الأجنحة المتكسّرة: بوجناح والتطبيع وحرية الإبداع

07 جويلية 2017
12
بقلم : محمد صالح العمري

طغى الجدل حول مقاطعة حفل ميشال بوجناح من عدمها على الساحة التونسية وكاد يطمس قضايا أكثر إلحاحا وتأثيرا على حياة التونسيين. والواقع أنّ مسألة التطبيع لاتزال تستحوذ على اهتمام التونسيين وتُثير خلافاتهم وحمِيّاتهم وهو أمر صِحّي حسب رأيي ودليل على يقظة ووعي مترسّخ لدى التونسيين بعدالة القضية الفلسطينية وبضرورة مناصرتها مهما كانت الظروف التي تمر بها البلاد.

وقد خلقت المواقف المختلفة من الحفل والتشنّج الناتج عنها حراكا طال مختلف مستويات المجتمع المدني والرسمي من المفيد  التوقّف عنده بالتأمّل والنقد.

فقد حصر البعض المقاطعة لإسرائيل في المقاطعة الإقتصادية بتعلاّت مختلفة، منها حرية الإبداع وعدم جدوى المقاطعات الثقافية والفكرية، في حين دعا البعض إلى تكريم بوجناح على حبّه لتونس. وهو تفكير غير سليم برأيي وغير مواكب للحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل. فالمقاطعة الثقافية والأكاديمية لإسرائيل تعتبر أحد أهم وأوسع أشكال المقاومة على المستوى العالمي.

وقد برهنت هذه المقاطعة على جدّية وفعالية استهدفت أهم الفاعلين الثقافيين في العالم، إلى جانب الجامعات طبعا، وخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، ومنهم جوديث بتلر وكن لوش ونعومي كلاين وأنجيلا ديفيس... وهي مبدأ ثابت تبنّاه مشاهير الفنانين والعلماء والكتّاب. مقاطعة بوجناح تندرج في هذا الإطار ولذلك دعوْت شخصيا إليها، مثل الآلاف غيري. فبوجناح اختار الوقوف إلى جانب إسرائيل ولابد من التصدي له على هذا الأساس وعدم الرضوخ إلى الخطاب التهديدي والتشويهي الذي يربط بين المقاطعة ومعاداة السامية من ناحية، وبين المقاطعة ومعاداة حرية الإبداع من ناحية أخرى. هذه بالذات أساليب اللوبي الصهيوني والتي واكبتُها مدّة تزيد على عشر سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية أهمّ معاقله. أما التعلّل بحرّية الإبداع  لخنق الإحتجاج والتشهير فهي أيضا أساليبهم المفضّلة.

ولكن هناك خلط لدى العديد بين الدعوة إلى المقاطعة والدعوة إلى الإلغاء. أنا مع الدعوة إلى المقاطعة بهدف الإحراج والضغط والفضح وتوعية الناس وتدعيم حراك المقاطعة السلمية الشاملة.  وأفضّل، مثلا، أن يقف بوجناح على ركح خال من الجمهور أو  أن تتحوّل سهرته إلى مظاهرة لنصرة فلسطين، كما يقع عادة في مثل هذه المواقف. أخيّر هذا على الإلغاء بقرار سياسي يسعى إلى تحاشي الحرج وردم الإحتجاح وإغلاق باب الحوار. أما اذا أدّت المقاطعة إلى الإلغاء فهذا نصر للمقاطعة... كما انتصرت في معارك أخرى قبلها في الإقتصاد والثقافة والجامعات. 

آخر التطورات في موضوع بوجناح نشر نداء بالعربية والفرنسية يحمل إمضاء مجموعة مهمّة من الجامعيين والمثقّفين المعروفين بنشاطهم المدني والسياسي.  حيّرني هذا النداء والذي تبنّته أسماء ذات وزن ومصداقية والعديد منهم أصدقائي وزملائي. وبعيدا عن الاتهامات بالصّهينة والتطبيع التي تُلقى جزافا ودون تروّ، وبعيدا عن التشنّج أيضا،  أثير بعض التساؤلات: أوّلا ما هو موقف الممضين على البيان من المقاطعة العالمية الثقافية والأكاديمية لإسرائيل ومناصري الصهيونية عموما؟ ولماذا لا يذكرون هذا الموقف صراحة في البيان؟ ثانيا لماذا تحرّكوا ضد موقف الإتحاد بالذات والحال أنّ الإتحاد عبّر عن موقفه لا غير ولم يُجبر أحدا على الإلغاء؟ ولماذا حصروا المعارضة للحدث في طلب الإلغاء والحال أنها أشمل من ذلك؟  ثالثا لماذا يربطون بين مقاطعة العرض والإساءة لصورة تونس؟ صورة تونس هي أيضا تونس المعارِضة للصهيونية والاستعمار بأنواعه.

صورة تونس هي أيضا صورة بلد قام بثورة ألهمت  العدييد ومن جُملتهم مناهضي الصهيونية. رابعا لماذا يصفون دعاة المقاطعة بالتشنّج والفهم الساذج للقضايا والحال أنّ عديد الردود رصينة وعميقة ، بل متجذّرة في تفكيك آليات الدعاية الإسرائيلية وفي الفرز بين اليهود والصهاينة.

لماذا أحسّ الممضون على البيان ومن يشاطرهم رأيهم أنّ عليهم أخذ موقف علني بدعم العرض ؟ يبدو أنّ أحد الأسباب المعلنة هو الدفاع عن حرية الإبداع والتي هي غير مهدّدة أصلا  في هذه الحالة. هل يعود ذلك إلى الخوف المشروع من سهولة تسرّب الفكر العنصري المعادي لليهود كيهود إلى هكذا حركة وتوجيهها نحو مصالحه الهدّامة؟ هل كان ذلك بحكم العلاقة الوطيدة بين بعض هؤلاء والشأن الفرنسي تحديدا؟ هل هناك عُصاب اسمه الاتحاد لدى شرائح من المثقفين كما هو الحال لدى بعض الأحزاب السياسية؟ فعلاقة المثقّف وخاصة الجامعي بالنقابات ملتبسة ومتقلّبة لأسباب عديدة أحدها الموقع الاجتماعي للجامعي والفنان في علاقة بالسلطة وبالمجتمع، وثانيها ارتباط الاتحاد والعمل النقابي عموما - في ذهن شرائح من النخبة السياسية والاجتماعية - بالطبقات السفلى أو الفئات التي يعتبرونها أقل اندماجا من غيرها في "الحداثة". 

قد تكون الدوافع بعض ما ذكرت أو كلّه. المهم أنّ هناك مخاوف لدى مثقفين وسياسيين تقدميين وعلى الاتحاد أنْ لا يتجاهلها وعلى المثقّفين أنْ ينظروا إليها بعين النقد. فحفل بوجناح قد يقع وقد لا يقع، وهو عرض مبرمج في فضاء متحف قرطاج  الذي يتسع لبعض المئات فقط من المتفرجين،  ثم يمرّ التونسيون إلى غيره من صراعاتهم واختلافاتهم. وسوف يسجل التاريخ مختلف المواقف.  ولكنّ هذا الخلاف العلني والمفتوح لن يصيب بوجناح بكبير ضرر، فله إسرائيل وفرنسا تحميه، بقدر ما يعمّق الفجوة بين بعض المثقّفين التقدميين والاتحاد وفِي ذلك ضرر للفريقين معا. وفيه نوع من النجاح لأعدائهم المشتركين، بما في ذلك العنصريِّين المحليِّين والصهاينة عبر العالم. وبه قد يتمكن أبو جناح من كسر الأجنحة المشتركة لدعاة الحق والحرية.

* محمد صالح العمري: أكاديمي تونسي يدرس بجامعة أكسفورد

الكلمات المفاتيح: 

  • ميشال بوجناح، محمد صالح العمري، التطبيع، القضية الفلسطينية