خالد شوكات يكتب لـ"حقائق أون لاين": اللامركزية الموسعة هي أم المعارك

17 فيفري 2017
3
بقلم : خالد شوكات

لم أصدم لتصريح الاستاذ عياض ابن عاشور، احد ابرز فقهاء القانون العام في بلادنا، لإحدى القنوات التلفزيونية هذا الاسبوع، حول النظام الاداري الجديد الذي يؤسس له  الباب السابع من دستورنا الجديد، دستور الجمهورية الثانية، أي باب الجماعات المحلية، إذ قال أن هذا النظام يصلح للصين الشعبية وليس لتونس، وهنا فإن لدي موقف أحب تسجيله، حتى نتبين حقيقة الأمر في موضوع التصريح هذا:

أولا: هناك معارك يومية تثار بين السياسيين وفِي الاعلام، تحجب رؤية المعارك الحقيقية التي يجب أن تخاض، وعلى رأسها "أم المعارك" في رأيي، ألا وهي معركة تطبيق الباب السابع، أي معركة الجماعات المحلية أو تركيز نظام "اللامركزية الموسعة" الجديد بدل النظام اللامركزي الذي كان سائدا طيلة العقود الماضية، وهذا هو جوهر الخلاف والتميز الأكبر بين الدستور القديم والدستور الجديد، أو بين نظام الثورة والنظام السابق. 

ثانيا: ان كل الخطوات التي قطعتها تونس ما بعد الثورة في إطار مسلسل الانتقال الديمقراطي، ومنها اعادة بناء السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، يعد ثانويا بالمعنى الديمقراطي، قياسا بالخطوة القادمة التي علينا أن نقطعها، أي خطوة التوزيع العادل للسلطة عبر نظام الجماعات المحلية الجديدة (البلديات، الجهات الأقاليم) وهو ما يعني عمليا التوزيع العادل للثروة وتقريب السلطة من المواطن وإشراكه بشكل افضل في مركز القرار، وبما يساعد على حل أزمة الديمقراطية التمثيلية التي نتخبط فيها وفِي مقدمتها انعدام الثقة في النخبة السياسية الحاكمة. 

ثالثا: إن تصريح الاستاذ ابن عاشور، الذي يعد أحد أهم المهندسين التشريعيين لمرحلة ما بعد الثورة، واحد ابرز الحريصين على تجاوز الدستور القديم الى دستور جديد، إنما يعكس كما أرى ما يمكن تسميته ب"عقلية الحاضرة" المتوجسة خيفة من " الافاق"، والتي لديها استعداد دائم لتبرير احتكار السلطة في ضاحية من العاصمة خوفا على "الوحدة الوطنية"، ومنذ المرحوم علي بن غذاهم الماجري الى اليوم ارتكبت مئات الجرائم التنموية خاصة، ضد المناطق والأقاليم خوفا على "المخزن" وبمبرر حماية وجود الدولة ضد من يهددها من رعاياها " المارقين" أو قبائلها المتنطعة، بينما يثبت التاريخ أن ثورات المناطق المهمشة وحدها التي انقذت الوحدة الوطنية من الاستعمار والاستبداد في عديد المرات، ولم يثبت ولو لمرة أن رفعت المناطق المطالبة بالحرية والكرامة أي شعار يشتم منه النيل من وحدة تونس أو يهدد وجود دولتها. 

رابعا: ان ما قد يخلق اجواء مناسبة للفتن وعدم الاستقرار والتطرف في الرأي والفعل بما يهدد الوحدة الوطنية فعلا، هي هذه العقلية التي تخطط للانقضاض على احد اهم الخصائص الإيجابية للدستور الجديد، اي بابه السابع، وتمسك بعض النخب المستبطنة للاستعلاء والجهوية المقيتة، بتقاليد المخزن المركزية في ادارة الشأن العام، والعمل على مواجهة تيار التاريخ الإنساني الدافع الى تقريب الديمقراطية من نموذجها المثالي، اي الديمقراطية المباشرة، عبر تنازل السلطة المركزية على مزيد من الصلاحيات ل"الجماعات المحلية" الديمقراطية الخضراء، وكما شجعت هذه النخب المتمركزة المتقوقعة على ذاتها حد النرجسية، الباي على عدم الاصلاح حتى انتهى به الامر الى خسارة نظامه الملكي، وشجعت كلا من الزعيم بورقيبة والرئيس بن علي على توجهات مشابهة في عدم الإنصات لأصداء الجهات حتى انتهيا تلك النهاية البائسة في الاقامة الجبرية او المنفى، فإنها تنصح حكام اليوم ربما في اتجاه مماثل، نحو مزيد من احتكار السلطة ومزيد من مركزتها، وهو ما لن يفضي الا لنتائج مماثلة، ستعمق أزمة الثقة بين العاصمة والأقاليم، وهذا المسلك هو في النهاية من سيضر بالوحدة الوطنية لا قدر الله. 

خامسا: علينا ان ندرك جميعا، بأنه ليس من طريق الى بناء منوال تنموي جديد، وازالة معوقات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وأهمها بطء القرار التنموي والبيروقراطية المقيتة، الا من خلال بناء جماعات محلية جديدة، ديمقراطية وخضراء ومستدامة، تملك إستقلالية ادارية ومالية كما يمنحها الدستور الجديد، على ادارة الموارد الطبيعية والبشرية، ومساهمة في تركيز دورات اقتصادية واستثمارية محلية وجهوية واقليمية متنوعة ومتكاملة، ودون هذا الامر سيُصبِح اي حديث عن هذا المنوال مجرد " طقطقة حنك" كما يقول اخواننا المشارقة، فخيار الجهوية الموسعة ليس خيارا بل ضرورة تمليها استحقاقات الماضي والحاضر والمستقبل. 

وأخيرا أقول ان " اللامركزية الموسعة" او "الجهوية الموسعة" هي التي انقذت التنمية والوحدة الوطنية في عديد الدول الشقيقة والصديقة، كالمغرب وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها، ممن كانت نزعات الانفصال والتمرد تهددهم، وهي طريق المستقبل، ودون ذلك سيكون العمل عملا سيئا يؤكد شعور خيبة الأمل الذي بدأ يجتاح شرائح من مواطنينا، خصوصا الشباب في المناطق الداخلية، ممن رأوْا ان احلامهم التي عبروا عنها ايام الثورة تنقض عروة عروة، بتعلات متعددة، لعل أشنعها رغبة البعض ممن ولدوا وفِي افواههم ملاعق من ذهب.