الإتحاد العام التونسي للشغل في مرمى الإسلام السياسي والدرس التركي

03 ديسمبر 2016
12
بقلم : محمد صالح عمري

من المعلوم، عالميا ومحليا، اأنّ الحركة الإسلامية والحركة النقابية تقفان على طرفي نقيض لأسباب يطول شرحها ولكنّنا  نجد  تجسيدالها في علاقة حركة النهضة بالإتحاد العام التونسي للشغل على مدى عقود كاملة، وقد ازدادت العلاقة حدّة بعد الثورة حتى بلغت درجة التصادم‘ و كان ذلك مثلا في الهجوم المعروف من قبل رابطات حماية الثورة على مقر الإتحاد يوم 4 ديسمبر 2012.  

والمعلوم أيضا أنّ بعض قياديي حركة النهضة لم يخفوا اعتقادهم بأن الإتحاد قوّة تعطيلوحتى تخريب لمسيرة البلاد بعد الثورة، وقد صرّح السيد جمادي الجبالي نفسه بذلك كما أقرّ به السيد الفرجاني  وغيرهم . وهذا الأمر قار واستراتيجي . فاتّحاد الشغل هدف رماية رئيسي لحركة النهضة والإسلام السياسي التونسي عموما.  ولكنّ المتغير حسب رأيي يكمن في التكتيكات المستعملة والتي تتلخّص في: 

-    التمكين بهدف السيطرة والتفكيك، وذلك باستغلال طبيعة العمل النقابي وانفتاحه والدخول في الإتحاد ومحاولة افتكاك مواقع قيادية أو استمالة بعض القياديين من خارج الحركة.

-    الإضعاف من اجل السيطرة والتهميش وذلك بخلق نقابات موازية مثلا.

-     الإرباك من أجل الإضعاف والتفكيك وذلك بخلق صراعات جانبية أو مواقف محرجة للإتحاد. 

-    التشويه بغاية المس من مصداقية المنظمة وذلك بتحويل وجهة التحركات أو بواسطة حملات إعلامية أو اجتماعية في نفس الغرض..(ولعل ما شاب تحرّكات نقابات التعليم وآخرها إعتصام 30 نوفمبر مثال على ذلك)

-    المس من مصداقية الإتحادةبضرب الاتفاقات أو التراجع عنها وبالتالي التشكيك في قدرة الاتحاد على حماية الأجراء مما قد يدفعم إلى التخلي عنه. 

وليس من الصعب للمتابع للشأن النقابي والسياسي في تونس منذ الثورة التدليل على هذه التكتيكات الأربعة  وعلى تزامُنها حينا وتواتُرها وتناوُبها أحيانا أخرى، وذلك رغم محاولات التخفي والتعمية والخطاب العلني المساند والموالي للإتحاد ، حسب مقتضيات المرحلة وحسب موقع الإتحاد من موازين القوى داخل البلاد وحتى خارجها.  

هذا على المستوى العملي والحركي الذي انتهجه الإسلام السياسي تجاه المنظمة الشغّيلة. أما على المستوى الأعمق أو التأسيسي فلا يخفى أنّ البرامج الاقتصادية والإجتماعية لحركة النهضة  تنبني على اقتصاد السوق، بما في ذلك الإقتصاد الإسلامي في البنوك والسياحة وغيرها، مع إيكال أمر الطبقات السفلى إلى العمل الخيري والإتاوات الشرعية مثل الزكاة ومفاهيم التضامن والرحمة والتطوع  وغيرها. ولعل مصير النقابات في تركيا التي تُعتبر المثال الأعلى لحركة النهضة وما شابهها في المغرب والجزائر مثلا، خير دليل على ذلك، كما سنبيّن في موضعه من هذا المقال. 

وعلاوة على ذلك فإنّحركة النهضة ، وبعد أن تَقدّم الفرز السياسي وبعد أن تبيّن لها الحجم الحقيقي لخصومها السياسيين ومعارضي سياساتها، أصبحت تدرك جيدا أنّ الإتحاد يبقى الهيكل الأكثر تأثيرا والأصعب مِراسا والقادر، نظريا، على تعطيل مسار سيطرة الحركة على البلاد في صورة ما إذا تمكّنت من الحصول على أغلبية برلمانية أو الإمساك بهرم السلطة التنفيذيةفي المستقبل. ولعل أحد أسباب ذلك أنّ الاتحاد لا يزال ملجأً للمنتمين حزبيا وخاصة للأغلبية الغير منتمية، بما في ذلك – ورئيسيا - في الوسط اليساري الذي لم يستطع بعدُ جمع مناصريه والمتعاطفين مع فكره في هيكل سياسي موَحّد،. ولذلك فحركة النهضة تشتغل على مسارين متزامنيْن:

1. تجنيد كل الإمكانيات والعلاقات الخارجية والداخلية المُتاحة لها، خاصة مع قطر والسعودية وتركيا ،  وهي جميعا معادية للعمل النقابي بل نافية له أصلا، من أجل تحريك الإقتصاد وتقليص البطالة اعتقادا منها أنّ ذلك يؤدي إلى تقليص الإحتجاجات والحراك الإجتماعي ويجفّف منابع فعل النقابات وجاذبيّتها لدى عموم الناس، وخاصة الطبقات السفلى.. ويقع ذلك كلّه طبعا  في إطار ليبرالي جديد وفتح تونس أكثر لأسواق المال الخليجية. ويتوازى هذا المسار مع  قضم نفوذ أقرب الخصوم السياسيين، مثل نداء تونس أو احتوائهم داخل الحركة. 

2. أما المسار الثاني فهو تحجيم اتحاد الشغل قدر الإمكان بغاية الإجهاز عليه في النهاية. وهذا الموقف لا يختلف طبعا مع سياسة الحكومات التونسية منذ بروز الخلافات الاولى بينها وبين الإتحاد بُعيْد الاستقلال. ولكنه يقع في سياق سياسي واجتماعي وحتى ثقافي مختلف وأكثر تعقيدا من سابقه.   

أما تزامن المسارين فلا يعني إيلاءهما نفس الأهمية والموارد. فالأولوية الآن للمسار الأوّل بشقّيْه الإقتصادي والسياسي باعتباره قادرا على خلق أرضية تساعد على التقدّم في المسار الثاني.ونحن هنا بصدد تطبيق كلاسيكي لنظرية التمكين التي تحكم الإسلام السياسي عموما.

وهنا يحضر المثال التركي، في التدرّج نحو إضعاف النقابات واعتماد سلّم أولويات بدأ بالوحدة الوطنية وإنعاش الإقتصاد الأخضر أو الإسلامي وخلق ثقافة التضامن "الإسلامي" بين العامل وصاحب العمل بإنشاء مساجد في أماكن العمل والصلاة المشتركة وغيره. وهنا تجدر الإشارة إلى بعض الإحصائيات الدالّة والتي تدعو إلى وقفة تأمّل واتّعاظ وعمل. 

فقد تقهقرت العُضوية في النقابات التركيةإجمالا من %57 سنة 2003 إلى %9.8  سنة 2014  أي من ما يقارب 12 مليون منخرطإلى مليون فقط. كما يبيّن ذلك الباحثان محمت شتغولك و انغن ديليرم  في دراسات موثّقة ومنشورة. وقد شكّل تراجع النقابات إلى جانب خوصصة الإقتصاد العمومي الجوانب المظلمة في "المعجزة التركية". وهو ما جعل البعض يقرّ بأنّ قمع النقابات في عصر أردوغان تجاوز ماكانعليه في عهد الإستبداد العسكري في التسعينات. هذا المسار انتهى بعلاقة عدوانية وصلت إلى حدود العنف المادي ضد العمالمن قبل مؤسسة أصحاب العمل الإسلامية  "موشياد"، والتصدي العنيف للمطالبة بمحاسبة من تسبّب في مقتل 300 عامل في منجم تركي يوم 13 ماي 2013 كان تيجة خوصصةتمّت سنة 2005. فثمن المثال التركي لمصالحة الإسلام السياسي "المعتدل" وال"حديث" مع إقتصاد السوق كان عل حساب العمال ومن يمثّلهم من أحزاب ونقابات، وقع تفكيكها جميعا وإضعافها. وقد ساهم كلّ ذلك في خلق فراغ بدائل جعل أردوغان يمرّ من الإستبداد الإقتصادي إلى الإستبداد السياسي الذي نشهده اليوم في تركيا.   

وبالعودة إلى تونس ومن منظور تاريخي،  لم يكن الإتحاد،كما الثقافة الإحتجاجية التي مثّلها ربّما ثوريا بالقدرالذي يجعلهيوفّر القيادة الضرورية لتحويل انتفاضة 2011 الى ثورة عمّالية. وفي المقابل، لعب الإتحاد، كقوةمهيكِلةدورا بنّاءً في هيكلة الإنتقال إلى مرحلة سياسية قد نشهد خلالها تحجيما لدور الإتحاد نفسه. والتحدي الذي يواجهه الإتحاد اليوم يتمثّل في المحافظة علي استقلاليتهوجاذبيته كملجئ ثابت وضروري في صورة ما إذا انتصرت قوى الليبرالية الجديدة أو الحركة الاسلامية أو تحالف بين الإثنين، كما هو الشأن في اللحظة الراهنة. أو في صورة ما إذا سلك التعدّد النقابي مسلك المجال السياسي المتشظى، وأصبح العمل النقابى مرتبطا عضويا بالأحزاب السياسية.

والواقع أن طبيعة العمل النقابي عموما تساعد على هكذا مصير خاصة في تونس حيث لا توجد عمليّا إلى حدّ الآن نقابات حزبية أو فِئوية مثلما هو الحال في عديد البلدان الأخرى، وهي نقطة التفرّد والقوة الأساسية للإتحاد العام التونسي للشغل، إلى جانب مصداقيته ورصيده التاريخي طبعا. فالجميع مجبَر على العمل داخله حتى إذا كان يضمر به شرّا.فبالنسبة للإسلام السياسي كان الإتّحاد شرّا لابدّمنه والآن أصبح مجال صراع وتمكّن، لا من أجل تقوِيَته بل بغاية إزاحته من طريق حركة ما فتئ طموحها يزداد ويتوسع. ولها في تركيا الأردوغانية قدوة وسند.

* أكاديمي بجامعة أكسفورد