العميد حبيب القزدغلي: لا نريد نظاما انتخابيا للجامعة تباع فيه الاصوات وتشترى.. والمسار ليس ديكورا في حكومة الشاهد(حوار)

13 أفريل 2017
36
بقلم : يسرى الشيخاوي

يعدّ العميد حبيب القزدغلي من الشخصيات الأكاديمية الوازنة على الصعيد الوطني في تونس وحتّى في الفضاء المتوسطي والعربي بفضل أبحاثه ودراساته المتخصصة في التاريخ المعاصر ولاسيما تاريخ الحركة الشيوعية واليهود التونسيين. كما يستمد القزدغلي حظوته في الساحة التونسية خاصة من مواقفه المثيرة للجدل وهو شخصية تجمع بين العمق المعرفي- الفكري والالتزام العضوي بالعمل السياسي الحزبي صلب المسار الديمقراطي الاجتماعي (سليل الحزب الشيوعي) الذي يمكن اعتباره اليوم أعرق حزب تونسي.

حقائق أون لاين التقه مؤخرا لتطارح أبرز وأحدث القضايا المطروحة في الحياة الجامعية التونسية وهو الذي كان مرشحا في وقت سابق لحقيبة التعليم العالي والبحث العلمي، وفي المجال السياسي خاصة وأنّه يتأهب لتسليم المشعل لخلفه المرتقب على رأس كلية الاداب والفنون والعلوم الانسانية بمنوبة فكان معه الحوار التالي:

ماهو موقفكم من تعديل نظام الانتخابات في الجامعة؟

سبق وعبرت عن موقفي في اجتماع مجلس جامعة منوبة  يوم 13 مارس الفارط وعموما المجلس عبر عن رفضه لهذا المقترح ليس لفكرة التغيير في حد ذاتها وإنما نحن نرى أن التركيز هذه السنة يتم على إصلاح الوزارة.. السيد الوزير أعلن أنه يوم 30 جوان و1 جويلية ستنعقد الندوة الوطنية لإصلاح التعليم وهناك عشر لجان تشتغل على ذلك ، ومن الأجدر أن نركز مجهودنا على مخرجات هذه اللجان. ومن الضروري أن يتم في هذه اللجان تلبية مطالب الجامعيين والرأي العام 6 سنوات بعد الثورة.

ونظام الانتخابات الذي أقره أحمد ابراهيم في الجامعة  في 2011 إجراء ثوري كبير من ناحية تعميم مبدإ الانتخاب على كل الأجزاء الجامعية بعد أن كانت الانتخابات تشمل تقريبا 10 أو 15 مؤسسة على أقصى تقدير ولا تشمل 204 مؤسسة.

وزير التعليم العالي الحالي  قال في تصريح إعلامي إنّه قد كان قرارا ثوريا وفي الآن ذاته متسرعا ؟

بالعكس.. أنا أرى أنه قرار جريء ولم يكن القرار الوحيد.. في نفس اليوم الذي أعلن فيه أحمد إبراهيم  رحمه الله على قرار تعميم الانتخابات في كل الأجزاء الجامعية أعلن عن قرار شمل إطلاق سراح الطلبة المسجونين من اجل أفكارهم وتخصيص دورات خاصة لإجراء امتحاناتهم إضافة إلى إلغاء جهاز البوليس.

وفي عشريتي الاستبداد أي مؤسسة يتم بعثها لا تسمى كلية لكي يكون المدير معينا من طرف السلطة ومواليا لها .. وتعميم الانتخابات مكّن الأساتذة من اختيار مدير المؤسسة لذلك فهذا الإجراء شجاع وهو استجابة تامة لمطالب الأساتذة..

والنظام المقترح إذا عالجناه بكل جدية نرى أنه يؤسس للشعبوية والفوضى ، والاقتراع العام والمباشر مع احترامي للآراء المخالفة هو قمة الفوضى وسيسمح بإدخال الجامعات في انتخابات عامة، وفي غوغاء عواقبها غير معلومة.

وإذا كان إجراء إبراهيم متسرعا فلا يمكن أن نعالجه بإجراء أكثر تسرعا على  الرغم أننا لا نراه كذلك لأنه لبى مطلب الجامعيين في حين أن القرار الحالي خلق انقساما نحن في غنى عنه.

يعني أنتم تدعون إلى ضرورة التراجع عن مشروع التنقيح؟

نعم أنا مع التراجع عن مشروع التنقيح خاصة وأن الجامعة العامة للتعليم العالي التابعة لاتحاد الشغل و6 جامعات كبيرة رفضته، والمنطق والحكمة يقتضيان أن يتراجع عنه الوزير وأن نستعد الآن لنجري الانتخابات بالشكل الذي كانت تقوم عليه ثم نتفرغ لإصلاح المنظومة وهذا الإصلاح قد يؤدي إلى مخرجات لبناء حوكمة جديدة وعندها نقر نظاما انتخابيا. وفي كل الحالات لن يكون بالطريقة المقترحة لأنها طريقة شعبوية.

في حال لم يتم التراجع هل ترون أن من شأن ذلك أن يؤثر على السير الطبيعي للعمل بالجامعة التونسية؟

أنا أرى أن تطبيق هذا المقترح سيؤدي إلى اضطراب التراتبية  وإتاحة الفرصة مباشرة لمساعد لم يناقش أطروحته بعد لينتخب من هو أعلى درجة، مع احترامي للمساعد وأنا كنت مساعدا. فهذا الأمر يفتح الباب لنظام انتخابي يقوم على زبونية ونحن لا نريد نظاما انتخابيا تباع فيه الأصوات وتشترى.

نريد أن تكون هناك تراتبية. هذا القطاع هو الوحيد الذي لا يوجد فيه متفقدون لأنالاستاذ في حياته الجامعية يمر بمراحل تقييم سواء عند انجاز الأطروحة أو التأهيل الجامعي أو الانتقال من سلم إلى سلم، ويمر أمام لجان انتداب لذا نريد أن نحافظ على التراتبية لأنها احترام للعلم.

في تقديري الاستاذ صنف "ب" ليس حالة دائمة لكن لا تكون العملية بشراء الأصوات ونحن نريد أن نحافظ  على تراتبية تحترم الكفاءات.

كيف تقيمون فترة شكري مبخوت على رأس جامعة منوبة؟

هو رئيس جامعة منتخب وكنا معه مجموعة من الأعضاء في مجلس الجامعة ، أنهى الدورة الأولى وتم التجديد له وللمجلس، إذا كان هناك أشياء إيجابية وهي كثيرة فيرجع الفضل فيها لشكري مبخوت ولكل أعضاء مجلس الجامعة لأن مجلس الجامعة تقريري في حين أن المجلس العلمي استشاري.

لا توجد سلبيات؟

كل تسيير فيه سلبيات. هناك برامج ثقافية وأنشطة لكن يبقى النقص في الانسجام بين المؤسسات. الكلية المعروفة في جامعة منوبة هي كلية الآداب والبقية مؤسسات صغرى وهناك مساع  لتتفاعل في ما بينها عن طريق تنظيم الأيام الثقافية  ولا بد أن نواصل فيها. والجامعة فيها عدة اختصاصات، صحافة وآداب وطب بيطري وعلوم تقنية، وهذا التشتت في الاختصاصات يصعب العملية لكن مقارنة بجامعتي المنار وقرطاج تعتبر منوبة جامعة ناجحة. ورغم الاختلال بين الكلية والمؤسسات الأخرى سيحصل الانسجام في السنوات القادمة.

هل ستترشحون لانتخابات رئاسة جامعة منوبة؟

أنا رجل مسؤولية و من الوارد أن أترشح إذا توفرت الشروط .. المرحلة الأولى ستبدأ بانتخاب مديري الأقسام والمرحلة الثانية انتخاب المديرين والعمداء.

ونتمنى أن تكون الانتخابات على أساس برنامج لأن الكلية تجاوزت دورها وأصبحت مركز قيم. ونأمل أن يكون العميد في المرحلة القادمة زميلة أستاذة.

من ترشح من الأسماء؟

لن أذكر أي اسم لان هناك ديمقراطية ..المهم أن تتمتع الزميلة بالكفاءة وتنال رضا زملائها من الرجال والنساء وفي ذلك تعبير عن رمزية ما حصل في الكلية من دفاع عن القيم الجامعية ودفاع المرأة عن الجامعة والحركة البطولية لخولة الرشيدي.

ما هي الخطوط العريضة لبرنامجم إذا تم انتخابكم ؟

أنا مثلت مجموعة من القيم ودافعت عنها ورأيت أن هناك أجواء عامة تسمح بهذا وإذا وجد تيار كامل يدافع عن هذه القيم فأنا مستعد لمواصلة النضال من أجل ترسيخ القيم الجامعية وترسيخ البحث العلمي والجامعة.

والمحاور الكبرى لبرنامجي هي ترسيخ جامعة منفتحة في خدمة البلاد وهو ما شرعنا فيه في الكلية وأطمح لتطويره في مستوى الجامعة فالكلية تضم 6 آلاف طالب والجامعة تضم 20 ألف طالب.

أريد أن تكون جامعة القرن 21 خلاقة. فعلى عكس التعليم الثانوي الجامعة مخبر مفتوح لجميع المجالات خاصة خدمة بلادنا في المرحلة التي تمر بها. وقد فُتحت للجامعة آفاق كبيرة في مستوى الديمقراطية ومستوى التسيير وعليها أن تثبت كفاءتها وتستجيب لقضايا المجتمع لأن القضية الأساسية والكبيرة أن تكون الجامعة في خدمة التنمية ولكن أيضا أن تخرّج أجيالا جديدة  تفكر أكثر من أي وقت.

وعندما نخصص شُعبا للطلبة يجب أن نفكر في فرص العمل بعد التخرج و كيف يكونون ذوي تكوين جيد يمكنهم من المنافسة على مواطن الشغل. ويجب أن تكون هناك علاقة بين التكوين والتشغيل من جهة وبين البحث والتنمية. وإذا لم يتم انتخابي سأطالب زملائي بهذه النقاط.

الثورة فتحت آفاقا للجامعيين وعليهم ان يستغلوا هذا الظرف التاريخي إذ أصبح بإمكانهم العمل بكل حرية بعيدا عن الرقابة السياسية وبعيدا عن الرقابة باسم تعليم الدين والفهم الخاطئ للدين.

والمعركة التي خضناها تبين أن للجامعة فضاءها الخاص بها وهي ليست لا في معاداة للدين ولا في معاداة للسياسة وإنما لها أهدافها ضمن منظومة كاملة وأنا اسميها الحريات الأكاديمية.

كيف ترون طرح الوزير في ما يتعلق بإصلاح التعليم العالي ؟

هو في الحقيقة ليس طرح الوزير. لقد عملت لجنة ثلاثية متكونة من الوزارة وممثلي الجامعات والنقابة على ذلك لمدة 3 سنوات ونتائجها تقدمت في صيف 2014 لكن توقفت أعمالها. أما اللجان الـ10 فهي تشتغل من أجل مخرجات المؤتمر الوطني حول إصلاح التعليم العالي لكن الخطوط العريضة للبرنامج الإصلاحي تم التوصل إليها من طرف اللجنة الثلاثية اللي خدمت من 2012 إلى 2014.

ونأمل أن تقوم اللجان الـ10 بحوصلة واضحة لمجموعة من الأولويات في ما يخص القضية الكبرى وهي الخارطة الجامعية ونحن نفتخر بأن في بلادنا عديد الجامعات المنتشرة ولكنها في نفس الوقت لا تمتلك نفس الإمكانات ونفتخر كذلك بوجود عديد الأقسام ففي مجال الإنسانيات هناك 19 قسما في الانكليزية ونعتبر هذا العدد كبيرا لأنه يشتت الكفاءات وبالتالي يجب تكثيف هذه الأقسام وتجميعها في أقطاب.

وهناك عدة شعب نفتخر بوجودها في الجامعات التونسية ويجب أن تبقى موجودة لكن تطورها العشوائي لا يخدمها ويجب أن نفكّر بجدّية  في تطبيق نوع من الشراكة وعودة بعض المتعاقدين الأجانب  ويجب أن نوفر اعتمادات مالية اكبر لجلبهم في بعض الشعب كالانقليزية لجلب  إطارات جديدة في هذه الشعب المهددة بالانقراض.

لابد أيضا من تطوير الحياة الجامعية من خلال الاهتمام بالنشاط الثقافي إذ لا بد من شحذ الطاقة الطلابية على اعتبار أنّ هناك الكثير من الدروس مقابل نقص في التثقيف والثقافة.

هل ترون أن الوزارة ماضية في طريق الإصلاح؟

سنقيم هذا .. لم نر قرارات كبيرة .. رأينا العودة إلى الإصلاح وهو قرار إيجابي بعد توقف.. أما في ما يخص مشروع التنقيح فرأيت فيه تسرعا ولا بد أن نرتقي بالجامعة. عندما نرى شبابا عاطلا ناقما لا بد أن نقول ان لنا قسطا في ذلك. وماهو نصيبنا من هذه المسؤولية..

الجامعة التونسية بما هي عليه اليوم هل هي سبب من أسباب ارتفاع نسبة البطالة؟

الجامعة تتحمل مسؤوليتها والجامعي المسؤول لا يخاف من قول ذلك. هناك إصلاحات كانت ضرورية مثلا إقرار نظام إمد منذ 2006 لأنه يجعل تعليمنا منفتحا ومرتبطا بالمنظومة العالمية لكن قد يكون علينا مراجعة بعض التطبيقات بشجاعة وجدية. 

يعني المشكلة ليست في نظام إمد بل في كيفية تطبيقه؟

نعم في تطبيقه وتونسته. ففي بعض الأحيان لم يكن تطبيقه وفقا للنواميس العالمية. يعني منظومة إمد الى اليوم يتخرج منها طلبة متفوقون والأرقام الأخيرة في مناظرة طلبة الطب في فرنسا التي نجح فيها 450 منهم 150 تونسيا، ، أي الثلث، وهذا دليل على أن تعليمنا جيد لكن لا بد من مراجعته خاصة في علاقة بمخرجات التعليم الثانوي. وكأن قدر كليات العلوم الإنسانية أن تقبل فقط وافدين من شعبة الآداب وأعدادهم غير جيدة في الغالب والحال أن البلاد مثلما هي في حاجة إلى أطباء ومهندسين هي في حاجة إلى شعراء وفلاسفة ومفكرين والشعوب التي تقدمت في المجالات الكبرى العلمية الصحيحة هي متقدمة أيضا في مجال الفلسفة.

تحدثتم سابقا عن مخاطر حرب أهلية ومنزلقات مجتمعية هل مازالت عندكم نفس النظرة اليوم؟

في اعتقادي ان المخاطر التي تهدد الانتقال الديمقراطي هي ثلاثة، تونس عاشتها وعرفت بوادرها. ولكن في نفس الوقت تتجسد الحرب الأهلية عندما تكثر المشاحنات و يتحول الصراع من الكلام والشتم إلى صراع  مادي وهذا وصلنا إلى ذروته في أوت 2013 من خلال صورة المتظاهرين أمام المجلس التأسيسي حينما أصبح فضاء محاطا بالأسلاك الشائكة وفي كل لحظة هناك فرصة للصدام. والخاصية التونسية هنا هي الحوار الوطني فقد نجحت تونس وتوصلت إلى كتابة دستور وهو ليس أحسن دستور في العالم وإنما يوافق تاريخ تونس ويوافق القوى الموجودة فيها وأصبح هذا  الدستور مرجعية للجميع .

 وصلنا لخطر الحرب الأهلية وتفاديناه ووصلنا لخطر الاحتلال في بن قردان وتفاديناه بفضل الجيش والمواطنين ومحاولة الاحتلال لم تنجح.

والخطر الثالث هو الإفلاس الاقتصادي ومازلنا نعيشه إلى اليوم.

 وهذه الأخطار الثلاثة إذا دخل احدها على الخط يفشل المشروع المتمثل في نجاح الانتقال الديمقراطي في هذه المرحلة التاريخية.

هل مازالت هذه المخاطر قائمة؟

نعم مازالت قائمة. لابد أن نشد على أيدي الجنود والأمنيين والمنظمات المجتمعية والمدنية ونقول لها إن هناك رغبات معقولة ومشروعة اجتماعيا لكن لا نتركها تجاوز حدها. ويجب أن تبقى النقابات خير وسيط للمساعدة على تحقيق هذه المطالب. وأما أن يتم تجاوز الهياكل النقابية فلن نجد من يلعب دور التعديل.. ونحن نريد أن يلعب الاتحاد والأحزاب السياسية دورا تعديليا وكل محاولة لتجاوزها تنجر عنها فوضى.

ما هو موقفكم  من دعوة المؤرخ الهادي التيمومي قيادة اتحاد الشغل إلى تكوين حزب عمالي ودخول المعترك السياسي بوجه مكشوف علما وأن هذا الحزب حسب رايه يجب ان يضم الاتحاد مع اليسار التقدمي لإعادة التوازن للساحة السياسية؟

هو طلب مشروع وأحترم رأي زميلي لكنني لا أوافقه الرأي..  في تونس وقعت محاولات عام 1956 دعا إليها أحمد بن صالح في السبعينات. الحبيب عاشور أيضا طرح الفكرة.. وأنا شخصيا أرى أن للأحزاب دورها وان كانت ناشئة والاتحاد لا بد أن يبقى فضاء رحبا وواسعا يضم كل الناس و دوره اجتماعي تعديلي وحتى سياسي في بعض الأحيان. وقد لعب دورا وطنيا يجمع بين الدور الاجتماعي والدور السياسي .. وفكرة حزب عمالي حتى في البلدان التي كانت مشهورة بذلك خفتت ولكن في المقابل أرى أن تقترب الأحزاب ذات التوجه اليساري من بعضها للتنسيق أو تأسيس جبهات.

هل هذا مطروح في حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي؟

هذا دائما مطروح .. في كل مرحلة من تغيير الحزب لاسمه لأن المسألة ليست تغيير اسم فحسب بل هي توسع والتقاء مع مجموعات أخرى. يمكن أن لا تكون تسمية المسار التسمية النهائية للحزب.

ومتى اجتمع الأشخاص على قاعدة البرنامج وتخلصوا من الايدولوجيا هناك مجال لتوسيع الإطار السياسي تحت ما يسمى اليسار الوطني الذي يبقي على البعد الاجتماعي لكن يفكر في الوطن ولما يقتضي الوطن أن يساهم في تجاوز الأزمة يقوم بمهامه في هذا الإطار. وأنا أساند ما ارتآه حزب المسار في ما يتعلق بمشاركته في الحكومة ولو كان ذلك متأخرا.

هل سيبقى سمير الطيب على رأس المسار؟

هو منتخب لدورة وفي المؤتمر القادم ستطرح مسألة الأمانة العامة.. وهناك من قال إنه ينبغي على سمير الطيب أن يتخلى عن الأمانة العامة باعتباره أصبح في الحكومة. لكن رفضنا هذا الأمر وقلنا إنه سيضعف من الموقف السياسي الذي اتخذه الحزب للمشاركة في الحكومة.

والرفض لا يعني أنه لا يوجد أفراد آخرون قادرون على تولي الأمانة العامة ولكن تخلي سمير الطيب عن هذا المنصب سيضعف موقف الحزب والحكومة.

لنتحدث عن تموقع  حزب المسار اليوم في حكومة الوحدة الوطنية، هل هو مجرد ديكور لتزويق المشهد كما يقول البعض أم هو مؤثر في القرارات؟

صعب أن يكون مؤثرا في القرار لأنه ليس له نواب. إلا انه قوة اعتبارية.. والمسار لم يعاقب في انتخابات 2014 إنما كان من الضروري إيجاد قوة تعديلية والجميع كان يبحث عن الحزب الأول الذي سيهزم النهضة وتمت التضحية بالمسار لكن هذا مؤقت.

والمسار اليوم قوة اقتراح ومشاركته في الحكومة أمر طبيعي بالنسبة للعموم إلا الأصوات الناعقة التي ترى في مشاركته أمرا غير طبيعي.

والمسار ليس ديكورا وإلا لما كان الحرص كبيرا على مشاركته في حكومة الوحدة الوطنية  على اعتبار أن البرلمان لم يتمكن من حل المشاكل وبالتالي كان من الضروري الانفتاح على القوى الأخرى.

هل خلفت مشاركة سمير الطيب داخل الحكومة انقساما داخل المسار خاصة وأن حركة النهضة موجودة فيها ؟

طبيعي .. إذا لم يكن هناك نقاش لا يمكننا الحديث عن حزب وحصل هذا النقاش لكن المهم ان النقاش آل في النهاية إلى مشاركة المسار في الحكومة.

كان هناك نقاش وتم احترام كل الأفكار ومشاركة المسار في الحكومة لا تعني انتهاء الآراء المختلفة ولكن الأكيد أنه لابد أن نغلب المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية.

ومن يعتقد انه حينما تشتد الأزمة سيستفيد اليسار أقول له إنه قد تنهار البلاد ولا يكون هناك مجال لليسار بل للقبائل وللصراعات ما قبل الدولة التي ضعفت اليوم ونحن نريد في هذه المرحلة أن ندعم القوى التي تؤمن بها.

ماهو رأيكم في الخطاب السياسي الحالي لحركة النهضة؟

هم جاؤوا ليقولوا إنكم لستم مسلمين وسنعلمكم الإسلام وإذا بهم الآن يقولون لنا نحن تونسيون ونريد أن نكون تونسيين مثلكم وبين الخطابين قد يكون هناك مغالاة أو تلاعب ولكن عموما هم مطالبون بإثبات التغيير.

وتغيير الخطاب داخل النهضة ليس نتيجة لتطور داخلي وإنما نتيجة ما أبداه المجتمع من رفض لهذا النموذج الغريب عن التونسيين.

آمل أن يتطوروا لانهم تونسيون مثلي ولن افرح إن غالوا في التقوقع لكن أنبه إلى أن هذا التطور لم يكن داخليا وعليها أن تثبت أنها ثابتة في تغييره كما على كل التونسيين أن يثبتوا أنهم متعلقون بإنجاح مسار الانتقال الديمقراطي ويغلّبون مصلحة تونس.

وهل ناقض المسار مواقفه من حركة النهضة بمشاركته في الحكومة؟

لو كان هناك خلافات حول التصور للمجتمع ستبقى مع أي طرف سواء كان النهضة أو غيرها.. ما حصل هو توافق من أجل تجاوز الانغلاق، توافق من أجل تونس و لو بقي كل على موقفه سنصل إلى التصادم. هناك وثيقة قرطاج. ولم تقع مشاورات مباشرة بيننا وبين النهضة أو بيننا وبين حركة نداء تونس، مع أننا قد نكون أقرب إلى الحزب الجمهوري أو النداء في بعض النقاط.

ونحن نسقنا مع الجمهوري لكننا بصفة عامة استجبنا لنداء قام به رئيس الجمهورية لنقوم بتكثيف الجهود لتجاوز العقبات علما وأن فكرة حكومة الوحدة الوطنية الفكرة طرحها المسار بعد المحاولة الفاشلة لاحتلال البلاد في شهر مارس 2016.

ونحن ساهمنا في إنضاج هذا الالتقاء المؤقت لفائدة بلادنا والالتقاء لا يعني انه لا توجد خلافات إنما هو تغليب للقاء على الاختلاف مع النهضة أو غيرها.

هل نداء تونس قريب من المسار؟

نعم .. في اعتقادي النداء تواصل للمجهود الإصلاحي التونسي منذ القرن التاسع عشر بطبيعة الحال فيه تناقضات فيه أشياء قد لا تعجبنا لكنه تطور للتيار الذي وجد في القرن التاسع عشر وعبر عنه الثعالبي وبورقيبة وهو تيار واسع ومتناقض. وحزب المسار ضمن هذه العائلة الكبرى لكنه يريد دائما أن يكون مستقلا..

والنداء ينتمي إلى  العائلة التونسية المتمسكة بتونسيتها ولكن في نفس الوقت تريد أن تكون تونس منفتحة. واليسار مكانه الطبيعي فيها وان كان اليسار يركز أكثر على البعد الاجتماعي.

كيف ترون مستقبل اليسار في تونس؟

اليسار كمشروع أساسه الدفاع عن العدالة الاجتماعية والتقدم ولكن ليس على حساب البشر ومادام هناك حيف سيبقى اليسار هو الحاضن لفكرة التقدم والعدالة في إطار وطن حر.. نحن في منعرج تاريخي ولا بد من تركيز سيادة وطننا واستقلاليته لتكون لقيم العدالة حظوظ الترسيخ واليسار في تونس له دور أساسي في هذا وعليه أن لا ينعزل ويتجاوز الخلافات الصغيرة التي أضرت به وعلينا أن نعتبر من التجارب ونحترم بعضنا واختلافاتنا .

هل تطور اليسار التونسي؟

حتى وإن لم يرد أن يتطور هو لا يستطيع فالطبيعة تأبى التكلس. من لا يستطيع التطور يدخل في مزبلة التاريخ وهنا لا أعني الأشخاص وإنما الأفكار والممارسات المتحجرة.

وهناك أجزاء من اليسار لم تكن تؤمن بالديمقراطية وتعتقد أنها ستعوض سيطرة الآخرين بسيطرتها. والعديد من الأطراف من اليسار والموجودة في البرلمان  كانت تعتبر البرلمان برجوازيا وتعتبر أن حقوق الإنسان مبادئ برجوازية لكنهم قبلوا بالمشاركة في البرلمان.

ما موقفكم من الجدل الحاصل بشأن قضية إعادة كتابة تاريخ تونس المعاصر؟

التونسيون كلفوا هيئة اعتبروا أنّ  مهمتها الأساسية أن تصالح الناس مع أنفسهم ومع تاريخهم وترتق الشرخ الذي وُجد. ومسؤوليتها خطيرة أكثر لأننا سنحاسبها على المهمة التي أوكلناها لها كمجموعة وهل قامت بهذا الدور أم لا. وإن فشلت وساهمت في تقسيم التونسيين أكثر سواء أرادت أولم ترد ستُفشل الانتقال الديمقراطي.

ونحن في كلية الآداب نظمنا ندوة بخصوص الذاكرة الوطنية والعدالة الانتقالية حضرها خبراء من بولونيا من معهد الذاكرة الوطنية ومن المغرب ومن فرنسا ومن تونس.

ونحن مع العدالة الانتقالية كجهاز ضروري لتجاوز المرحلة من أجل تصالح  التونسيين مع بعضهم ونحن لا نريد معلومات يتم توظيفها وما شعرنا به أنّ هناك معلومات مخبأة واذ بها تخرج للمؤرخين ليكتبوها دون تدقيق.

نحن دائما مع كتابة التاريخ ولا نرفض المعطيات الجديدة لكن نخضعها إلى التمحيص والنقد سواء كانت مكتوبة أو شفوية وغايتنا أن نراجع هذه المعطيات وننقدها ونقرأ التاريخ من جديد لا أن نسقط دولة الاستقلال او نشكك في ماضينا.

وفي جلسات الاستماع العلنية جانب خطير لأنها تُبث على التلفزة الوطنية وبالتالي مسؤولية هيئة الحقيقة والكرامة تصبح مضاعفة.

نحن مع فكرة العدالة الانتقالية لكن ضد كل سلوك يساهم في تفريق التونسيين. ودوري كمؤرخ أن أحافظ على الذاكرة الوطنية وبالتالي الشهادات سواء منها المدونة والشفاهية يجب أن تخضع إلى معالجة لذلك قلما تجد مؤرخين على البلاتوهات لأننا نخاف من الوقوع في الخطإ. وكل وثيقة جديدة يجب أن تتم مقارنتها والتثبت منها لأن التاريخ ليس مجرد معلومات وإنما إعادة النظر في التجربة الإنسانية ودورنا أن لا نشيطن أحدا أو نجعل من آخر ملاكا.

هل تمت شيطنة طرف على حساب آخر في جلسات الاستماع العلنية؟

نعم.. من خلال الأسئلة الموجهة.. أنا قمت بتأسيس وحدة التاريخ الشفوي في المعهد العالي لتاريخ الحركة وأغلب الأحاديث التي قدمت معروفة وهي شهادات موجودة في المعهد ومن بينها شهادة حمادي غرس.

وأنا أنتقد طريقة وضع الشخص أمام المصدح إذ أن هناك تقنيات ومناهج في تدوين الشهادات وإن خالفت مناهج العلم فإنك تدخل في خانة التوظيف.

ونحن مع كتابة التاريخ ومع تجديد كتابة التاريخ لا إعادة كتابته. لكنني ضد التوظيف السياسي وهذا ليس خاصا بتونس فالذاكرة تم توظيفها في عديد الدول ولا نريد أن نقع في نفس الأخطاء.

الكلمات المفاتيح: 

  • الحبيب القزدغلي، كلية الآداب والقنون والإنسانيات بمنوبة، وزير التعليم العالي، أحمد ابراهميم، سليم خلبوس