجهة نظر في قلب التغطية المباشرة للأحداث... 

كان التطبيع الإعلامي عبر استضافة الوجوه السياسية والعسكرية الموغلة في التطرف الصهيوني أقوى وأعتى النوافذ التي تسلّل منها التطببع الناعم إلى العقل العربيّ, ولم تغلق الجزيرة – وغيرها أيضا – عقدها الثاني قبل أن يتكرّس في كل عاصمة الرديف العربيّ للناطق باسم الجيش الصهيوني أفيخاي أدرعي...

المفارقة انّ ذات المطبعين في الوطن العربيّ بمن فيهم رئيس الحزب الليبرالي التونسي , يعيدون نفس خطاب أدرعي, القضية الفلسطينية قضية الفلسطينيين لوحدهم دون العرب, العنف جريمة ضدّ إسرائيل, من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها من جرائم "المخربين" في لبنان وغزة وسوريا, العروبة انتهت مع جمال عبد الناصر...

في سردية من سرديات التاريخ, تحفل الذاكرة الوطنية التونسية بشهدائها من أجل عروبة فلسطين, وتحفأ الذاكرة الفلسطينية بعناوين فخرها الذين استشهدوا ودفنوا في تونس... فكيف نشفى من حب تونس قالها درويش وبكى... 

وفي سردية من سرديات التاريخ المخاتل والمخادع, تتكشّف الحقائق عن خونة وأشباه خونة تونسيين باعوا الهوية والقضيّة وتآمروا على الوطن الكبير والصغير على حدّ السواء...

ظهور أمثال هؤلاء من الراكبين خيانة على القضايا الكبرى للظهور الأعشى قبل الاستحقاقات الانتخابية القائمة والقادمة, ما كان ليتمّ لو صوتت حركة النهضة على دسترة تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني في 2012 , ولو قبل رأسا الحكم في تونس النهضة والنداء تقنين تجريم التطبيع مرّة أولى بدعوة من الجبهة الشعبية وثانية بعد اغتيال الشهيد محمد الزواري...

استعانت إسرائيل بالكثير من البيادق العربية لدخولها الأرض وانتهاكها العرض, كثيرون وقفوا على أعتابها وتمسحوا بأبوابها... على رأسهم أنطوان لحد رئيس جيش لحد العميل للكيان الصهيوني في جنوب لبنان... 

عند انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني في ماي 2000 , بقي هو وجنوده متباكين أمام بوابة الناقورة لدخول فلسطين المحتلة... رفضت تل أبيب في المرة الأولى قبل أن تدخلهم على مضض.. جلّ جيش لحد صار في إسرائيل بلا مأوى ولا مسكن... والأهم أن الإسرائيليين انفسهم يسمونهم ب"الخونة"...