القربان من إفيجينيا إلى إسماعيل

02 سبتمبر 2017
12
بقلم : نجيب بكوشي

كان العرب قبل الإسلام يفدون نساء ورجالا من كافة أنحاء شبه الجزيرة العربية لأداء مناسك الحج أو العمرة في مكّة، ويدوم حجّهم أربعة أشهر جعلوها أشهرا حرما، يحرّم فيها القتال والغزو والإغارة على قوافل الحجيج والتجّار المتوجّهين للبيت الحرام، وكانوا يطوفون بالكعبة، ويقدّسون الحجر الأسود، ويسعون بين الصفا والمروة، بعضهم يرتدي المآزر والبعض الآخر عاريا تماما، وكانوا يقفون في جبل عرفة، ويقدّمون الهدي ( الذبائح) للتقرّب من آلهتهم الّتي إستقدمها من بلاد الشام مؤسس الديانة الوثنيّة في مكّة عمرو ابن لحي الخزاعي، ومن أهمّها "اللاّت" و "العُزّى" و "مناة" و "هبل".

أبطل الإسلام بعض شعائر الحج السابقة له، ولكنّه حافظ على أغلبها ومنها شعيرة الأضحية في اليوم العاشر من ذي الحجّة. يذكر المؤرّخ العراقي جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"في الفصل السابع والستين التقرب الى الآلهة؛ "وقد كان الجاهليون، يعظمون البيت بالدم، ويتقربون إلى أصنامهم بالذبائح، يرون ان تعظيم البيت أو الصنم لا يكون إلا بالذبح، وان الذبائح من تقوى القلوب. والذبح هو الشعار الدال على الاخلاص في الدين عندهم،وعلامة التعظيم. "قال المسلمون: يا رسول الله، كان اهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق ان نعظمه".

لم تكن القبائل العربية الوثنية مثل قريش وخزاعة وهذيل والأوس والخزرج وحدها التّي كانت تقدّم الذبائح للتقرّب لآلهتها، بل كذلك كان يفعل أهل الكتاب من اليهود،  فقد أوصى موسى بني إسرائيل بالإحتفال سنويّا بذكرى نجاتهم من عبودية الفراعنة،  ويسمّى هذا الإحتفال الذي يتواصل لمدّة سبعة أيّام بعيد الفصح وينتهي بذبح كبش أو ماعز ، قربانا للاله المخلّص يهوه. جاء في أصحاح 12 من سفر الخروج؛ وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ فِي أَرْضِ مِصْرَ قَائِلاً: «هذَا الشَّهْرُ يَكُونُ لَكُمْ رَأْسَ الشُّهُورِ. هُوَ لَكُمْ أَوَّلُ شُهُورِ السَّنَةِ. كَلِّمَا كُلَّ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ قَائِلَيْنِ: فِي الْعَاشِرِ مِنْ هذَا الشَّهْرِ يَأْخُذُونَ لَهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ شَاةً بِحَسَبِ بُيُوتِ الآبَاءِ، شَاةً لِلْبَيْتِ. وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ صَغِيرًا عَنْ أَنْ يَكُونَ كُفْوًا لِشَاةٍ، يَأْخُذُ هُوَ وَجَارُهُ الْقَرِيبُ مِنْ بَيْتِهِ بِحَسَبِ عَدَدِ النُّفُوسِ. كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حَسَبِ أُكْلِهِ تَحْسِبُونَ لِلشَّاةِ. تَكُونُ لَكُمْ شَاةً صَحِيحَةً ذَكَرًا ابْنَ سَنَةٍ، تَأْخُذُونَهُ مِنَ الْخِرْفَانِ أَوْ مِنَ الْمَوَاعِزِ.

يوجد تشابه كبير بين شروط ذبيحة عيد الفصح عند اليهود وشروط ذبيحة عيد الإضحى عند المسلمين، وللأضحية في الإسلام مثل اليهودية شروط ومواصفات، الفقهاء حدّدوا ستّة شروط؛  الشرط الأوّل أن تكون من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ضأنها ومعزها،  والشرط الثاني، أن تبلغ السن المحدّدة شرعا وهي خمس سنوات للإبل وسنتان للبقر وسنة واحدة للغنم، والشرط الثالث أن تكون خالية من العيوب،  والشرط الرابع أن تكون ملكا لصاحبها،  والشرط الخامس أن لا يتعلّق بها حق للغير والشرط السادس والأخير أن تذبح بعد صلاة العيد،  ويجوز ذبح الأضحية إلى حدود غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجّة. في حديث عن الرسول رواه مسلم قال "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن ".

تنقسم القرابين عند المسلمين في الحجّ إلى ثلاثة أنواع رئيسيّة ؛  الفدية والهدي والأضحية. الفدية وهي الذبيحة الواجبة على الحاج أو المعتمر بسبب ترك واجب أو فعل محظور أثناء الحج مثل حلق الشعر أو تقليم الأظافر أو لبس المخيط، وكلّ هذه المحظورات تقريبا وجدت عند العرب قبل الإسلام وعند اليهود . "وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُك" البقرة 196.أمّا الهدي فهو ما يُهدَى إِلى الحرم من بهيمة الأنعام، تقربًا إِلى الله، بعد أن كان عند العرب قبل الإسلام يهدى تقرّبا إلى الأصنام والأوثان. أمّا الأضحية فهي ما يُذبح أيام النحر، إحياء لسنّة إبراهيم وطاعته لربّه.

تتّفق الميثولجيا الإسلامية مع الميثولوجيا اليهودية حول تفاصيل القصّة الإبراهيمية الّتي تتحدّث عن إمتثال إبراهيم الخليل لأمر ربّاني يقضي بذبح إبنه الوحيد وتقديمه قربانا لخالقه، قبل أن تقدّم له السماء كبش فداء بدلا عن الذبيح ، ولكنّهما تختلفان حول هويّة الذبيح. في حين حدّد النصّ التوراتي بوضوح هويّة الذبيح وهو إسحاق. حيث ورد في تفسير أصحاح 22 من سفر التكوين: "وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ». فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ اثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ابْنَهُ، وَشَقَّقَ حَطَبًا لِمُحْرَقَةٍ، وَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ.[…] فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ. ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ. فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا» فَقَالَ: «لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي». فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ."

بقي النصّ القرآني غامضا في تحديد هويّة الذبيح الإبراهيمي،  حيث ورد في سورة الصافات: "رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)."
 الرواية الإسلامية الرسميّة الّتي تبلورت بصورة متأخّرة حوالي القرن الثالث للهجرة والقائلة بأنّ الذبيح هوّ إسماعيل وليس إسحاق،  لم تكن محلّ إجماع المسلمين، حيث أقرّ العديد من الصحابة والتابعين والمفسّرين والمؤرخين أنّ الذّبيح هوّ إسحاق وليس إسماعيل ومن أهمّهم؛  عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود والعبّاس بن عبد المطّلب، وقد اورد ذلك الطبري في تفسيره والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن وابن خلدون في مقدّمته وابن عربي في فصوص الحكم. سوف يشتدّ عبر التاريخ، الصراع حول القربان الإبراهيمي و حول هويّة الذّبيح بين اليهود والمسلمين،  بين ذريّة هاجر وذريّة ساره،  بين أحفاد إسحاق وأحفاد إسماعيل.

تجد هذه الأسطورة الإبراهيمية الواردة في النصّ التوراتي أوّلا، ثمّ في النصّ القرآني لاحقا جذورها في الميثولوجيا الإغريقية القديمة، حيت تحدّث "هوميروس" في ملحمة الإلياذة عن أسطورة "أجاممنون" شقيق ملك أسبرطة "ميلانوس" وقائد الجيش اليوناني، الذي طلبت منه آلهة الخصب والصيد "آرتميس" ان يقدّم لها إبنته الكبرى والأعزّ إلى قلبه الفاتنة "إفيجينيا" قربانا، كي تسخّر له الرياح التي سوف تحمل سفنه الحربيّة إلى شواطئ طروادة،  وعند إستجابته لطلب الآلهة، رغم رفض البطل آخيل، منحته السماء غزالة مكافأة له، ليقدّمها قربانا عوضا عن ذبح إبنته.

إنّ طقوس الذبح والنحر وتقديم القرابين للآلهة لتجنّب سخطها وإرضائها لم تأت مع الميثولوجيا الإبراهيمية، بل كانت سابقة لها وملازمة للإنسان منذ فجر البشريّة ، ولكنّ ما قدّمته الديانات التوحيدية للإنسانية هيّ إستبدالها للقربان البشري بالقربان الحيواني، مع ضرورة الإشارة انّ الحضارة السومرية قد سبقتها في ذلك، وربّما أسطورة ذبح إبراهيم لإبنه تأتي في هذا الإطار، لأنّ الحفريات الأركيولوجية أثبتت وجود طُقس تقديم القرابين البشرية عند الكنعانيين والمصريين والفنيقيين. فيكون بذلك تعويض القربان البشري بالقربان الحيواني هوّ بداية لخروج الإنسان من البربريّة ودخوله للتاريخ.