الارهابيون التونسيون والجرائم الاستعراضية الكبرى: مُقاتلون "تكنوقراط" في مُستنقع ألعاب مُخابراتية عالميّة

27 ديسمبر 2016
12
بقلم : توفيق العياشي

انطلاقا من المتهم الأول باغتيال الزعيم "الجهادي" الافغاني احمد شاه مسعود سنة 2001 ووصولا الى عمليّة الدهس الشنيعة التي استهدفت سوقا وسط العاصمة الألمانيّة برلين يوم 19 ديسمبر 2016، وبين الحدثين جرائم إرهابية عديدة اهتز لها العالم، وقد نُفذت بأيادي ارهابيين تونسيين دونوا اسم بلدهم بحروف من دم في سجل البلدان "المُصدرة" لـ"أشرس" فئة من المقاتلين وفق التوصيف الذي يحلو لعدة وسائل اعلام عالمية أن تُعلق به على العمليات الارهابية الاستعراضية الكبرى التي يُنفذها تونسيون.

حقيقة تورط التونسيين في جرائم إرهابية نوعيّة ذات صبغة استعراضية مؤثرة لا سيما في البلدان الأوروبيّة، طبعا هذا دون الحديث عن العشرات من العمليات التفجيرية اليومية في العراق وليبيا وغيرها من ساحات القتال" يقود مُباشرة الى تلك الأسئلة التي تعود دائما الى الواجهة: لماذا يقع الاختيار على التونسيين لتنفيذ العمليات الارهابيّة الكبرى ذات الرسائل والتأثيرات السياسية المُباشرة، من ضمن أكثر من ثلاثين جنسيّة أخرى يتشكل منها ما يُعرف بتنظيم "داعش" أو غيره من التنظيمات الارهابيّة الأخرى المُتفرعة جلها عن تنظيم "القاعدة" بوصفه التنظيم الأم؟

وهل فعلا التونسيون هم "أشرس" المُقاتلين في صفوف الشبكات الارهابيّة العالميّة كما يُؤكد ذلك الاعلام الأجنبي ويُردده الاعلام المحلي، والأكثر استعدادا للتضحية؟ وهل بمحض الصدفة يتورط جُلهم في العمليات غير التقليديّة ذات الأهداف والتداعيات السياسيّة الكبرى؟

أكثر من سؤال يحوم حول حقيقة الدور الذي يلعبه المُقاتلون التونسيون في صفوف التنظيمات الارهابيّة وهل هم فعلا مُخيرون في تنفيذ عملياتهم أم هم مُجرد عينات يتم انتقائها بعناية من الرُّعاة الحقيقيين للعبة.

  القيادات الوهميّة

الملاحظة الأهم التي يمكن استخلاصها من خلال دراسة هيكليّة أهم التنظيمات الارهابيّة النشطة في الساحة العالميّة اليوم_ وبرغم ما يتردد حول الثقل العددي والنوعي الذي يمثله التونسيون داخل هذه التنظيمات_ هي غياب الأسماء التونسية عن الهياكل القياديّة العليا للتنظيمات لا سيما في مراتب "الإمارات" والقيادات العسكريّة الاقليمية والدوليّة التي بقيت حكرا على الجنسيات المشرقيّة والخليجيّة، وهذا لا يقتصر فقط عن أذرع التنظيمات في مناطق الشرق الأوسط وأوروبا فحسب بل وكذلك في منطقة المغرب العربي وشمال افريقيا التي لم تُسند فيها القيادات العليا للتونسيين بل اقتصرت اساسا على الجزائريين والموريتانيين.

وفي مُقابل ذلك ينحصر وجود الأسماء التونسية أساسا وبكثافة في "الامارات" الفرعيّة وتزعم الخلايا والقيادات الميدانيّة التي تُسير العمل اليومي في المناطق التي تخضع لسطوة التنظيمات الارهابيّة، وهي جلها مناصب تقنيّة تعود بالأمر والنهي الى القيادات العليا رغم انها تُرسخ في الظاهر الفكرة المتداولة حول ان الارهابيين التونسيين هم المسيطرين على قيادة المناطق والمدن المُحتلة من قبل التنظيمات الارهابية، ورُبما هذه الفكرة التي يُراد ترسيخها بشكل مُمنهج ويتم تداولها باستفاضة في التحليلات التي تتناول الملفات الارهابيّة، والأهم انه يتم اعتمادها كُحجة ادانة ضد تونس كلما تصاعدت الانتقادات بشأن الخطر الارهابي التي تُشكله بعض البلدان_ سواء المجاورة جغرافيّا أو المُخترقة لتونس استخباراتيا وسياسيا_ على الامن القومي التونسي.

وقد عُرف المقاتلون التونسيون كذلك وفقا لأهم التقارير التي تدرس التنظيمات الارهابيّة بانضباطهم العالي في تطبيق اوامر وسياسات القيادات العليا، و"كفاءتهم" في العمل، وتميزهم كذلك بسرعة التدرج نحو الاعلى في تقلد المسؤوليات العسكرية والإداريّة داخل التنظيمات، هذا فضلا عن قابليتهم العالية للعمل الانتحاري وعدم مناقشتهم للأوامر العليا.

أسطورة "أشرس المقاتلين" ولعبة التوظيف

ما من شك ان هذه "الخصال" التي يتميز بها الارهابيون التونسيون قد تبدوا مؤثرة في الظاهر وقد تُفسر في قراءة اوليّة سبب اختيارهم لتنفيذ الهجمات الارهابيّة الكبرى، لا سيما داخل اوروبا، ولكن الامر قد لا يتوقف عند هذا المستوى من الفهم وتحديدا اذا ما تعمقنا في تحليل توظيف هذا المعطى اعلاميا من قبل الاعلام الغربي والمشرقي على حد سواء، وان اختلفت الغايات والمنطلقات، والتي تُصب جلها في غاية الربط المُستفز بين عنوان تونس كنموذج دولة قطعت خطوات كبرى في اتجاه الانتقال الى الديمقراطية الذي بات نموذجه مهدد للبلدان الاخرى، وفي الان ذاته تحولها الى دولة "مُصدرة" لأخطر أصناف الارهابيين، وفق " الكلشيهات" الاعلامية المُتداولة.

ولمزيد التعمق في فهم هذا المعنى وجب التأكيد على المعطيات الأساسيّة التالية:

_ غياب المُقاتلين التونسيين في صفوف التنظيمات الارهابية عن المراكز القيادية العليا لهذه التنظيمات يجعلهم ابعد ما يكون عن ادارة الالعاب المخابراتية الكبرى المرتبطة بمصالح البلدان والاقطاب الدوليّة، وحقيقة الدور الذي يُراد لهذه التنظيمات ان تلعبه في سوريا والعراق ولبيا وداخل تونس نفسها...

_ جل مُنفذي العمليات الارهابية الكبرى (محمد بوهلال منفذ حادثة الدهس بمدينة "نيس" وياسين العمري مُنفذ هجوم برلين وغيرهم) لم يتم استقطابهم وتأهيلهم للعمل الارهابي في تونس، بل تم تجنيدهم في الخارج من قبل خلايا نشطة في اوروبا وتتحرك جلها تحت أعلن المُخابرات الغربيّة.

_ التهافت على استغلال تنفيذ التونسيين للعمليات الارهابية الكبرى كورقة ادانة توظفها اغلب المنابر الاعلامية المشرقية منها والغربية ضد تونس يُغذي الشكوك بأن المسألة تتعلق بالرغبة في ضرب النموذج المجتمعي والسياسي التونسي والدفع في اتجاه الاستنتاج بأن "التغيير السياسي" الذي وقع منذ سنة 2011 لم يسفر سوى عن تفريخ اجيال دمويّة من الارهابيين العابرين للقارات، وبالتالي وجب تطويق هذه التجربة وحنقها حتى لا تتمدد شرقا وخليجا.

ولعل الأخطر مما سبق هو قابليّة التونسيين للتسليم اليوم بما يُراد أن يُسوق كحقيقة تقول ان الارهابيين التونسيين هم الذين يقودون اللعبة وهم "الأشرس" وهم الذين ينفذون الهجمات كـ"ذئاب مُتفردة لا ترتبط بغايات سياسية ومخابراتيّة ممنهجة هي التي تسير المشهد برُمته.

المصدر: جريدة آخر خبر

الكلمات المفاتيح: 

  • الإرهابيين، الإرهابيين التونسيين،