25 جانفي 2019 13:56

سطمبالي بلحسن ميهوب.. صليل الأصفاد والسلاسل سبيل إلى الدفء والنيرفانا

يسرى الشيخاوي-
 
مساء بارد يعبق بريح الثلج الذي وشح مناطق الشمال الغربي، كم هو جميل منظر البياض إذ يزين الثرى وكم هي مؤلمة ارتعاشة الفقراء من البرد، هبّت إلى ذهني هذه المفارقة وأنا أحاول أن أثبت قدمي على الارض في مواجهة الريح.
 
ريح صرصر تخترق مسام الجلد وتختلط بالدماء حتى تتخثر ويسري الخدر في كل جسدي فلا اقوى حتى على تحريك أناملي، وأقارع كل الظروف التي تحول دون وصولي إلى قاعة الفن الرابع المواكبة عرض سطمبالي بلحسن ميهوب، أقارع الريح والبرد والوحدة، لتنتفي كل المنغصات مع النغمات الأولى التي انبعثت من القمبري حينما داعبته أنامل بلحسن ميهوب.
 
ولما تعالت قرقعة "الشقاشق"، محاكية صليل الأصفاد والأغلال المعلقة على أجساد العبيد، عمّت حالة من الدفء الوجداني قاعة الفن الرابع، هي صرخات الحرية المتسللة من بين حلقات السلاسل، صرخات حرى دافئة تواجه برود العنصريين والمضطهدين.
 
نغمات القمبري تحاكي دندنة العبيد وغمغماتهم فتتمزق على وقعها سلاسل الاستعباد وتنكسر القيود محدثة صوتا تحاكيه ايقاعات "الشقاشق"، وتعاضدها أصوات العازفين لتروي حكايات الانعتاق والتحرر.
 
وفي قاعة الفن الرابع، انتفى الزمان والمكان وما عاد البرد يجد له موطئ قدم، على وقع الانغام الحادة تعانقت الأكف مصفقة وتمايلت الأجساد يمينا و شمالا وكأنها ترنو إلى  الخلاص من حاجز الواقع، وتماهت حركات الحضور مع حركات الراقص المدروسة.
 
كان الراقص يلوّح بردائه الأزرق يمينا وشمالا ملقيا عن عاتقه كل ما من شأنه ان يعكّر صفوه، وكانت حركاته المرتّبة على وقع أنغام القمبري والشقاشق، خطواته واهتزازات جسده تأخذك إلى عالم يرشح سكينة، عالم يعلن عن ميلاده  بلحسن ميهوب  كلّما داعبت انامله اوتار القمبري، ليدخل في حوار ثنائي مع آلته الموسيقية ويتبعه عازفيْ الشقاشق ، وتنصهر أحاسيس العازفين مع الأصوات التي تحاكي أنين العبيد ورنين الحديد المعلّق عى اجساده.
 
وما اعمق تلك النظرات التي ترتسم عى عيون العازفين وهم يردّدون كلمات اغان تتضمّن كلمات باللهجة التونسية ولكنّك قد لا تفهم بعضها لأنّها موسومة بلهجة افريقية وبعض كلمات غير مفهومة تسمّى "العجمي"، وانت قطعا لن تهتم كثيرا بفهم الكلمات ولكنك في المقابل لا تتوقف عن هز رأسك والتمايل على وقعها.
 
حالة من الدفء الوجداني سرت بين الحضور، وتماهت الألحان مع الكلمات وحركات الأيادي والأرجل وأنفاس الحضور وحلّقت بهم إلى عالم الدفء والنيرفانا حيث لا شيء غير التناسق الروحي، وكلّما صمتت إيقاعات العازفين عوّضتها ايقاعات الأكف محتفية بعرض السطمبالي.
 
وإيقاعات السطمبالي تغريك وتسافر بك عبر الزمن، تنقل إليك صليل الأصفاد ورنين السلاسل وما بينهما من أوجاع الباكين على قارعة الإنسانية، تستحضر صرخات الحرية التي تتجاوز الأجساد المكبّلة  وتنكسر على اعتابها كل القيود، تجعلك تفكّر في تلك الرغبة الإرادة التي صنعت من المعاناة تعبيرة احتجاجية على واقع مرير.
 
وأي طاقة تلك التي تبعثها موسيقى السطمبالي في  النفوس، فترقص على وقعها سائحتين أجنبتين دون ان تفهما كلمات الاغاني، ربّما الأمر شبيه بحالة النيرفانا التي يدخل فيها العبيد وهم يغمغمون بكلمات لا يفهمها " الأسياد".
 
وفي قاعة الفن الرابع رقص الكلّ مع " بوسعدية"  فيما تهاطت قطرات المطر في الخارج، ومن المفارقة ان تكون " ساعة سعيدة" على وقع صرخة الحرية التي أطلقها الزنوج متحدّين ألام الأصفاد وآثارها.
 
*صورة لعصام برهومي