إنّهم ”يغلّطونك“ سيدي الرئيس !

05 أكتوبر 2017
12
بقلم : أمل مكي

إنّ التاريخ متاح لكلّ من يريد قراءته والتفكّر فيه. لكنّه في تونس، كمادّة التاريخ في المناهج الدراسية، جعل ليحفظه التلاميذ والطّلبة أيّاما معدودات حتّى إذا حلّ يوم الامتحان وأعادوا ما لقيصر لقيصر نسوا كلّ ما قرؤوه وحفظوه.

ما حدث في تونس خلال السنوات الأخيرة، يثبت بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ سياسيّينا الأفاضل ومسؤولينا الجهابذة لا يقرؤون التاريخ بل ولا يكلّفون أنفسهم عناء الوقوف عنده فما بالك بحفظه في نفوسهم وضمائرهم واستقاء العبرة منه.

لا أريد سيدي الرّئيس أن أسبّب لك وجع الرّأس بمقالة طويلة وأنت أبقاك الله، لك من المهامّ ما لك وعليك من المسؤوليّات الجسام ما عليك.

سأختار ان أتحدّث فقط عمّا حدث في زيارتك الأخيرة إلى ولاية سوسة. سأقول لك سيدي الرئيس إنّهم ”يغلّطونك“ كما ”غلّطوا“ من قبلك رئيسا ظلّ لـ23 سنة يستقي معلوماته عن البلد التي ”يحكمها“ ممّا تبلّغه له حاشيته ويصفه له المقرّبون منه ومن لفّ لفّهم. إنّهم ”يغلّطونك“ سيدي الرئيس عندما ينظّفون الشوارع لاستقبالك، ويخرجون التلاميذ من مدارسهم دون علم أوليائهم للتهليل لزيارتك والهتاف باسمك.

إنّهم ”يغلّطونك“ عندما يخبرونك أنك القائد ”حامينا“ داعين الله أن ”لا ينحّيك علينا“. لقد فعلوا هذا مع من كان قبلك... ولم يحل ذلك دون أن يحمل أمتعته ويغادر البلاد مسرعا إلى منفاه الاختياري. لو دام لبن عليّ من ”غلّطوه“ لما آل كرسيّه يوما إليك. إنّ تونس التي يتطلّع إليها العالم أجمع اليوم بعينين حالمتين بدولة عربية ”استثناء“ في منطقة ترزح تحت وطأة الحروب والنزاعات والفقر، تونس تلك لا يمكنها أن تقبل اليوم باستغلال براءة أطفالها وفرحهم بـ“الهروب من درس الرياضيات أو العربية“ لاستخدامهم جوقة تطبيل وتهليل ولو كان ذلك لرئيس الجمهورية نفسه.

إنّ مكان التلميذ في مدرسته ومعهده، حيث يجب أن يكون مقبلا على تحصيل العلم ونهل المعرفة. إنّ المدرسة التي تليق بتونس ”الاستثناء“ مدرسة تصان فيها كرامة التلميذ وحرمته الجسدية والمعنوية وتقوم على تكافؤ الفرص لا على مبدأ ”من يصفّق أكثر للرئيس ينجح“. إنّهم ”يغلّطونك“ سيدي عندما يحاولون الاجتهاد في ”التملّق ” والتنافس فيه. ففي عهد بن عليّ، وبناء على المنشور سيّئ الذكر المتعلّق بمنع اللباس الطائفي (الحجاب) في المؤسسات التربوية ، حاول مدير إحدى المؤسسات منافسة زملائه في التملّق للسلطة فاجتهد اجتهادا بائسا عوقب عليه من السلطة نفسها! إذ يروى أنّ هذا الشخص، والعهدة على من روى، قام في أحد الأيّام بجمع الفتيات المحجّبات حال دخولهنّ إلى المؤسسة وإرغامهنّ على خلع حجابهنّ أمام بقية التلاميذ، ولم يكتف بهذا القدر بل قام برمي الخمارات جميعا وسط الساحة وأضرم فيها النار.

وكانت عقوبة المدير أن أعيد أستاذا بمؤسسة تربوية أخرى. لقد اجتهد الرجل فأخطأ... وكلّ من يتنافسون على تملّق الحاكم وإرضائه مخطئون في اجتهادهم. إنّ في تونس أمراضا مجتمعية مزمنة، وجب على السلطات إيلاؤها العناية اللازمة ودراستها وإيجاد العلاج المناسب لها.

ولعمري، فإنّ التملّق والتزلّف، والّذي يحلو للتونسيين تسميته بـ“الفارينة“، أخطر هذه الأمراض وأشدّها فتكا. وكما عوقب المدير، ننتظر أن يعاقب المسؤولون عن استغلال الأطفال في زيارتكم الأخيرة العقاب المناسب. ”تونس الاستثناء“ لا يجب أن يكون فيها مجال لشوارع لا تعمل فيها مكانس البلدية إلاّ بمناسبة قدوم مسؤول، أو مسؤولين متملّقين لا يتوانون عن استخدام الأطفال أداة لتزلّفهم، أو مقرّبين يغالطون المسؤول و“يغلّطونه“.

تونس الاستثناء يجب أن تحارب التزلّف كما تحارب الفساد والإرهاب دون هوادة ولا تخاذل. ”تونس الاستثناء“ فسحة أمل في واقع عربي مثخن بالأوجاع فلا تحرمونا هذه الفسحة وتقتلوا فينا الأمل!

 

الكلمات المفاتيح: 

  • ولاية سوسة، المؤسسات التربوية،