الحنين الى المستقبل (2)

12 سبتمبر 2017
12
بقلم : عبد الحميد الجلاصي

-1-عقد التكتل الديموقراطي من اجل العمل و الحريات يومي 9و 10 سبتمبر الأخيرين مؤتمره الثالث .قاعة الانتظار كانت تغص بضيوف واصدقاء التكتل .نواب مؤسسون ، مناضلون حقوقيون ومدنيون ، شخصيات سياسية من الوان متعددة ، اغلبها  من الطيف المناهض للاستبداد:الحراك ، النهضة ، الجمهوري  .غياب لافت لاحزاب اليسار ، و للاحزاب الجديدة ، و لشخصيات النظام السابق .لم الاحظ بين الحضور سوى السيد كمال مرجان رئيس حزب المبادرة الاكثر جرأة في القيام بنقد ذاتي من المسؤولين القدامى ، رغم ان كثيرين ينصحون بجرأة اكبر .

نساء الحزب وشبابه كانوا يطوفون  مرحبين بالحضور . المناخات تؤكد ان معاني الحماسة و النضالية و التضحية لم تمت .الاجواء تذكر بما شاهدناه في مؤتمر الجمهوري منذ اشهر ، و في مؤتمر النهضة ، وفي مؤتمر الحراك ، وفِي مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل .

حضور النساء والشباب في التنشيط و في القاعة وفِي الشريط الوثائقي الذي يسترجع الماضي ويبشر بالمستقبل ، كل ذلك يؤكد انه بالإمكان توفير فضاءات جاذبة للعمل السياسي، وان العزوف ليس قدرا .

-2-للاحزاب والجماعات بصمتها الخاصة ، كما للأفراد تماما تستخرج من وثائقها وبرامجها ، و ايضا من مسيرتها .

عقد السبعينات من القرن الماضي كان في تونسنا عقد الاحتجاج و التمرد .

الشباب الطلابي كانت له الريادة ، و فضاء الاتحاد العام التونسي للشغل .و الفضاء الرسمي نفسي يشهد حراكا .

التيار الليبرالي يتمرد ، و الاباء المؤسسون للتكل من ضمن المتمردين من داخل الجهاز .في البصمة المؤسسة ،التي ستعطي بعد ذلك حركة الديموقراطيين الاشتراكيين ،ذلك المزيج من الديموقراطية و العدالة الاجتماعية في غير ما تعارض مع هوية البلاد وثقافتها في انفتاحها على العالم .

المحطات الكبرى تؤكد خاصية التمرد :

-في الخطة الانتخابية لسنة 1981 لما يكون الدخول للانتخابات امتحانا لدعاوى الدمقرطة و الانفتاح، وهو امتحان فشل فيه النظام، وكسبت الديموقراطية .

-وفِي 1993-1994لما تهيمن السلطة على كل الفضاءات وتخصخص حتى الاحزاب السياسية لما تنبري ثلة لتغادر الكيان الذي بنته لتحافظ على قيمها ومبادئها .

-و في سنة 2005لما تتجمع النخبة على الحد الأدنى من مطالب النضال الديموقراطي، مع فتح حوارات عميقة حول القضايا الفكرية العويصة .

-و لكن التجسيد الأكبر لخاصية التمرد ، و لثوابت النضالية ، ومضامين الحرية والديموقراطية و العدالة الاجتماعية ، التي هي ايضا المطالَب الاساسية للثورة ، انما كان بعد انتخابات اكتوبر 2011.

التمرد هو كسر للقوالب السائدة  ، و هو حتى كسر للميول الطبيعية للذات .الطبول كانت تقرع لاستمرار الاصطفافات الأيديولوجية .القرار التاريخي للتكتل بالمشاركة في حكومة ائتلافية مع مخالف في المرجعية كان تغليبا للسياسي على الايديولوجي، و كان تغليبا للمشترك على ما يفرق، و لكن دون اغفال لما يفرق ، ودون تنازل عن ضرورة خوض السجال الفكري .

كسبت البلاد ، وكسبت الثورة من هذا الخيار .

-3-انتخابات 2014كانت زلزالا أعاد صياغة المشهد .

ليس من السهل تجاوز الهزائم الانتخابية .و احزاب كثيرة تندثر جراء ذلك .اذ تثار في نفس الوقت كل التباينات السابقة :التحالفات و البرامج والمواقع و المسؤوليات و غيرها .

في التكتل كان النجاح الاول في تأطير كل هذه القضايا في اطار مؤسساتي، ثم في الاقناع بامكانية النهوض ، ثم في الموازنة بين الثوابت وضرورات التحديد، ثم في التوازن بين الارصدة التاريخية واتاحة الفرصة للكفاءات الجديدة .لا شك ان النقاش لم يكن سهلا، و لكني أتوقع انه كان عميقا .وعادة  في هذه المسارات البيداغوجيا لا تقل اهمية عن المضامين .

و مناضلو التكتل و مسؤولوه اهدوا لتجربتنا الديموقراطية الناشئة تجربة في ادارة الحوار و في اعادة البناء عند الازمات .

لعل التكتل بهذا يستعيد موقعه في ساحة تحتاج الى التوازن والى دور تعديلي للمكون اليساري الاجتماعي الوسطي .

-4-التكتليون أعطوا درسا اول في التداول والالتزام بالقوانين من خلال فسح المجال امام قيادة جديدة .لا اظن ان السيد مصطفى بن جعفر سيركن للبطالة .لا أشك ان اخد اباء الدستور سيخلد لتقاعد هاديء ، اذ التجربة تحتاج خبرته وهدوءه ورصانته .

و لكن التكتليين اهدوا تجربتنا درسا أخر .ضمنوا التعدد في الترشحات للامانة العامة من خلال شخصيتين كبيرتين ، ثم من خلال انسحاب احد المرشحين .لعل ذلك كان لحماية المرحلة الجديدة من ظلال الاصطفاف .ان صح هذا فهو دليل اخر على الحكمة ، وحكمة السيد المولدي الرياحي التي خبرها التونسيون .

-5-ربما كان للبعض ملاحظات حول الخطاب الافتتاحي للسيد مصطفى بن جعفر .

شخصيا أتقبله من شخصية كبيرة ساهمت في النضال الثوري، وساهمت من موقع متقدم جدا في بناء دولة الثورة ، وتعاين المخاطر و التحديات التي تهدد المسار ، فتنبه للمنزلقات الممكنة .و سيجد الخطاب سامعين من العقلاء .

-6-تهاني الشخصية للامين العام الجديد الدكتور خليل الزاوية .

البلاد تحتاج الى تنوع وتوازن، و المسألة الاجتماعية تحتاج الى من يرفع شعارها، و الوسط في حاجة الى اعادة بناء .

دعواتي بالتوفيق .

*منذ اشهر عقد الحزب ألجمهوري مؤتمره، فكتبت مقالا بعنوان"الحنين الى المستقبل ".هذا المقال بمثابة الحلقة الثانية منه .

الكلمات المفاتيح: 

  • المشهد السياسي، عبد الحميد الجلاصي،