المؤتمر الدولي للإستثمار أو مؤتمر "الفضايح" 

26 نوفمبر 2016
12
بقلم : شكري يعيش

بعد أيام معدودة، سنكون على موعد مع المؤتمر الدولي للإستثمار والذي انتظرناه منذ الحكومة الأولى بعد الثورة، ولكن هل هذه الحكومات الخمسة المتعاقبة كانت جدية في التحضير لهذا المؤتمر؟ فعند تصفحنا للموقع الرسمي للحدث حدد المنضمون الأهداف التالية: دعم التنمية المستدامة، ضرورة مساعدة المستثمرين على تحديد القطاعات ذات الآفاق الكبيرة في كل جهات الجمهورية، الرفع من أداء الشركات العمومية الكبرى وإعلام المجتمع الدولي بالخطة التنموية 2016-2020. 

جميع المشاريع المطروحة يناهز عددها 142 بقيمة استثمار جملية تفوق 67 ألف مليار أي ضعف ميزانية الدولة، من بينها 64 مشروعا عموميا والبقية بين الخاص (34 مشروع) والشراكة بين الخاص والعام (44 مشروع). أما حجم هذه المشاريع فهو متفاوت للغاية والعشرات من بينها وقع برمجتها في السابق البعيد من طرف الدولة كالطرقات والمسالك الفلاحية والتي وقع إضافتها للتضخيم. أما البعض الآخر فهو يفتقر لدراسة أصلا كمشروع التهيئة البيئية للشريط الساحلي في الساحل. أما في ما يتعلق بالمشاريع المهيكلة والإستراتيجية فهي مفقودة تماما والأتعس من كل هذا أننا نرى مشاريع ضخمة من ناحية الكلفة المالية لا يمكن أن تكون مجدية بالمرة لو كتب لها الإشتغال.

فعلى سبيل المثال وفي قطاع البنية التحتية والنقل هناك أكثر من 20 مشروع تقارب كلفتهم ثلث ميزانية الدولة:

- فبعد فشل مشروع مطار النفيضة وفي الوقت الذي تقرر فيه بناء مطار جديد شمال العاصمة تقرر عرض مشروع توسعة مطار تونس قرطاج بقيمة 600 مليار! فهل نحن بحاجة لهذه التوسعة والمطارات الأخرى الموجودة داخل البلاد في أمس الحاجة لتنشيطها وتأهيلها بل لتشغيلها أصلا كمطار صفاقس.

- لقد وقع التخطيط لكل الطرقات السيارة في اتجاه شمال جنوب إذا استثنينا تونس جندوبة وتناسى أصحاب القرار برمجة طريق سيارة شرق غرب تربط مدن القصرين سيدي بوزيد و"صفاقس- قابس" بالطريق السيارة للأطلس أي المغاربية الجنوبية عبر مدينة تبسة الجزائرية التي هي على مشارف القصرين، ولتكون هاته الطريق محور تنشيط للإقتصاد المغاربي، تجارة فلاحة وسياحة، من طرابلس إلى مراكش. فقد اكتفى أصحاب القرار برمجة طريق عادية أطلقوا عليها "اكسبراس" والتي لا يمكن أن تتوفر فيها شروط السلامة كالطرقات السيارة. فأصحاب القرار كانوا على دراية بهذه المسألة منذ 2012 عند طرحي لهذا التصورالعديد من المرات أولها مع وزير التجهيز في حكومة الجبالي. فأصحاب القرار يعلمون جيدا أنهم يتسببون بعزل كامل الجنوب الشرقي (قابس-صفاقس ومدنين) عن محيطهم الطبيعي اقتصاديا و تاريخيا.

- أما في ما يتعلق بالنقل الحديدي، فلقد انحصرت المشاريع وركزت على تعصير الشبكة في تونس الكبرى- نابل والساحل ثم يقفز الفريق قفزة عملاقة الى أقصى الجنوب ليهتم بالربط الحديدي لمدينتي قابس ومدنين. أما صفاقس "الدولة الشقيقة" فبامكانها الاعتماد على نفسها لتطوير "الكوفواتيراج" لتسهيل نقل المسافرين بين المدن وداخلها...

- وفي مايتعلق بمشاربع "الاحياء" أعني احياء الخطوط الحديدية القديمة لمملكة البايات (سكة بعرض 90 سم) فقد خصصت للمناطق الداخلية واني أعتبر هدا الاجراء اهانة للذكاء التونسي بعد 60 سنة من الاستقلال ذلك أن تجهيزات هذا النوع من الخطوط قد ولى عهدها، ومشاكلها أكثر من حلولها. 

- أما النقل البحري وقضية ميناء المياه العميقة الذي يرجع طرحه الى بداية هذا القرن عندما كان النقل البحرى في أوج عطائه حتى موفى سنة 2007 لما تراجع وتسبب في اختفاء أغلب الشركات العملاقة.. فهل يعلم أصحاب القرار ووزيرهم أن الضروف قد تغيرت بعد بناء العديد من المواني العميقة القريبة منا على غرار ميناء طنجة في المغرب و"فلاتة" في مالطة واللذبن يتواجدان عل طريق البواخر العملاقة..فهل يعلم من خطط أن تغيير اتجاه الباخرة العملاقة جنوبا ليلتحق بالساحل الشرقي التونسي يكلفها مليار ونصف حسب السعر الحالي للبترول الذي هو الآن في أدنى مستوياته؟. وهل اطلع أصحاب القرار على الدراسة البيئية الألمانية وغيرها والتي تعارض قيام مثل هذا المشروع الضخم نظرا لما يتسببه من تلوث لشواطىء الحمامات وسوسة. ولكن لماذا هذا الاصرار لصرف 2200 مليار يسددها المواطن في الأخير عبر منظومة استرجاع المديونية؟.. لماذا يستميت بعضهم في الدفاع عن هذا المشروع وربط المنطقة بشبكة الطرقات الجديدة التي خططوا لها لتعويم المسألة وتوريط العديد من الوزارات الأخرى؟.. أليس هذا يصب في خانة أصحاب الأراضي والأثرياء الجدد والذين يترصدون حسب اعتقادهم مجيء المستثمرين الأجانب ونيل "الغنيمة الكبرى"؟.

أعزائي القراء في كل ربوع هدا الوطن، الأمثلة عديدة ولكم أن تتثبتوا بأنفسكم عند دخولكم للموقع www.tunisia2020.com 

ولسائل أن يسأل هل المشاريع المقدمة الكبرى هي في مستوى تطلعاتنا وطموحاتنا ؟ هل المشاريع المقترحة تركت وراء ظهرها جهوية الدولة التي أصبحت مرضا مزمنا لايمكن الاطاحة به الا بابعاد مافيا الادارة في السلطة المركزية وتطبيق الباب السابع من الدستور أو السلطة المحلية.. اذ كيف لنا أن نقبل مثلا حرمان كامل ولاية قبلي من أبسط المشاريع؟ كيف لنا أن نقبل بانعدام البنية التحتية والنقل الحديث في ثاني قطب اقتصادي وبشري تركوه للمجهول؟ وهل سيقبل المستثمرون بهدا الجو المتعفن؟ وهل سيقبلوا بالمخاطرة في ضل ادارة مركزية معقدة’ متشعبة ومعطلة نخرها الفساد في العمق؟.
إذا، حسب اعتقادي ماذا نستطيع أن نفعل؟

كان بالإمكان في نظري طرح العديد من المشاريع الإستراتيجية التي تنهض بالبلاد والعباد والتي يمكن أن نبوبها كالآتي:

1/ المشاريع التي تعنى بالأمن الغذائي: المدخرات من المياه، الفلاحية برا وبحرا.. والأمثلة عديدة منها:

- التحلية المكثفة لمياه البحر وخزنها في الموائد المائية العميقة في الوسط والجنوب والتي من شأنها أن تقفز بالمنتوج الفلاحي في هذه الربوع وتضمن لنا الإبتعاد عن شبح الأزمة المائية الخانقة في العشرية المقبلة. 

- بناء السدود الجبلية والمتوسطة الحجم وصيانة كل التجهيزات المائية. 

- زرع 10 مليون شجرة زيتون لتدر عند الإنتاج 4 آلاف مليار كل سنة وهو رقم يفوق بكثير عائداتنا من الفسفاط في أوج عطائه. 

- تهيئة وتطوير موانئ الصيد والترخيص للصيد في عمق المياه الدولية لسفن يتم تصنيعها محليا ويفوق طولها 32م..

2/ مشاريع البنية التحتية والنقل البحري البري والجوي: فعلى سبيل المثال:

- بناء شبكة ذكية من الطرقات السيارة والخطوط الحديدية السريعة ذات المواصفات الدولية. 

-تنشيط المطارات الداخلية، 

- التخلي عن فكرة ميناء المياه العميقة والإقتصار على رصيفين للمياه العميقة في موانئنا الحالية وأولها ميناء بنزرت الأقرب لمسار البواخر العملاقة، وضرورة توسعة وتعصير ميناء صفاقس جنوبا. 

- إحداث قطار للضاحية الجنوبية لصفاقس (المحرس- نقطة-قرقور- طينة ) وقطار آخر للضاحية الشمالية (يربط مدن الأنس- الساقية-صفاقس) ليخففا الضغط المروري وإهدار الطاقة. 

3/ مشاريع الطاقة والطاقات المتجددة:

- إنجاز 3 محطات عملاقة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية في كل من قبلي توزر وتطاوين..

- إنجاز مشروع توليد الطاقة من الرياح في جبال أقصى الشمال. 

4/ مشاريع البيئة والتنمية المستدامة:

- إزالة التلوث كليا بدءا بتفكيك مصانع الموت والتهيئة المندمجة للشواطئ الجنوبية بصفاقس والشواطئ الشمالية لقابس. 

5/ الإستثمار في التنظيم الإداري اللامركزي وما يتطلبه من تمويل للتكوين وتحويل وتوزيع الصلاحيات والإرساء الجدي للإدارة الإلكترونية.

وفي الأخير، أتوجه بكلامي خاصة إلى السيد رئيس الحكومة ووزراء النقل، التجهيز والبيئة وأقول لكم: الظاهر أن من أعد هذا الملف كان على عجلة من أمره، فليس هناك لا نظرة استشرافية لا رؤيا ولا نظرة شاملة تحدد الأولويات وتقدم الأهم عن المهم؛ وأنا متأكد أن التناغم والتنسيق بين الحكومات المتعاقبة والإدارات كان مفقودا.

أقول لكم يا أصحاب القرار حاليا: يمكنكم تدارك مافات وبسرعة، ما كتبته هنا هو قطرة من فيض واعلموا جيدا أن هذا البلد الآمن كالجسد الحي إن تعطل عضو من أعضائه فإنه قد ينعكس سلبا على الجسم بأكمله. 

 

* نائب مؤسس وقيادي في حركة مشروع تونس