تنشرها حقائق أون لاين: الائتلاف الوطني التقدمي يكشف عن دراسة تخص التحولات العربية والدولية الكبرى

12 أكتوبر 2017
3
بقلم : حقائق أون لاين

نشر الائتلاف الوطني التقدمي دراسة تخص التحولات العربية والدولية الكبرى وفيما يلي نصها:

"قراءة في التحولات العربية و الدولية الكبرى

مقدّمة :

يشهد العالم اليوم تقلّبات متسارعة تمسّ الاستقرار وتُعمّقُ المخاوف وتُضاعف المخاطر، لعلّ أبرزها التحولات المناخيّة،وانتشار الحروب وتنامي موجات الهجرة فضلا عن اتساع تأثير المافيا بأنواعها ، وتمدّد الحركات الإرهابيّة، و تعمّق الفوارق الاجتماعيّة، وتغذية نزعات العنصريّة،وإحياء النّعرات القوميّة والقبليّة،وتصدّع كيانات الدّول التي باتت تعوّل على سياسات حمائيّة وقائيّة .إنّه عالم بصدد البحث عن توازنه ، وهي مرحلة انتقاليّة، نشهد فيها أفول نظام عالميّ ما يزال يلفظ أنفاسه،وبروز نظام آخر يبحث عن تثبيت نفسه.   

و يمكن القول إنّ النظام القديم نظام غربيّ،استمرّ حوالي خمسة قرون،انفردت خلالها أوروبا الغربية، ثم أمريكا الشماليّة بالسيطرة على العالم، أمّا النظام الجديد الذي سيحلّ محله، فستكون الهيمنة فيه آسيوية،أو أورو ـــــ آسيوية (الصين، الهند، روسيا) تبعا لما باتت تعرفه اقتصادياتها من ديناميكية                                                                                                                                    و بما أنّ الفضاء العربي والإسلامي يقع على الخط الفاصل بين هاتين الكتلتيْن، فضلا عن امتلاكه الجزء الأكبر من موارد النفط والغاز في العالم، فقد كان على مدى عقود منطقة الزوابع  الكبرى أين تدور أغلب المعارك من أجل سيادة العالم. و قد بدأت بلداننا، بعد حقبة طويلة لم تخرج خلالها من الفَلك الغربي وخاصة الأمريكي، في توطيد علاقاتها مع الآسيويين و تبادل المنافع خاصة مع توسّع أنشطة الصين الاقتصاديّة،التي أضحت أكبر سوق نفطية. 
تراجع الإمبراطوريّة الأمريكية :   

 نلمح  هذا التراجع في مظاهر عديدة : فمن جهة  تعمّقت التناقضات بين مختلف مكونات الحلف الأطلسي،ومن جهة ثانية، تفاقمت خلافات الولايات المتحدة مع الدول العربيّة لأنّ  هذا التراجع أحدث تغييرا كاملا في بنية العلاقات التي كانت تربطها إلى عهد قريب بالمنطقة. وهو ما يدعو إلى التمييز بين مرحلتين مرّت بهما هذه العلاقات :

الأولى في النصف الثاني من القرن الماضي، وهي مرحلةُ سيطرة مطلقة تحققت لها فيها الهيمنة بواسطة الأنظمة الموالية والصهاينة و بفضل أعوانها في المنطقة الذين وفّرت لهم الحماية وهو ما سمح بحصول "استقرار" مزعوم بل إن تداخل المصالح الخارجية والداخلية هو الذي جعل أمريكا تبدو على الدوام قوية. 
الثانية، وهي مرحلة التهاوي،التي بدأت مطلع الألفيّة، اتجهت فيها إلى الحملات العسكرية في محاولة لتثبيت هيمنتها فيما يشبه"الهروب إلى الأمام" نتيجة تصدّع قوتها الاقتصاديّة رغم أن موازين القوى لم تعد في صالحها، فاندفعت إلى مسارح عمليات عديدة، بعيدة جغرافيا،وباهظة ماديا،ومكلفة سياسيّا لأنها اضطرّت إلى البحث عن أعوان محليين جدد، تتناقض مصالحهم مع حلفائها وأعوانها التقليديين ،وهو ما أثّر على مجمل علاقاتها الإقليمية وأفقدها نجاعتها. 

وإذا كانت "انتصاراتها" في المرحلة الأولى (مرحلة السيطرة) تدعم مكانتها و تعزّز قوّتها،فإنّ "انتصاراتها" العسكرية في المرحلة الثانية لا تزيد العالم "سلما"، بل تخلق الفوضى وتزرع الفتن و القلاقل حيثما حلّت .

الإمبراطوريّة الأمريكية  ومنعطف الحرب على العراق :

كان غزو العراق سنة 2003 نقطة تحول، لأنّ الأمريكيين فقدوا التحكم في نتائج حملتهم ، و فقدوا السيطرة الاستراتيجية . فالإطاحة بصدام حسين ،كانت نقطة توحّدهم مع حلفائهم التقليديين ( في الخليج)ولكن تلاقي المصالح لم يدم طويلا.
لقد كان نظام البعث العراقي يستند إلى الأقلية العربية السنية، على حساب الأغلبية العربية الشيعية والأقلية الكردية الكبيرة. ولكن الإدارة الأمريكية وضعت الشيعة على رأس "المحمية" الجديدة، وحوّلتها دولة فيدراليّة، ومنحت الأكراد الإدارة المباشرة لأراضي الشمال(كردستان العراق). هذه التدابير دمّرت التوازن الجيوسياسي في الشرق الأوسط، و عززت نفوذ إيران التي كانت استضافت العديد من المعارضين السابقين من الشيعة العراقيين الذين صاروا في السلطة الآن، فتوطدت استراتيجية إيران فيما يعرف بــ "الهلال الشيعي". وهكذا باتت السعودية قلقة،         و انزعج الصهاينة، ولم يعد ممكنا أن يبصر الحليف التركي بعين الرضا إمكانية قيام دولة كردية على حدوده الجنوبية. 
ولم يكن المخطط الأمريكي يقف عند تفتيت العراق، بل كان يرمي إلى إعادة تقسيم المنطقة على أسس عرقيّة ومذهبيّة، أي ما يُسمّيه ضباط مخابراتهم "حدود الدّم والعِرق  والعقيدة".هذه المقاربة التي وضعتها إدارة بوش الابن هي "الفوضى الخلاقة" أي تعميم الفوضى، وهي مقاربة نبّـــهت أنظمةَ المنطقة من حلفاء الأمريكان .وقد واصلت إدارة أوباما نفس النهج مع بعض التحفظ الإعلامي. ولكنّ هذه السياسة ستعرف نهايتها بعودة العلاقات بين إيران والولايات المتحدة وهو ما سيدفع دول المنطقة من الحلفاء التقليديين إلى البحث عن علاقات جديدة بسبب تقلّب الموقف الأمريكي وهو ما ينطبق على السعودية وعلى الصهاينة الذين بادروا إلى وضع أسس علاقات عسكرية مع روسيا و الصين . 
إجمالا، بدأت الولايات المتحدة منذ نهاية الألفية السابقة تفقد هيمنتها في الشرق الأوسط، وكانت تأمل استعادتها بغزو العراق ولكنها فجّرت مجمل العلاقات القائمة،وقوّضت النظام الإقليمي برمّته . 

الربيع العربي نتيجة التراجع الأمريكي :

إنّ هذا السياق الدوليّ الجديد ، المتسم بضعف الهيمنة الأمريكية كان عاملا سرّع تفكك الأنظمة الاستبدادية الإقليمية مثلما سرّع تصدّعها وهو الذي يفسّر أحداث "الربيع العربي".  فالانتفاضات التي شهدتـها البلدان العربية        و بخاصة تونس و مصر أعادت الأمل في تحقيق الديموقراطية والحرية ، و فتحت آفاقا رحبة ، وبدت خلال أسابيع سائرة في الطريق الصحيح .غير أنها حادت عن مسارها و تحوّلت صراعا دمويا و حروبا أهليّة تؤجّجها القوى الخارجية (في ليبيا و سورية واليمن و البحرين ..) التي يسّرت تدفق الفصائل الإرهابية وزودتها بكل الأسلحة الفتاكة .

لقد انخرط الملايين في شجاعة في انتفاضات أواخر 2010 ومطلع 2011 ، ولكنّ طابعها العفوي كان مظهر قصورها الأبرز، إذ لم تكن لها قيادة سياسيّة أو برنامج واضح ، وغاب التنظيم السياسي و التأطير ،فاكتفت بالمطالبة بإسقاط  أنظمة الاستبداد دون امتلاك أفق واضح أو بدائل ، لذلك مُنيت بالخيبة تلو الأخرى ، وسقطت فريسة قوى الردّة المعادية للثورة .

أمّا القصور الثاني ، وهو الذي نخر المسار الثوري و خرّبه، فيتمثل في طبيعة قوى المعارضة السياسيّة التي عادت      إلى واجهة الأحداث بمجرّد خفوت الحالة الثوريّة. هذه القوى التي عانت عقودا طويلة من التهميش والقمع، بدت منقسمة ومتناحرة إيديولوجيّا ، و تبيّن سريعا أن التشكيلات الحزبية الأفضل انتظاما هي التيارات الإسلامية ذات الصلة بتنظيم الإخوان المسلمين. وبسبب خلفيتها العقائدية التي لا تطرح مسالة التغيير الاجتماعيّ، مثلما لا تكترث لقضايا السيادة الوطنية ، فضلا عن ارتباطها بألف خيط بممالك النفط  وخاصة من حيث التمويلُ ، سرعان ما انخرطت الحركات الإخوانيّة في سياسات مموليها العدوانية ضدّ دولها بعد أن صار أمراء النفط قادتهم. لذلك كانوا أوّل مساندي تدخل قوات مجلس التعاون الخليجي و القوات الأطلسيّة (وهو ما حصل في ليبيا و سورية و اليمن والبحرين).

الربيع العربي و تسارع تهاوي الإمبراطورية الأمريكية :

أمّا الآن ، بعد مرور أكثر من ست سنوات على "الربيع" ، تُفضي دراسة الأحداث إلى التمييز بين ثلاثة أطوار استراتيجية  لتراجع الهيمنة الأمريكية المطّرد على المنطقة :

1 ــ الطور الأوّل :  اعتقدت الولايات المتحدة في البداية، بعد انتفاضتيْ تونس و مصر أنه بإمكانها استعادة هيمنتها عبر مساعدة الإخوان المسلمين في أكبر عدد ممكن من البلدان في الوصول إلى السلطة أو تثبيتهم عبر الوصيّ الخليجي والتركي، وهكذا تظل المنطقة تحت أيديهم. إلاّ أنّ هذه الاستراتيجية أخفقت سريعا لأسباب أهمّها :

  أ ــ غياب الانسجام، و الفشل في الوصول إلى السلطة في ليبيا و سورية و اليمن ، والفشل في الاحتفاظ بها في مصر وتونس.   

  ب ـ تضارب مصالح ممالك الخليج الذي تفاقم عند إزاحة مرسي ، ففي حين واصلت قطر دعم الإخوان ، كانت السعودية و الإمارات العربية المتحدة في الخندق المقابل .

 ج ـ عجز الولايات المتحدة عن إملاء سياساتها على الممالك النفطية الذي صار جليّا أمام أنصارها (مجلس التعاون، الحلف الأطلسي، إسرائيل،الإخوان المسلمون ..) و أبرز مؤشر على ذلك فشل عدوانهم المشترك على سورية .

2 ـ الطور الثاني : بسبب هذا الإخفاق في التعويل على الإخوان ، غيرت الولايات المتحدة وحلفاؤها استراتيجيتها، فاعتمدت سياسة الأرض المحروقة في أبشع صورها بتشجيع حركات إرهابية "جهادية" ودعمها على نطاق واسع .     ولم يكن "داعش" غير عمود هذه الاستراتيجية، فقد انتُدب عشرات الآلاف و تمّ تسليحهم وتجهيزهم وإرسالهم إلى جبهات القتال مستفيدين من تصدّع النظام الإقليمي فكان أن بسط "داعش" سيطرته على مساحات واسعة من العراق وسورية، ليتحول الإرهاب من ظاهرة "متنقلة" ،إلى "كيان" تمّت محاولة تثبيته على الأرض، وإكسابه ديناميكية توسعيّة لا تتوقف .

ولكنّ الكيان الإرهابيّ نما ــــــ خلافا لتقدير صانعيه ـــــــ بسرعة وبلغ حجما سمح له بالخروج عن سيطرتهم، فحدّد أهدافا لنفسه غير التي رُسمت له . هذه "الاستقلالية"ـــــــــ التي تحصُل دوما كلما انخرطت الدول في لعبة النارـــــــــ جعلت الولايات المتحدة وحلفاءَها يحاولون "ترويض" الوحش حتّى لا يتجاوز الحدود المرسومة له بتوجيه ضربات،لكن ردّ "داعش" باستهداف المدنيين في الولايات المتحدة و بريطانيا و بلجيكا و فرنسا و السعودية ،صبّ الزّيت على النار،ودفع إلى مزيد التصعيد.   

و قداستمرّت هذه السّياسة الخرقاء التي توظف على نحو واسع الإرهاب وفي ذات الوقت تعمل على تحديد مجال فعله،خلال سنتيْ 2014 و2015 دون جدوى وبخاصة في سورية، ساحة الحرب الأولى حيث تزعزع النظام دون أن يسقط .

3 ـ الطور الثالث :  بحلول أكتوبر 2015، انطلقت استراتيجية ثالثة بعد تدخّل سلاح الجوّ الروسي في سوريّة ومساهمته في كسر الطوق الذي ضرب على الجيش السوري، لتنقلب موازين القوى العسكرية على حساب "داعش"   وباقي الميليشيات الجهادية.لقد استغلّت روسيا المخاوف التي خلفتها تفجيرات (أوروبا) في الرأي العام، و دفعت الولايات المتحدة والحلف الأطلسي إلى الانخراط بجديّة أكبر في مقاومة الإرهاب واضطرتهم إلى تدمير الآلة الجهنميّة التي ساهموا في إنشائها.

ومنذ أواسط 2016، انقلبت الأوضاع العسكرية، خاصة في سورية و العراق . فقد ضاق الخناق حول "داعش" و بات في تراجع ،ففقد قاعدة الارتكاز والقدرة على الثبات وصار بلا مستقبل. أمّا الحكم المركزيّ في بغداد و دمشق ، فهو بصدد إعادة بناء نفسه واستعادة قوته، وقد صارت أحلام جنرالات واشنطن في تقسيم المنطقة هباء . 

وفي أواخر 2016، إبان الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تضاءل تأثير الولايات المتحدة في المنطقة على نحو غير مسبوق، وفقدت المبادرة ولم يبق لها غير لعب أدوار ثانويّة وأن تتقدّم على وقع أحداث لم تصنعها.

إنّ تطوّر الأحداث منذ انطلاق الربيع العربيّ يؤكّد التهاوي المستمرّ للهيمنة الأمريكية في المنطقة العربيّة خلافا لما يروّجه أصحاب نظريّة المؤامرة الذين يربطون كلّ تغيّر بإرادة "القبضة الأمريكية القويّة". فمنذ ستّ سنوات ، تعمل الولايات المتحدة على استعادة المبادرة وإحكام القبضة على المنطقة ولكنّها لم تجن و أعوانها غير الخيبات .و أبرز دليل على هذا الفشل الذريع، التصدعات التي لحقت حلفهم المهزوم ،وتتمثل بالأساس في:

تنامي الصّراع داخل الحلف الأطلسي و ازدياد التوتر منذ انتخاب "ترامب"بين الولايات المتحدة من جهة، و الاتحاد الأوربي الذي انسحبت منه المملكة المتحدة من جهة ثانية ، فضلا عن إبرام تركيا اتفاقية تحالف عسكري مع روسيا سنة 2016 .

 الانقسام الحادّ في مجلس دول التعاون الخليجي ، (بؤرة قوى الرجعية العربية) الذي ما انفك يتعاظم منذ 2013 حتّى بلغ أقصاه بإعلان الحصار السعودي ـ الإماراتي على قطر.

وهذا يعني أنه بسبب ميزان القوى الجديد في منطقتنا ، سيستمرّ فقدان الولايات المتحدة السيطرة خلال السنوات القادمة وستتعرّض مصالحها فيها لتهديد أكبر ، وهذا يعني أيضا أن مشهدا استراتيجيا جديدا بصدد التشكل.

  التوزيع الجديد للقوى  :                                                                                                                  

  • روسيا : أبرزَ المشهد الاستراتيجي الجديد اللاعب الروسي الذي انكفأ منذ 1989 تاريخ انهيار الاتحاد السوفياتي. لقد ولّى زمن يكتفي فيه الروس بدور قوّة إقليمية ينحصر نفوذها في دول الجوار مثل شبه جزيرة القرم أو أوكرانيا.  فكان أن استغلت روسيا المأزق الأمريكي و تدخلت في سورية لتصبح قوة دولية كبرى تمتلك قدرة المبادرة العسكرية   والدّيبلوماسية خاصّة أنها نجحت في ذات الوقت في إقامة تحالفات مع تركيا من جهة ومع إيران من جهة ثانية فضلا عن استفادتها من دعم الصين. وهكذا صارت الهيمنة الأمريكية جزءا من الماضي .

• تركيا : فشلت في جهودها لفرض زعامتها للعالم السنّي  و إنشاء عثمانية جديدة باستخدامها في البداية ورقة الإخوان ثمّ ورقة "داعش". وإزاء فشل هذه السياسة ، وأمام تشجيع الحليف الأوربي زعزعة استقرارها ، وخاصة خلال المحاولة الانقلابية ضدّ أردوغان، اتجهت أنقرة إلى تقارب غير متوقع مع موسكو ، وهو إعادة توزيع للتحالفات ستكون له آثار كبيرة لا فقط على المنطقة بل أيضا على أوروبا و الحلف الأطلسي. 

• إيران : ثبتت طهران وضعها الجديد كقوة إقليمية ، فدحر داعش هو انتصارها، إذ لولا دعمُها ، ما كان حلفاؤها في العراق و سوريا ولبنان ليلحقوا به الهزيمة. و النتيجة المهمّة الثانية لتعاظم القوّة الإيرانيّة المتصلِ في السنوات الأخيرة، هي خلق توازنات جديدة في الشرق الأوسط تقف دليلا عليها حالة الشلل الاستراتيجي التي لحقت الكيان الصهيوني الذي أجبر على إيقاف حملاته العدوانية خارج حدود "دولة الاحتلال". 

• سورية و العراق : خرج العراق و سوريا ،أكبر منتصريْن مباشريْن في الحرب ضدّ داعش وخروج شعبيْهما أكثر تماسكا وتوحّدا يسقِط أحلام التّقسيم التي رعاها الصهاينة و الأمريكان مدى عقود. وهكذا قُبر مشروع إنشاء دولة كرديّة تمتدّ على مجمل المنطقة الحدودية بين سورية والعراق وإيران وتركيا أو على أجزاء منها ،وهو المشروع الذي كان يهدف إلى خلق كيان مشابه للكيان الصهيوني ،مرتبط عضويّا بالغرب، في حرب دائمة مع جيرانه، بل إنّ إقامة هذا الكيان لم تعد واردة حتّى في كردستان العراق.

• قطر و الإمارات : سارع تفكّك منظومة دول مجلس التعاون، (اتحاد أثرياء ممالك النفط)فقد اشتدّ في السنوات الأخيرة الصراع المحموم بين قطر و الإمارات التيْنِ تطمحان إلى لعب أدوار متقدمة في المنطقة العربية مستفيدتيْن من قدرتِهما الماليّة الضخمة.وقد استخدمت الدويلتان* أذرعا سياسيّة للتأثير خارج حدودهما. فاعتمدت قطر على الإخوان المسلمين، وعوّلت الإمارات على خصومهم. غير أنّ ضعف القاعدة الديموغرافية ستنهي صراعهما الحاليّ دون آثار كبيرة.

   • السعوديّة :  أمّا السعوديّة، التي تضم ما يزيد عن ثلاثين مليون نسمة،(ثلثهم أجانب) ،فتظلّ الدولة الأهمّ في مجلس التعاون، وقد اعتمدت سياستها منذ أواسط القرن الماضي على أربعة ركائز أساسيّة:

* تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة على قاعدة النفط مقابل الحماية العسكريّة.

    * تزعّم العالم الإسلامي مستفيدة من وجود البقاع المقدسة (مكة والمدينة) على أرضها ونشر الوهابيّة،مذهب المملكة الرسمي، وتهميش الشيعة .

     * تأكيد قيادتها العالم العربي بتوزيع بعض العائدات النفطية على الأنظمة الحاكمة ومقاومة أيديولوجيا القومية العربية بنشر الوهابيّة .

     * ضمان موقع متقدم في منظومة النفط العالمية وتطويع ممالك النفط العربية.

وفي سنة 2011 ، تصدّعت ـ كما أسلفنا ـ الركيزة الأولى، و بالخصوص إثر تطبيع العلاقات الأمريكية الإيرانية، لتتحوّل السعوديّة موضوعيّا إلى فاعل من الدرجة الثانية . والآن، بعد ستّ سنوات تعرف المملكة أزمة عميقة ، فقد فقدت مصداقيّتها ،لا فقط في الشرق، بل في الغرب أيضا بسبب ارتباطها المؤكد بالإرهاب الجهادي. وصار عداء الإسلام السنّي لإيران، أقلّ ارتباطا بالأسباب الدينية. إنّه عداء موجّه إلى محور المقاومة الذي يتألّف من طهران و حلفائها في سورية ولبنان.وبسبب انهيار مدخرات المملكة الماليّة و تراجع أسعار البترول ، وكلفة الحرب العدوانية في اليمن، ذهبت زعامة السعوديّة المفروضة على أنظمة عربيّة أدراج الرياح. وحتّى بين دول مجلس التّعاون، فقدت المملكة زعامتها التي لم يعد يقبلها أحد. والقطريون والإماراتيون يعلنون ذلك في وضح النهار،خلافا للعُمانيين و الكويتيين الذين لا يفرطون هم أيضا في أية مناسبة للتمايز عنها.

لقد كان اتخاذ السعودية قرار المضيّ في الحرب على اليمن خلال شهر مارس 2015 محاولة لاستعادة المبادرة السياسيّة و تثبيتا لدورها الإقليميّ . ولكنها محاولة يائسة لسببيْن على الأقلّ :

  •رغم كل الدّمار و الخسائر اليوميّة التي لحقت اليمن، لا يمكن أن تخرج السعودية منتصرة في الحرب.

  • إنّ خوض حرب، يفترض حتما تعزيز قدرات المؤسسة العسكريّة، وهذا وحده خطر على وجود مملكة النفط التي لا تزال تعوّل على الحماية الأمريكية و تحرص على توزيع مكونات قوّات أمنها الداخلي المحدودة على أجهزة عديدة وقيادات مستقلة عن بعضها. إنّ انخراط السعودية لأوّل مرّة في نزاع طويل خارج حدودها، سيُعزّز حتما قدرات القوات المسلحة، وسيسمح بنشأة مركز سلطة منافس وهو ما ظلّت تتجنّبه لعقود. و لاشك أنّ التورط في حرب اليمن ـــــ خاصة ساعة يتمّ بحث أسباب الخيبة  ــــ سيُضاعف التهديد على المملكة.

إنّ النظام السعودي يتجه إلى الهاوية، ولن يخلّصه التطبيع (الذي يسير إليه )مع الكيان الصهيوني من المأزق الذي تورط فيه و الفخ الذي نصبه لنفسه، فالأكيد رغم التكذيب المعتاد، أن "التعاون" التقني و المخابراتي مع الصهاينة قائم منذ سنوات طويلة .

أمّا الآن ، فإنّ الملك سلمان، مدفوعا بالضغوط الصهيونية المتعاظمة لتصفية القضية الفلسطينية، و بتشجيع من ابنه وليّ العهد (بفضل عملية انقلابية) يتهيّأ أن يخطو باتجاه الاعتراف بدولة الاحتلال والتحالف معها ضدّ إيران "العدوّ الأوّل لليهود و للسنّة" !

وليت هذا المسار يتسارع ويحصل تبادل للسفراء ،لأنه سيكون يوم الفراغ من المملكة الوهابية و يوم نهاية نظام مثّل على مدى ربع قرن عصب الرجعية العربية الرئيسي .  هذا اليوم ،لن يكون هزيمة للفلسطينيين، بل سيكون نصرا كبيرا لهم ولنا أيضا .

•المنطقة المغاربية:

رغم  الحرب الأهليّة التي أغرقت ليبيا، ورغم الجفاء الدائم بين الجزائر و الرباط، ظلت المغرب و الجزائر وتونس بمنأى ــــــ نسبيّا ـــــــ  عن موجة الفوضى والعنف التي اكتسحت المنطقة العربية بعد 2010 ، ويبدو أنّ ما يجري في العالم ومُخرجات الديناميكيات الجديدة في المنطقة تعزّز حظوظ هذه البلدان في هذا الاتجاه . فبسبب الموقع الجغرافيّ، ومنعطفات التاريخ المعاصر، ظلّ المغرب العربي منطقة يستقطبها الاتحاد الأوربيّ وفرنسا على وجه الخصوص و يقيم معها علاقات هيكليّة غير متكافئة .  غير أنّ اقتصاديات الاتحاد الأوربيّ ـــــــ باستثناء ألمانيا ـــــــ  تنتكس منذ مدّة طويلة، وبات تأثيره الجيوـــ سياسي يتراجع بسبب اصطفافه وراء الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وهو الاصطفاف الذي انخرطت فيه بوجه خاص فرنسا فاندفعت إلى الحروب العدوانية على ليبيا و سورية و تحمست لفرض عقوبات على إيران، وبالغت في تقديم دعم لامشروط للصهاينة و لملوك النفط، إلى حدّ تبرير جرائمهم الإرهابيّة *.

إنّ  فرنسا و أوروبّا بعد أن تشوّهت صورتهما لدى الرأي العام العربيّ تواجهان علاوة على ذلك تحدّيا استراتيجيّا آخر يتمثل في مراجعة تحالفهما مع الولايات المتحدة بعد صعود "ترامب" و انسحاب بريطانيا من الاتحاد . 

 لا يعلم أحد كيف ستسير الأمور، ولكن من الواضح أنّ دول الاتحاد الأوربيّ قد تواجه انقسامات جديدة وصعوبات أخرى، قد تسبب تصاعد التوتر مع بلدان عديدة شرق أوروبّا . و لكن الأمور قد تتجه خلاف ذلك، نحو  تعزيز التماسك على المدى البعيد  وهي الرغبة المعلنة للمستشارة الألمانيّة و للرئيس الفرنسي ماكرون. و مهما يكن من أمر ، فإنّ مرحلة من الغموض قد بدأت سيعقبها بالتأكيد رسمُ سياسات جديدة من قبل باريس وبروكسيل .

 

و بإمكان الدول المغاربيّة الاستفادة من هذه التحولات الاستراتيجية لبلوغ توازن أكبر في علاقاتها بفرنسا و بالاتحاد الأوربيّ والشرط الذي لا غنى عنه لاستعادة هذا التوازن هو إحياء "اتحاد المغرب العربي" لأنّ التعامل النّدي مع هذه التكتلات الكبرى يحتاج أن نكون متكتلين أيضا. ولكن، هل سيتجاوز قادتنا عائق خلافاتهم ليتلقّفوا الفرصة؟ ربّما، ولكن بات من المتأكّد أن تجعل القوى الاقتصادية والسياسيّة في بلداننا النضال من أجل الوحدة المغاربية أولويّة ضمن مطالبها و برامجها. ومن الضروريّ العمل فورا على أن ترعى الجزائر و المغرب و تونس ومصر مفاوضات حل سياسي فيما يتصل بالأزمة الليبية، لأنّ كلّ مبادرة خارج هذا الإطار لا يمكن أن تخدم لا سيادة ليبيا ولا السيادة المغاربيّة .

الآفاق الإستراتيجيّة الجديدة :

إنّ تهاوي القوة الأمريكية وعودة روسيا كلاعب دوليّ وهزيمة داعش و التيار الإرهابيّ الجهادي ،فضلا عن تثبيت الدور الإيرانيّ و انحسار دور القوّة العسكريّة الصهيونيّة و تعزيز الدولة في العراق و سورية وانقسام مجلس دول التعاون الخليجي وما لحق مملكة آل سعود من وهن أكيد، بالإضافة إلى انفتاح فرص جديدة لاندماج مغاربيّ، تمثّل كلّها تغييرات مرتبطة بالربيع العربيّ، فقد كان سببا لها أو هو ساهم في تسريعها. إنّه دليل لا ينكره إلاّ جاحد  على أنّه ربيع مشحون بقوّة دفع ثوريّة أحدثت في التوازنات الجيو ــــــ استراتيجية في المنطقة وفي العالم تغييرا عميقا.

إنّ هذه الآفاق الاستراتيجيّة الإيجابيّة تظلّ افتراضا محضا إذا بقينا (وهو شأن جلّ بلداننا) دون أدوات سياسيّة تسمح بتحويل هذه الفرضيات واقعا ملموسا وهي الخلاصة الأولى لما حصل في  2010 ـ2011 ، إذ لم تجد الانتفاضات الشعبية العفويّة (بما في ذلك في مصر و تونس) تنظيمات سياسية تؤطرها و تقودها إلى انتزاع انتصارات تحدث تغييرا جذريّا في هياكل السلطة و في تنظيم الاقتصاد و المجتمع .

إنّ إنشاء هذه التنظيمات هو اليوم أوّل مهامّ الوطنيين التقدّميين، وهي مهمّة سياسيّة بلا شك ، ولكنها فضلا عن ذلك معركة ثقافيّة غايتها بناء فكر وطني جديد على أنقاض إيديولوجيات القرن الماضي (القومية والماركسية والليبرالية و الإسلامية) التي لا يزال قسم كبير من نخبنا أسيرا لها .

إنّ إعادة التأسيس ينبغي أن تتمّ ضمن حدود كلّ قطر ، آخذة بعين الاعتبار خصوصيّاته، لكنّ هذه الفوارق لا تمنع إطلاقا تبادل الخبرات و توطيد التعاون بيننا.

لقد عبرنا مرحلة مضطربة في حماس، ثمّ أعقب ذلك الألمُ ، ولكنّ هذه الفترة انقضت أو تكاد ، وفي حيّز الهدوء الذي سيُتاح بالتأكيد، و لأنّ الثورات لا تتمّ أبدا دفعة واحدة ، لابدّ لنا من حشد كلّ ذكائنا و طاقاتنا لنكون أفضل استعدادا ساعة مواجهة المعارك القادمة.  

الإئتلاف الوطني التقدمي  ـــــ تونس

28  جويلية 2017"

الكلمات المفاتيح: 

  • الائتلاف الوطني التقدمي، دراسة، التحولات العربية، روسيا، الولايات المتحدة الأمريكية