عودة إلى أحداث الخميس الأسود: قصّة منظمة نقابية برتبة ضمير نابض للشعب التونسي

26 جانفي 2017
38
بقلم : مروى الدريدي

تعيش تونس هذه الأيّام على وقع المؤتمر الثالث والعشرين للاتحاد العام التونسي للشغل، الذي سيفرز قيادة جديدة، ويتزامن اليوم الأخير لأشغال المؤتمر مع ذكرى "الخميس الأسود" 26 جانفي 1978، الذي بدأ بتنفيذ اضراب عام دعا اليه الاتحاد وانتهى بسقوط الشهداء والجرحى وباعتقالات ومحاكمات لقياديين صلب المنظمة الشغيلة.

وتعود بنا هذه الذكرى إلى فترة مفصلية في تاريخ تونس حيث كان الاتحاد في مواجهة النظام الذي سعى لقمع هذه المنظمة واخماد صوتها.

أسباب دفعت بالاتحاد لاعلان الاضراب العام

تحدث المؤرخ عبد اللطيف الحناشي عن الأسباب التي دفعت بالاتحاد لاعلان الاضراب العام حيث بدأت مع فترة الوزير الاول هادي نويرة حيث عرفت البلاد قرارت ذات طابع اقتصادي واجتماعي منها ما عرف حينها بالانفتاح الاقتصادي وقوانين الاستثمار الاجنبي في 1972 و1974 والتي فتحت أبواب تونس أمام المستثمرين الأجانب وبناء عليه تغيرت كل القوانين والاجراءات ذات الطابع الاقتصادي، مما أدى إلى تعمّق الفوارق الاجتماعية منذ بداية السبعينات حيث برزت طبقة ثرية جدا وطبقة وسطى وطبقة فقيرة جدا، الأمر الذي بالاتحاد إلى لعب دورة وهو حماية منظوريه.

ويضيف عبد اللطيف الحناشي، أن الجانب السياسي كان مساهما بشكل كبير في أن يكون دور الاتحاد فاعلا وانطلق مع توتر العلاقات بين تونس ولييبا الأمر الذي سيكون له تداعيات كبيرة خاصة بعد توقيع ميثاق الوحدة بين الدولتين ثم تراجع تونس على هذا الاتفاق، بالاضافة إلى الصراع حول خلافة بورقيبة على اعتبار أن جلّ قيادات الاتحاد في ذلك الوقت موجودة في الديوان السياسي مثل الحبيب عاشور والصراع حول الخلافة اشتد منذ أن أصبح بورقيبة رئيسا مدى الحياة في مارس 1975 ثم بروز الجماعة الاسلامية وبروز الرابطة التونسية لحقوق الانسان، فكل هذه المؤشرات كانت تدفع في اتجاه مناخ ديمقراطي يطالب بالحريات وبالديمقراطية الاجتماعية.

 وتابع الحناشي بالقول إن النقطة الهامة جدا والتي جعلت الاتحاد يتبوّأ مكانة في البلاد حينها هو أنه عرف منذ أواسط السبعينات عددا كبيرا جدا من المنخرطين وهم أغلبهم ممّن كانوا يدرسون في الجامعة التونسية حيث كانوا طلبة في اليسار ودخلوا عالم الشغل ما أدى إلى تعزيز نقابة التعليم الثانوي كذلك نقابة العتليم العالين وقد بدأ عدد منخرطي الاتحاد في الارتفاع حينها حيث تراوح بين 550 ألف الى 600 ألف منخرط بين سنتي 1975و1978.

وقد أدى ذلك وفقا للحناشي إلى ازعاج النظام خاصة مع تحرك النقابات وانطلاق الاضرابات، وقد تجسّد ذلك في موقف مهم جدا برز وهو عدم قبول نحو 600 من الكوادر الوسطى للاتحاد للميثاق الاجتماعي الذي تم الاعلان عنه في 19 جانفي 1977 وهو ما جعل الكوادر تتحرك، وقد أـخذت هذه الاضرابات تتصاعد شيئا فشيئا وقد طلب حينها الهادي نوزرة من الحبيب عاشور ايقافها لكنه رفض.

وبين أن هناك حدثين هامين فجرا الاوضاع الاول يتمثل في أحداث رمضان بصفاقس في صائفة 1977 والمتمثلة في رفض "النادلين" تقديم الخمور للزبائن ما أدى بالأمن لان يتدخل وقمع هؤلاء العمال وهو ما جعل الاتحاد يقف مع العمال ويساندهم وتعالت الاصوات بالقيام بمظاهرة  كبيرة في صفاقس لكن الاتحاد هدّأ الأوضاع وهذا أعطى مؤشرا على ان الاتحاد لديه دور فاعل ان ذاك.

ثم جاءت اضراب قصر هلال 10 اكتوبر 1977 اضراب احتجاجي ضد تهور وتصرف الادارة كان بساعتين ثم توسع عندها تدخلت قوات الامن وقامت بهجوم عنيف ضد المنخرطين ما أدى إلى تضامن المركزية النقابية مع المحتجين وقد بدأت منذ تلك الفترة عملية شد ما بين الاتحاد والسلطة.

وقبل يوم تقريبا من الإضراب بيومين اجتمعت اللجنة المركزية للحزب الحاكم ونددت بالاتحاد العام التونسي للشغل بل ان بورقيبة في اختتام هذا الاجتماع اتهم الاتحاد بخرقه من قبل الشيوعيين والبعثيين واستنفرت وقتها الشّعب المهنية في كامل البلاد وصارت اعتداءات على مقرات الاتحاد.

وما زاد تأجيج الأوضاع هو تهديد الحبيب عاشوربالاغتيال ما أدى إلى خروج مسيرات تندد بهذا التهديد وشن عديد الإضرابات في العدي الجهات. وقد دفع ذلك القيادة الهيئة الإدارية الموسعة للاتحاد يوم 25 جانفي 1987 والاعلان عن الاضراب العام احتجاجا على الاجراءات القمعية وبتهديد عاشور بالاغتيال.

تعامل النظام بوحشية مع المحتجين 

أقرّ المؤرخ عبد اللطيف الحناشي أن تعامل قوزات الأمن يوم 26 جانفي 1987 مع المحتجين كان وحشيا جدا وتعددت الأطراف التي تدخلت بالعنف وهي الشُعب الدستورية الموجودة في المعامل والمصانع والطرف الثاني الجامعات والشعب الدستورية في الاحياء والمدن.

وقد قام الأمن بعمليات وحشية ضد نقابيين وقام الجيش بقنص المحتجين حتى أن مدير الأمن بن علي آن كان زعيم عمليات القمع وقام بقنص المتظاهرين بطائرة كانت مخصصة لذلك وهذا مؤكد.

وتابع الحناشي بأن يوم 26 جانفي 1987 كان خميسا أسود بالفعل حيث شهد سقوط عديد الشهداء سواء في العاصمة وفي المدن الكبرى والداخلية فضلا عن عدد كبير من الجرحى، كما تمت عمليات اعتقال لمركزية النقابية وكذلك المسؤولين في الاتحادات الجهوية ليقدموا الى المحكمة التي أصدرت أحكاما متفاوتة في حقهم.

حظر متواصل على الارشيف

وحول إن كانت هناك حقائق حول ذلك اليوم لم تكشف بعد، قال الحناشي إن المشكل الأساسي هو أن المؤرخين ليس لديهم الحق الى اليوم للنفاذ إلى الوثائق التي تسمح لهم بكتابة وتوثيق هذه الفترة بشكل دقيق لأن أرشيف الداخلية مغلق الى اليوم أمام الباحثن ووثائق المحكمة  وهو أمر لا يساعد على كتابة تاريخ دقيق لتونس، مضيفا أن بعض الفاعلين في تلك الأحداث لم يقدموا شهاداتهم الى اليوم عن ذلك اليوم.

واعتبر أن اغلاق الأرشيف في وجه الباحثين والمؤرخين لن يساعد على كتابة رؤية جديدة لتاريخ تونس خاصة وأن أحداث "الخميس الاسود" تعتبر مفصلية في تاريخ تونس، لانه أول انفجار شعبي وجاء كرد فعل على سياسة الكبت والاستغلال في تونس المستقلة وهو حدث غير ملامح تونس.

كما عبر الحناشي عن أسفه لعدم التمكن من النفاذ لأرشيف الاتحاد المغلق في وجوه الباحثين والمؤرخية قائلا:" كان من الأفضل الاسئناس بالمؤرخين لأن لديهم القدرة على قراءة الوثائق وتأويلها والبحث فيها".

الاتحاد ضمير الشعب

وصف عبد اللطيف الحناشي الاتحاد بأنه ضمير الشعب لأنه سيعبر بطريقته الخاصة عن هواجس وطموحات الشعب التونسي، فهو يجسّد أغلب الفئات الاجتماعية الموجودة في تونس والتي تشكو من ضيم والظلم، مبينا أن الاتحاد منذ تأسيسة كان خيمة للجميع وبعد تأسيسه ساعد على عقد مؤتمر الاستقلال أو مؤتمر ليلة القدر أول مؤتمر ينادي باستقلال.

وأشار إلى أن الاتحاد هو وطن يجمع كل الناس وكل التيارات السياسية لكن دون الانخراط تحت اليافطة السياسية، معتبرا أن الاختراقات موجودة لكن قوة الاتحاد تكمن في عدم تحزبه فهو يمارس دورة دون يافطة سياسية.

الكلمات المفاتيح: 

  • الخميس الاسود، الاتحاد العام التونسي للشغل، الحبيب عاشور، الحبيب بورقيبة، بن علي