الصِّراعُ القَطَريّ - السُّعودي : كُلّما اقتَرَبَ المشروعُ الصّهيو-أمريكي مِنْ هَدَفٍ استراتيجيّ أغْرَقَ المنطِقةَ بِتفاصيلِ صِراعٍ تكتيكيّ

01 جويلية 2017
12
بقلم : هادي دانيال

مُنْذُ أنْ الْتَقى "عبدُ العزيز آل سعود" الأرْمَد "فرانكلين روزفلت" المُقْعَد في 14/02/1945 على طرّاد يو أس أس كوينسي واتفقا على أنْ يُقَدِّمَ الأوّل للولاياتِ المُتَّحِدَة الأمريكيّة النَّفْطَ بأسعارٍ رَمْزيّة مُقابلَ أنْ يُقَدِّمَ الرئيس الأمريكيّ للعرش السعودي الحماية العسكريّة المُطْلَقة وَيَضمَن لهُ القيادة الإقليميّة لمنطقةِ الخليج ، وهذا الاتفاق لا يزالُ سارياً بينَ كُلِّ عاهلٍ سُعُوديّ وكُلَّ رئيسٍ أمريكيّ ، فَعلى الرُّغْمِ مِن أنَّ مدّةَ هذا الاتّفاق كانت ستّينَ عاماً إلّا أنَّ "جورج دبليو بوش" مَدَّدَهُ سنة 2005ستّينَ عاماً أخرى.

وَلكنْ تنفيذَ هذه الاتفاقيّة كَشَفَ عَمليّاً عَنْ أنّ الحمايةَ الأمريكيّة للعرشِ السعودي تُمَكِّنُ واشنطُن مِن خَلْعِ أيّ ملكٍ تَرى أنّ استمراره لم يَعُدْ يخدم مَصالِحَها ، فَتَقُومُ بإنزالِهِ عن العرش وإحْلال آخَر مِن آلِ سْعُود أيضاً مَحلّه، وذلكَ منذ أنْ خلعَتْ بالقُوَّة الملكَ "سعود بن عبد العزيز" ونَفَتْهُ إلى اليونان حيث ماتَ في أثينا سنة 1969، ففي أوائل نوفمبر1964حسمت طائرتان عسكريتان أمريكيّتان بالتحليق فوق القصر الصراعَ داخلَهُ بطَرْدِ سُعُود وأجْلَسَتْ على العَرْشِ عوضاً عنْه أخاه الملك "فيصل بن عبد العزيز " الذي ضَلَّلَ المُضَلِّلُونَ (وَمِنْهُم الشاعر بَدَوي الجَّبَل) الأجيالَ بِتَصْوير "فيصل" هذا مَلِكاً صالِحاً يُسْتَثْنى بينَ المُلُوك الذينَ يُفْسِدُونَ القُرى وَأمّهاتها.

وَمُنْذُ أنْ تَعَهَّدَ "عبد العزيز " مُؤسِّس مملكة آل سعود للسِير "برسي كوكس" مندوب "بريطانيا العُظمى" بأنّهُ "لا مانعَ "لديه مِن أن يُعْطِي فلسطين للمساكين اليهود أو غيرهم كما تراه بريطانيا التي لا يخرج عن رأيها حتى تصيح الساعة " حسب وثيقة مكتوبة بيده القذرة ، وكأنَّ فلسطين بَعيرٌ في قطيعِهِ !، مُنْذُ "صكِّ "التّنازُلِ " السُّعُوديّ ذاكَ عن فلسطين  ، والمَوْقِف السّعوديّ مِن المَسألةِ الفلسطينيّةِ مِن سَيِّئٍ إلى أسوأ ، فلم تنقطِعْ العلاقات بينَ الكيانين السعوديّ والإسرائيلي اللذين أقامَهما الغَرْب في فترةٍ زمنيّة مُتقاربة  ، إلا أنّ الطرف السعودي كانَ يُصرُّ على سريّتها نَظَراُ لوجود مكّة المكرّمة والمدينة داخل المملكة وفيهما ثاني القبلتين وأول وثاني الحرَمَيْن ، وبالتالي كان يُمكِنُ لإعلانِ العلاقات أنْ يَجلبَ على عَرْش آل سعود أخْطاراً كانت مُحْتَمَلَة أقلّها المُطالبة بِرَفْعِ يدِ سلطتهم عَن كُلِّ ما يتعلّق بالأماكن المُقدّسة التي يحجّ إليها ملايينُ المسلمين سنويّاً  ويَعتمرونَ على مَدار العام ، ولهذا السبب كانَ لكتاب المؤرِّخ والمناضل السعودي "ناصر السعيد" الذي يُؤرِّخ لسلالةِ آل سعود ويُؤكِّد بالوثائق والصُّوَر مُحَقِّقاً وَمُدَقِّقاً ليسَ فقط علاقات آل سعود بالحركةِ الصهيونيّة بل وكذلك الأصْل اليهودي لهذه العائلة "المَلَكيّة" ، فقامَتْ المُخابراتُ السعوديّةُ باختطافهِ مِن أمام مَقَرِّ صحيفة "السفير" اللبنانيّة في بيروت ، لِتُلقي بهِ إلى صحراءِ الرّبْعِ الخالي مِن على مَتْنِ طائرة سعوديّة، وَجَمَعَتْ ما أمكَنَها مِن نُسَخِ هذا الكتاب من المكتبات وَمعارض الكُتُب عَبْرَ العالم .

وكانت تل أبيب تستجيب لرغبة بقاء علاقاتها مع السعوديّة طيّ الكتمان الشديد لدرجة أنّه عندما ضلَّتْ سفينة صواريخ إسرائيلية طريقَهَا وعبَرَتْ مضيقَ تيران صوْبَ شواطئِ مملكةِ آل سعود سنة 1981  بسبب عُطْل فنِّي ، وتمّ القيامُ بما سُمِّيَ عملية " أولندي ماعوف " لإنقاذِ السفينةِ والطاقمِ بالتعاون بين القوات الخاصّة الإسرائيلية والقوّات الخاصّة السعودية واستمرت عملية الإنقاذ 62 ساعة. وبقيَتْ العملية سريّة حتى كشفتْ عنها صحيفة "هآرتس" العبريّة  يَوْمَ 16 أفريل 2016. وَيَبْدو أنَّ قرارَ رَفْع السريّة جاءَ في سياق سيناريوهات صهيو – أمريكيّة لإقامةِ الشرْقِ الأوسط الكبير لا يقتصرُ فيها الدورُ الخليجيّ والسعودي –الإماراتي- القَطَرِيّ خاصّة ، على تمويل الحروبِ الإرهابيّة على ليبيا وسوريا والعراق واليمن ومصر (وقبل ذلكَ أفغانستان وشمال القوقاز) ، بل لها دَوْرٌ لا يقلّ خطورة هُوَ التّخلّي نهائياً عن ما يُسَمّى "مُبادَرةِ الملك عبدالله بن عبد العزيز" أو "المُبادَرَة العربيّة للسلام" التي يُمكِن تلخيصُها بانسحاب "إسرائيل" مِن الأراضي العربيّة المحتلّة سنة 1967وإقامة "الدولة الفلسطينيّة وَعاصَمتها القدس الشرقيّة على الأراضي الفلسطينيّة التي احْتُلَّت سنة 1967" وإيجاد حلّ لِعَودَةِ اللاجئين الفلسطينيين مُقابِل الاعتراف العربي ب" دولةِ إسرائيل " والتطبيع ، أيْ إقامة علاقات طبيعيّة معها على مُخْتَلَفِ المستويات وفي جميع المجالاتِ الدبلوماسية والسياسيّة والأمنيّة والاقتِصاديّة والثقافيّة ...إلخ.، إلا أنَّ مِن نتائج مُؤامَرَة الربيع العربي لِتَصفيَةِ القضيّةِ الفلسطينيّة أنَّ السيناريو المُعْتَمَد حاليّاً هُوَ أنْ يَبْدَأ العَرَبُ بالتطبيعِ العَلني مع الكيانِ الصهيوني مُقابل أن تبحثَ "إسرائيل" إمكانيّة "التَّفَضُّل" على الفلسطينيين بِحَلٍّ ما يكونُ حَيّزُهُ الجغرافيّ السياسيّ الأساس "غزّة هاشم" مع إيجاد ترتيبات خاصّة لِمُواطِنيّ الضفَّةِ الغربيّة والشتات، ذلكَ أنَّ "إسرائيل" لا تجدُ ما يمنعها (عَرَبيّاً) مِن الاحتِفاظ بالضفةِ الغربيّةِ  في صِيغَةٍ ما إلى أن تتمكَّنَ مِن ضَمِّها رسميّاً ونهائيّاً إلى "دَولةِ إسرائيل اليهوديّة" . وآل سُعود الذين تُنْسَبُ إليهم "المبادَرَة العربيّة : الأرض مُقابل السلام" هُم المُكَلَّفُون بأن يكونوا قاطِرَةَ التّطبيع العربي - الإسلامي مع "إسرائيل" أوْ قائدَ قافِلتها مُقابل استمرار حماية عَرشِهِم وقيادَتهم الخليجيّة /الإقليميّة. وأوَّلُ القَطْر في تنفيذِهِم لِهذه المهمّة أنْ تحطَّ طائرةٌ تحملُ شِعارَ الخطوط الجويّة السعوديّة في مطار بن غوريون بتل أبيب ، ثُمّ تدّعي الرياضُ أنَّ الطائرة ليست من أسطولها بل هي استأجَرَتْها مِن شركة "هاي فلاي" البرتغاليّة ، وألغتْ العَقْدَ مع الشركة بعدَ أن حَطَّت طائرتُها في إسرائيل. وأنا أوافِقُ على أنَّها طائرَة مُسْتأجَرَة ، ولكن لهذا الغَرَض بالذات، أنْ تحطّ في مطار بن غوريون حاملةً شعار الخطوط الجويّة السعوديّة ، وَمِنْ ثَمَّ رَصْد رُدُود الفعْل قَبْلَ مُواصَلَة الخُطُوات التالية في هذا الاتجاه ، وهي خطواتٌ يجب أن تكون قريبة زمنيّاً وسريعة وواسِعة. وَ تندرجُ في تنفيذ "الصفقة الأعظم" التي وَعَدَ "دونالد ترامب" بها حين أَعْلَنَ عَزْمَه على "إبرام الصفقة المستحيلة ، لِمصلحة البشريّةِ جَمْعاء"  والتي كما كُنّا تَوَقَّعنا في مقالنا (مَن يخشى "رامب" الذي تَسَرَّبَ إلى البيت الأبيض ...المنشور في "حقائق اون لاين22/11/2016، ولاحقا في كتابنا "صخرة الصّمود السوري والرؤوس الحامية) بأنّهُ "ستُذْعِنُ الرياضُ لمطالبِ ترامب الماليّة والسياسيّة كافّة ، وقد يُكَلِّفُها بِدَوْرٍ وَظيفِيٍّ جديدٍ ، ورُبّما يتعلَّقُ بالصّفقة المُتَعَلِّقَة بالمسألةِ الفلسطينيّة".    

وَواقِعُ الحال أنَّ الاتفاق الأمريكي مع آل سعود (النفط مُقابل الحماية وتغيير الحكام مِن داخل العائلات الحاكمة وفْق ما تقتضيه المصالحُ الأمريكيّةُ أوّلاً) وكذلك المَوقف من المسألة الفلسطينيّة يَنْسَحِبُ على سائر الكيانات الخليجيّة الأخرى التي أقيمَت كياناتها السياسيّة الحديثة لاحِقاً . إلا أنّها كانت أكثرَ انْفتاحاً علنيّاً على الكيان الصهيوني كما هو حال قطَر والإمارات والبحرين ، خاصّة ، حيث أنّ المسؤولين الإسرائيليين على أعلى مستوى ظهروا مع نظرائهم القطريين والإماراتيين علناً في الدّوحة وأبوظبي ، بينما ملك البحرين ووزير خارجيته التقيا "شيمون بيريز" و"تسيبي ليفني" في نيويورك ، بعد أن كان وفدٌ إسرائيلي برئاسة "يوسي بيلين" قد زارَ العاصمة البحرينيّة /المَنامة. هذا ناهيكَ عن التعاون الاقتصاديّ بين هذه الكيانات الخليجيّة والكيانِ الصهيونيّ ،وَعن التنسيق الدقيق والعريق بين جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) والأجهزة الأمنية والاستخباراتيّة الخليجيّة مُجتمِعةً. ولم يَعُدْ خافياً أنَّ قناة "الجزيرة" القطَريّة تمكّنَتْ مِنَ التَّمَوْقُعِ في العراق المُحاصَر مِن أوائل تسعيناتِ القرن الماضي حتى احتلالهِ سنة 2003، لاكتِسابِ "مصداقيّةٍ " عندَ المُشاهدِ العربي تمهيداً للدور غير المِهَني  التضليلي التحريضي الذي يقوم على تشويه الأحداث وفبرَكة الوقائع وتزوير المَشاهد وَضَخّ السُّمّ في الصورة والخبَر الكاذبين ، فكانت قناةَ الفِتنَةِ والحَضِّ على التّقاتُلِ و القَتْلِ والتخريبِ وَالخَرابِ بامتياز ، عَلاوَةً عَلى دَوْرِها التطبيعيِّ مع العدوّ الصهيونيّ مُنْذُ انطِلاقِها ،فإنْ كانتْ قَدْ حَصَرَتْ تَوصيفها للمُقاوَمة بحركةِ "حماس" الإخونجيّة وللعدوان الإسرائيلي المُتواصِل على الشَّعْبِ الفلسطينيّ بالقصْفِ على غزّة وسلطتها الإخوانيّة ،  فَالمَعْروفُ أنَّهُ مِن خلالِ شاشَتِها خاطَبَ القادَةُ الإسرائيليّونَ المُشاهِدَ العَرَبيّ لأوَّلِ مَرَّة مِن وسيلةِ إعلامٍ عربيّة خطاباً مُباشَراً ، بل يُمْكِنُ القَوْلُ إنّه لم يَبْقَ مسؤولٌ إسرائيلي إلا وأجْرَتْ مَعهُ قناةُ "الجزيرة" حواراً ، بينما اسْتُشْهِدَ الرئيسُ الفلسطينيُّ ياسر عرفات بِدُون أن يظهرَ على هذهِ القناة في حوارٍ خاصّ!. وَحتّى وزير الإعلام العراقي "محمد سعيد الصحاف" كانَ قد انتبَهَ إلى دَوْر قناة "الجزيرة" المشبُوه خلالَ غَزْوِ العراق، ووَصَفَها بالقناة الكاذبة التي تُسَوِّقُ للأمريكان ، ولكن "بَعْدَ خَراب البَصْرَة" .

وليسَ انْخِراط الكياناتِ الأعرابيّة الخليجيّة في مُؤامَرة "الرّبيع العربي" ببعيدٍ عَن الذاكِرَةِ الجَّمعيّة حتى تَنساهُ أو تتناساهُ ، فمَنْ نَسيَ الدَّوْرَ القَطَريّ في قَلْبِ نظام الرئيس التونسي (ألم يُصَرِّحْ راشد الغنّوشي بأنّ قناة "الجزيرة" شريكتُهم في "الثورة " ناهيكَ عن انكِشاف دَوْر قَطَر في ظاهرة القنّاصين الأجانب ، فَضْلاً عن تصريحات "الرئيس المؤقَّتْ المُنْصِف المرزوقي " الفَضائحيّة  في التسبيحِ بحَمْدِ قَطَر) ، ناهيكَ عَنْ دَوْرِها في طَرْدِ نظام القذافي مِن "جامِعة الدُّوَل العربيّة" وَمِنَ "مُنظمةِ الأمم المتحدة" بقوَّةِ المال السياسي ،  وَفِي مَدِّ المسلّحين الإرهابيين الإسلاميين في ليبيا بالسلاح عن طريقِ تونس وبمُوافقة حكومة الباجي قائد السبسي واستمرارها في تأجيج الصراع وتسعيره مِن خلال أبشع أنواع التدخُّل في الشأن الليبي لصالح الإرهابيين الإخْوَنجيين ، وَمِنْ ثَمَّ نجاح قوّتها الماليّة في طرْد الحكومة السوريّة مِن "جامعة الدوَلِ العربيّة" وتجنيد الإرهابيين مِن تونس وغيرها وإرسالهم عبْرَ تركيا إلى الأراضي السوريّة ، وَمُواصلة التحريض الإعلامي والسياسي والدبلوماسي بِصَلَفٍ شَرِسٍ ووقاحةٍ داعِرَة ضدَّ الدولة السوريّة ، فَمَوَّلتْ حَمْلَتَها الإرهابيّة لتدمير الدولة السوريّة وإسقاط نظامها الوطني بأكثر مِن عشرة مليار دولار أمريكي. وأطْلَقَتْ العنان للبوق التحريضي التكفيري "يوسف القرضاوي" كي يَنبَحَ حتى بُحَّتْ حُنْجَرَتَهُ على الشعب والجيش والرئيس في سوريا (بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ أبْدَعَ في امْتِداحِ الرئيس بشار الأسد تحديداً بأمْرٍ مِن أولياء نعمتِهِ آل ثاني أيضاً حين كانوا يُؤسِّسُون للتآمُر على الدولة الوطنيّة السوريّة بالتقرُّبِ مِن قائدِها) ،وَ احْتَضَنَتْ الدَّوْحَةُ قادَةَ  "حماس" بَعْدَ أنْ غادَروا دِمَشْق إبّانَ انْكِشاف دَوْرِهِم الخياني الإخواني في المُشارَكة بالقتال ضدّ الجيش العربي السوري إلى جانب الإرهابيين وبالتحريض سياسياً وإعلاميّاً ضدَّ القيادَة السوريّة. وَكانت قَطَر باستِخْدامِ مَزيجٍ مِنَ "العقيدة الوهابيّة" والسلالة التنظيميّة لتنظيم "القاعدة" وَتنظيمات الإخوان المسلمين بأذْرُعِها الدَّعَويّة والسياسيّة وَالعسكريّة ، قَدْ أثارَتْ الشقيقَ السُّعوديَّ الأكبر بافْتِكاكِ دَوْرِهِ التقليديّ في المنطقة خاصّةً عندَما يَتَعَلَّقُ الأمْر بتنفيذِ أجَنْدَة صهيو أمريكيّة بهذه الضخامَة والخُطُورة على مُسْتَقْبَلِ المنطقةِ والعالم. ولكنْ عندَما انْثَلَمَ المنشارُ القَطَريّ الإخوانيّ  التكفيريّ وَهُوَ يُعالِجُ العقْدَةَ السُّوريّةَ الكأداء تَمَّ الاستِغْناءُ عَنْهُ وأُمِرَ بِتَسليمِ ما يُسَمَّى عِندَهُم "الملفّ السّوريّ" إلى الرِّياض التي كانتْ تُحَضِّرُ بإشرافِ المُخابراتِ الأمريكيّة وبالتنسيق مع "الخائن عزّتْ الدّوري" لإطلاقِ "داعش" بديلاً لتنظيم "النّصرة" وأخواتهِ المحسوبين على قَطَر والإخوان وحزب التحرير ، وفي هذا السِّياق كانت تركيا تُسَهِّلُ تدَفُّقَ إرهابيي "داعش" إلى الأراضي السوريّة وَتُنَسِّقُ مَعَهُم خاصّةً في استِهدافهِم القرى والمُدُن السّوريّة ذات الكثافة السكّانيّة مِنَ المُكَوِّنِ الكُرْدِيّ ، لكنّها ، وخاصّة بَعْدَ مُحاوَلَة الانقلاب الفاشلة على أردوغان ، وَقَفَتْ علناً إلى جانب "النّصْرة" والجماعات المُسلّحة الإخوانيّة التكفيريّة.

     إذَنْ نَحْنُ لا ننتظِرُ "المُعارِضَة القَطَريّة" مُنى السليطي "شقيقة وزير الاتصالات والمُواصلات القَطَري جاسم السليطي لِنَعْرِفَ  أنّ " أخاها كان هو “المسؤول في ملفِّ تسليحِ جماعاتٍ إرهابية في مِصر أثناء فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي”، على حد تعبيرها". وأنّ "الديوان الأميري في قطَر (..) هو عِبارة عن إدارةٍ عُليا لكلِّ التنظيمات والإرهابيين الموجودين على أرضِ قطَر"، وأنّ "علاقة قطَر مع إسرائيل واضحة فهي أساسًا متواجدة بقوة داخل قطر وفي مفاصل الدولة ومنها ما هو متخفي .. "، وأنّ: "الديوانَ الأميري مَخْزَنٌ ماليٌّ للتنظيمات الإرهابية"، وأنَّ حاكم قطر الامير تميم “يسير وفق والدِه ووالدته وهما أكبر داعمين لتنظيم القاعدة وشريكان أساسيَّان لإسرائيل وطالبان ".

وأنَّ هذه "المعارِضة القطَرية"  سبَق لها وأنْ "قابلتْ في المُعسكر الذي تم سجْنُها فيه قرابة 150 شخصًا من جنسيات أفريقية مختلفة تتراوحُ أعمارُهم بين 20 إلى 38 عامًا، وهؤلاء جميعهم تُشرف قطَرُ على تدريبهِم مِن أجْلِ زرْعِهم فيما بعد كإرهابيين ومفخَّخِين لتحقيقِ مآرب قطَر الدنيئة".  ولذلكَ أبْرَقْنا يوم 28/05/2017إلى سُلالةِ "عبقرينو" مِنَ المُتَباهِينَ باندِهاشٍ وَتَشَوُفٍ مَعاً أمامَ مَراياهُم الخاصّة بأنَّهُم مازالوا على قَيْدِ الشّهيقِ والزَّفير في حَرْبٍ وجوديّةٍ تستهدُفنا جميعاً : "حَذارِ مِن دَوْرٍ صهيو أمريكي جديد للصلِّ القَطري أخْطَر وَأقذَر مِن الدَّوْر الذي لعبه ضدَّ العراق والدَّوْر الذي أتْقَنَهُ أكثر ضدَّ سوريا ، في تسعينات القرن الماضي والعَقْد الأوَّل مِنَ القرْنِ الحالي!. وانْتَبِهُوا إلى أنّ بَعْضنا بدَأ يرقص مُنتَشياً على رنينِ بَعْضِ أجراس الأفعى القطريّة في شتى الميادين".

صَحيحٌ أنَّ بَعيرَ الرِّياض على حافَّةِ الانْفِجارِ غَيظاً لأنَّ ضفْدَعَ الدَّوْحَة انْتَفَخَ مُحاكاةً لَهُ فَسَلَبَهُ دَوْرَهُ "القياديّ" وَعلا نَقيقُ "الجزيرةِ" على رُغاءِ "العَرَبيّةِ" مَثَلاً ، لكنَّ الحقيقةَ أنَّهما مَعاً ومَعهما الإماراتي خاصّة قد ولغوا جميعاً في الدَّمِ الليبيّ والمصريّ واليمنيّ والسُّوريّ ، فَدَمُنا ليسَ على أيديهم فقط بل على عِظامِهِم وأرواحِهِم أيضاً. وبالتالي فإنّهم جميعاً للإرهابِ ينابيع  ومَجارٍ وروافِد ،  فآلُ سعود أوَّل مَن رعى الفكْرَ الإرهابي وآل ثاني ادَّعُوا بِهِ وَصْلاً وَإنْ أنْزَلوا الفكْرَ الإخوانيّ ضرَّةً عليه وفي سياق الدَّور الاستخباريّ المَوكول إليهم صهيوأمريكيّاً تَوَزَّعَ شُيُوخُ الإماراتِ المُتَّحِدَة الأدوارَ فيما بينهم. نذكُرُ جيّداً أنَّ الرّياضَ هِيَ مَن مَوَّلَ تنظيمَ "القاعدة" حتى قبْلَ أنْ يُطْلَقَ عليها هذا الاسم ، وأنَّ الدّوحة اسْتَضافَتْ مكتباً لِحَركةِ طالبان تحت عيون قاعِدَتيّ العيديد والسيليّة.  

وبالتالي فإنَّ ما ترشقُ بهِ قطَرُ شقيقتيها السعوديّةَ والإمارات مِنْ تُهَمِ دَعْم الإرهاب وَنَشْره صحيحٌ تماماً ، كما هي صحيحةٌ أيضاُ تُهَمُ تمويل الإرهاب وتسليحه وتسويقه التي ترمي  الرياضُ وأبو ظبي بِها شقيقتهما الدَّوحة ، فبينَ عواصمِ الرَّمْلِ الثلاث هذه تمتدّ أضلاعُ مُثَلَّثِ مَدِّ الإرهاب التكفيري بالمرجعيّة الفكريّة الدينيّة والدُّعاة التسويقيين والمال لتأمين السلاحِ  والنساءِ والرِّجال مِن ذواتِ وَذَوِيّ الاستِعداد اعْتِناقاً أو ارْتِزاقاً للانخِراطِ في هذه الحُروب الإرهابيّة التكفيريّة الوحشيّة.

وَعلى الرغم مِن أنَّ "الإمارات العربيّة المتحدة" تَحْظى بِأكبر نسبة مِن الاستثمارات الإيرانيّة في الخارج ، إذ بلغتْ 50مليار دولار ومِن أنّ عددَ المقيمين الإيرانيين يبلغ 10بالمئة مِن سكان الإمارات ، فقد يُسْتَغْرَبُ أنْ تُبادِرَ إيرانُ مَثَلاً تارَةً باسم "الصّحْوَة الإسلاميّة" وتارَةً باسمِ المقاوَمَة مِن أجْلِ القدس برمزيّتِها الدينيّة (لا مِن أجْلِ حُقُوق الشعب الفلسطيني المشروعة في العَوْدَة وحقّ تقرير المَصير وإقامة دَولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القُدس !) إلى الاصطِفافِ وراءَ قَطَر شريكتها في أكبر حقل للغاز في العالم ، حَقل القبّة الشماليّة / أو فارس الجنوبيّ ، وأنْ تَقتسِمَ طَهْرانُ مع الدّوْحَة وَأنقَرَة (شريكتها في التَّطَيُّرِ مِنَ الخَطَر الكوردي) هذا العَطْف العارم على الإخوان المُسلمينَ وَخاصّةً في مِصْرَ وَقِطاع غَزَّة ، على الرُّغْمِ مِنَ الأذى الذي ألحَقَهُ الإخوان المُسلِمُون جميعاً – بما في ذلك "حركة حماس"- وأنقرَة والدَّوحة بالدولة السّوريّة شعْباً وجيشاً وقيادَة ، وَمِنَ المُفارَقات أن يُقاتِلَ المُسَلَّحُون الذين تدعمهم الحكومتان التركيّة والقطريّة على الأراضي السُّوريّة ضدّ مَن تَدعَمُهُم طَهران كحزب الله والجيش العربي السوري. بينما يَلْتِقي أردوغان ورُوحاني (خَصْما واشنطن في الإقليم) لِقاءً حميماً سياسياً واقتصادياً وربما عسكريا على أرضِ الّدوحَةِ ، وَعلى مَقْرَبَةٍ مِن القاعدتين العسكريّتين الأمريكيّتين  "العيديد والسيليّة" اللتين منهما انطَلَقَتْ الطائرات الحربيّة الأمريكيّة لِقَصْفِ كابول وَمِن ثَمَّ العِراق. هُوَ مَشْهَدٌ سورياليّ بلا ريب ، لكنْ رُبّما إيران تُبَرِّرُ سُلوكَها المُلتَبَس  بأنّه يندَرِجُ ضِمْنَ خطّتها  لتجنيبِ المَنطقة ِصِراعاً دينيّاً مَذهبيّاً (شيعيّاً – سنيّاً) تُدَبِّرُ له الدوائر الصهيو-أمريكيّة  لِدَفْعِ دُوَل المنطقة وَشُعُوبها إلى المزيد مِن الحُرُوب الطاحِنة.

إلا أنّني ، مَع وَجاهة التبرير الإيراني الذي أفتَرِضُهُ مِن حسابيَ الخاصّ أي لا يتَّكِئُ إلى مَعلومة ، أُرَجِّحُ أنَّ الصِّراع الخليجيّ قَدَحَت واشنطُن شرارتهُ في جَبَلٍ مِن قَشِّ الصِّراعات والأحقاد البَدَويّة العَشائريّة القَبَلَيّة المُتَراكِمَة التي تحكمُ تفكيرَ وآليّات تفكير شيوخ وأمراء ومُلوك حكّام الخليج كافّة ، والتي مِن خِلالها وَمِن خِلالِ إدراكِهِم بَفَخْر وَرِضا بأنَّهم أدواتٌ تنفيذيّة في المشروع الصهيو أمريكي ، ينظرونَ إلى المَشْهَدِ السياسي المحلّي والإقليمي والدّولي .

ولذلكَ فَهُم يَعُونَ أنَّ الرئيس الأمريكيّ الذي أشْعَلَ هذا الحريق بين آبار النفط والغاز سَيُطْفئهُ ، (لأنَّ ليسَ مِن مصلحةِ أمريكا والكيان الصهيوني أن يبقى التوتّر قائماً ومَفتوحاً على احتمالاتٍ مِنْ نوع وُجُود فُرَص لتوسيع التدخُّل الإيراني وَرُبّما لِتسلُّل رُوسي وصيني وهندي إلخ في مَنْطِقَةٍ كانت ولا تزال منذ أكثر مِن سبعةِ عُقودٍ ولاتزال حكْراً غلى النُّفُوذ الأمريكيّ المُطْلَق ) ولكن بَعْدَ أنْ يكونَ قد أعادَ لحكّامِ الرياض دَورَهم التقليديّ في المنطقة بِثَمَن باهظٍ مَعْلوم وأنْقَذَ حكام الدّوحة مِن خَطَرِ فقدانِهم الحُكْم كي لا نقول الوُجُود مُقابلَ ثَمَنٍ باهِظٍ مَعْلُومٍ أيْضاً ، وعلى كُلِّ حال فقد دَفعَ الملك سلمان وابنُهُ وليُّ عَهْدِهِ محمّد 480مليار دَفْعَةً على الحساب ، بينما قَدَّمَ الأمير تميم 11ملياراً لذاتِ السيّد الأمريكيّ ، وعلى الحسابِ أيضاً.

لكنَّ الأخْطَر مِنْ ذلكَ أن يكونَ إغراق المنطقة في تفاصيل صراعات قَطَر – السعوديّة  المفْتَعَلَة زماناً وَمكاناً في الجانبٍ الأكبر مِنها، لِلتَسَلُّلِ إلى تحقيقِ هَدَفٍ استراتيجيّ مِن أهْدافِ المَشروع الصهيوني ، أعْني فَرْض "حَلّ" للمسألة الفلسطينيّة بعَمليّة " ترامبيّة " (وليسَ قيصريّة ) كانت تحذيرات "البيت الأبيض" الرّخيصة والتي تزعَمُ أنّ الجيش العربي السوري بِصدد ِالتحضير لِضرْبَة كيميائيّة  ، تَخَرُّصاتٍ ترمي في هذا السياق إلى مُحاوَلَةِ إجهاض زَخم إنجازات الجيش العربي السوري وحُلفائه على الأرْض بِضرْباتٍ جَويّة شرسة وفتّاكة، ومَنْح الفرْصة المواتية لجيش العَدوّ الإسرائيلي كي يرمي بثقلهِ وراء جماعات المُرْتَزَقة  وَيفرضُ شريطاً حدوديّاً مُحْتَلا  يُنَصِّبُ عليهِ مِن الخَوَنة الإرهابيين حاكِماً بأمْر الاحتلال الاسرائيلي، وَيَفْرضُ أمراً واقعاً جديداً مِن الرقّة إلى تلّ أبيض يُنَصِّبُ عليهِ كذلك حاكِماً ولكن بأمْر الاحتلال الأمريكي،  وهكذا يُصْبِحُ الهَدَف الاستراتيجي الصهيو- أمريكي بعْدَ رَمْي "المُبادَرَة العربيّة : السلام مُقابل الأرْض" إلى سلّة مُهْمَلات "الربيع العربي" هُوَ التطبيع العربي الشامل مُقابل التفاوُض على الأمْر الواقع الجديد على الأراضي السوريّة  ، وذلكَ يَشفُّ عن رِهانٍ أمريكيٍّ على أنَّ القوّات الرُّوسيّة لن تَحُولَ دُونَ ذلكَ مادامَ العدوانُ لم يستهدفْ القُوّات الروسيّةَ بالذات وَمُسْتَبْعِدَةً بالتالي أن تتصَدّى لها القواتُ الروسيّة أو تردّ على ضرباتها إنْ نَفَّذَتْها واشنطن فِعْلاً ، وَذلكَ بناءً على نتائج "اختباراتها" التي استهدَفَتْ الجيشَ العربيّ السوريَّ مراراً وتكراراً في الأشهر الماضية دُونَ أن تُنَفِّذَ مُوسكو تهديداتها وتحذيراتها "المُتكرّرة" مِن أنَّ ردّها سيكونُ قاسياً في حال "كررتْ" واشنطن اعتداءاتها. فواشنطن ترى أنَّ موسكو لن "تُغامِر" بالذهاب إلى حَرْبٍ عالميّةٍ مِن أجْلِ دِمَشْق.  

وَإن كُنّا على ثِقة مِن أنّ القيادة السياسيّة العسكريّة الروسيّة تُدافِعُ مِنَ الأراضي والأجواءِ والمياه السوريّة عَن شوارع موسكو وبيوتها الآمنة ناهيكَ عن مكانة الاتحاد الروسي على الخريطة الجيوسياسيّة وَعَن سمعتِهِ كحامٍ للقانون والشرعيّة الدوليّين مِن التربُّص العدوانيّ الأمريكيّ الصهيونيّ المُتَواصِلِ بهما ، إلا أننا نأملُ أن لا يبتلع الحليفُ الإيراني الطّعمَ  القطَري وأن يتركه هنيئاً مريئاً لأردوغان ، وأن لا تُضيع إيرانُ وحزبُ الله جهْداً كبيراً أوْ ضئيلاً سياسياً أو إعلاميّاً أو عَسكرياً إلخ ،  بَعيداً عن ساحةِ المعركة الحقيقيّة ضدّ المشروع الصهيوني ومكائد "الشيطان الأكبر" الذي نَصَبَ فخّاً يعتقدُ أنّهُ يتّسع لكُلِّ مَن يتَحدّى إرادةَ الدوائر الصهيو أمريكيّة وَيخرج ولو سنتيمتراً واحِداً عن مَشيئتِها. وَلْتَتَراكَمْ الأسبابُ التي تَجْعَل ثِقَةَ شُعُوبِ مَنْطقتنا والعالم تَتَّسِعُ وَتَتَعَمَّق بأنَّ تنفيذَ إرادةِ إداراتِ الولايات المتحدة الأمريكيّة والانصياعَ لمشيئةِ دوائرِها الصهيونيّة ليسا قَدَرَنا.