14 جوان 2022 12:21

جمهورية سعيّد الجديدة: حنين لأنظمة بورقيبة وبن علي

 بسام حمدي-

بدا اختلاف رئيس الجمهورية الحالي قيس سعيد عن بقية خصومه وحلفائه الفاعلين في المشهد السياسي، شاسعا ومتناقضا مع برامج اليساريين والاسلاميين والقوميين والليبيراليين الفرنكوفونيين، وهو ما يفسر القطيعة بينه وبينهم، فالأول يحن لنظام رئيس دولة يحكم بصلاحيات أوسع من البرلمان، وآخرون يكفرون بنظام يرونه أداة للقمع والدكتاتورية.

ويبدو أن "قوة الشرعية الانتخابية" لقيس سعيد، أكثر من 3 مليون ناخب، أغرته وفتحت شاهيته لامتلاك أكثر صلاحيات ولتقوية نفوذه مقابل إضعاف نفوذ السلطة التشريعية التي تتركب من أحزاب يعتبرها سعيد أنموذجا وهيكلا سياسيا فاشلا.

وباسقاطه المنظومة الحاكمة التي سيرت الدولة بعد ثورة 2011 وبقراراته الصادرة بتاريخ 25 جويلية 2021، فتح قيس سعيد الباب على مصراعيه للتأسيس للمشروع السياسي والدستوري الذي يتبناه ويراه أكثر جدوى من النظام البرلماني الذي أسس له دستور 2014، وتدرّج في مسار إحياء النظام الرئاسي بدءا بتجميد أول مؤسسة وسلطة يراها عدوا لمشروعه وهو البرلمان وصولا إلى تعليق العمل بالدستور الذي يشرّع للنظام البرلماني المعدل ثم الشروع في صياغة دستور جديد يعيد الصلاحيات الكبرى لرئيس الدولة.

وأثبتت تصريحات رئيس الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة العميد الصادق بلعيد المتعلقة بالملامح العامة للدستور الجديد، هذه الهوّة بين مكونات المشهد السياسي، وبرهنت نوايا رئيس الجمهورية قيس سعيد لإحياء أنظمة الحكم التي اعتمدها رؤساء العقود السابقة كل من الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي من خلال التأسيس لنظام قديم متجدد يشرع للاحتكام إلى النظام الرئاسي الذي احتكمت له تونس منذ عهدي الرئيسين الراحلين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

وسيكون رئيس الجمهورية في الدستور الجديد أعلى من الهياكل الدستورية والحزبية وستُوكَل له مهمة اختيار وتعيين  رئيس الحكومة وستصبح الحكومة هيئة حُكمية لتقديم المبادرات ومهمتها ليس تنفيذية فيما سيكون البرلمان دوره تشريعي فقط، بحسب الصادق بلعيد.

وفي السابق، ارتبطت خصائص النظام السياسي في تونس بالتقلبات والظروف السياسية والثقافية والحضارية التي عرفتها البلاد واختلفت من حقبة إلى أخرى بدءا من نظام ملكي ثم نظام رئاسوي وصولا إلى نظام مختلط أو ما يسمى بالنظام شبه برلماني، لكن يبدو أن خصائص النظام الجديد سترتبط بفكر أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد ورفاقه الصادق بلعيد وإبراهيم بودربالة.

 تونس التي كانت تحتكم لمدة 252 سنة للحكم الملكي الحسينيّ الذي أسّسه حسين بن علي باشا باي في 15 جويلية 1705، ، تغيّر نظامها السياسي يوم 25 جويلية 1957 بعد أن صوّت نوّاب المجلس القومي التأسيسي أنذاك بالإجماع على إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهوريّة ليتم فيما بعد وتحديدا سنة 1959 تأسيس دستور يقطع نهائيا مع النظام الملكي ويؤسس لنظام سياسي رئاسوي وهو نظام رئاسوي وهو نظام محرّف ومقتبس من النظام الرئاسي لا تحترم فيه خاصية التوازن بين السلط وهيمنت فيه السلطة التنفيذية على السلط الأخرى.

ونص دستور 1959 على ضرورة اختيار نظام جمهوري رئاسي لكي لا تتشتت المسؤوليات ولا يتوزع النفوذ وعلى أن السلطة التنفيذية القوية ضمان أصلي لحرية الأفراد وضمان للنظام والأمن وسد منيع ضد كل فوضى وربط الإرادة الشعبية بالحزب الدستوري الحر وبحركة التحرر الوطني.

ومن أبرز العوامل التي ساعدت على بروز النظام الرئاسوي في تونس هي التبرير أن أولويات البلاد هي التنمية الاقتصادية وليست الديمقراطية والحقوق الفردية وكذلك أن بناء الدولة أو إصلاحها يحجان إلى سلطة تنفيذية قوية.

نفس التبريرات تقريبا يرتكز عليها قيس سعيد ورفاقه في مشروعه السياسي للعودة إلى نفس النظام السياسي السابق ولاسقاط النظام الذي أسسه دستور 2014 وهو النظام برلماني معدّل أو ما يسمى بالنظام شبه البرلماني أو المختلط.

وولعل من أبرز الأسباب التي شجعت قيس سعيد على التنظير والتشريع للنظام الرئاسي هي تفاقم السجال السياسي بين قادة الحكم في البلاد خلال السنوات الأخيرة وتنازع قادة الحكم على الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.

فمنذ 2014، وبعد تكوين حكومات ائتلافية متششتة المشؤولية، انطلقت المعركة حول طبيعة النظام السياسي للبلاد بين من يدافع عن النظام المختلط أو ما يسمى بشبه البرلماني ومن يراه فاشلا ويدفع إلى ضرورة تغييره إلى نظام رئاسي.

وبعد سنة 2019، وفي خضم التباعد والاختلاف الكلي بين خيارات رئيس الجمهورية قيس سعيد وحركة النهضة" الحزب الأول في البرلمان"، لم يعد هاجس اقتسام السلطة محور التجاذبات السياسية في البلاد، وباتت التوجهات العامة لكلى الطرفين المتعلقة  بطبيعة النظام السياسي محور الصراع بينهما إلى أن بلغ السيل الزبى.

أما اليوم فقد وصلت حدة الصراع بين قطبي الحكم في البلاد حد تعليق رئيس الجمهورية العمل بالدستور المنجز سنة 2014 مقابل إحياء الدستور المحدث عام 1959 الذي يؤسس لنظام رئاسي تتفاوت فيه الصلاحيات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

 ويبقى السؤال المطروح هنا، في صورة التصويت للدستور الجديد وتغيير النظام السياسي إلى رئاسي، ما هي ضمانات الابقاء على النظام نظاما رئاسيا دون أن يتحول إلى نظام رئاسوي دكتاتوري وقمعي؟