27 افريل 2022 11:14

اتّحاد الكُتّاب التونسيين.. "الاسم العالي والمربط الخالي.."

 بقلم ميلاد خالدي -


    كثيرا ما تنحو المنظّمات و الهيئات الثقافية حول العالم الالتزام، حيث تدلو بدلوها في الشأن العام سواء في الجانب السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي. فهذا منُوط بعهدتهم من منطلق دور الرسالة الحيوي التي يتوخّاها المثقّف و الكاتب في مسار التنوير و إزالة حُجب السلطة و المجتمع. اتّحاد الكُتّاب التونسيين منذ انبعاثه أثبت أنّه ابن النظام لا يُحرّك ساكنا مهما حصل. فقد أقصى نفسه بنفسه فأقصاه الجميع. لماذا ارتأيت أن أخطّ هذا المقال؟ لأنّه مؤخّرا قام رئيس الدولة قيس سعيد بلقاء جميع الهياكل النقابية و الحقوقية من اتّحاد الشغل و منظّمة الأعراف و هيئة المحامين واتّحاد الفلاحيين واتّحاد المرأة التونسية وغيرهم بينما استثنى اتّحاد الكُتّاب التونسيين و هذا في اعتباري مُبرّر لأنّ هذا الاتّحاد المُحنّط  دائما ما يساند قرارات السلطة إمّا بالسكوت أو بالبيانات الركيكة و الهجينة.
 
   يقول الفيلسوف اليوناني سقراط '' تكلّم حتى أراك" هذه المقولة تُفصح عن الكثير فلو عُرف عن اتّحاد الكتّاب التونسيين موقفا من سياسة الدولة تجاه التضخّم أو حرية التعبير أو النظام السياسي أو غيرها لحُسب له ألف حساب. كان من الأجدر أن يُوثّق الاتّحاد وجوده إزاء ما يحدث في تونس منذ سنوات و لا سيّما ممّا يحدث منذ اجراءات 25جويلية الاستثنائية. لا أحد ينكر أنّ هناك تهميشا مُمنهجا للأدباء و المفكّرين لكن في المقابل ذلك التهميش سببه أولئك الذين يدعون الأدب و الفكر لأنّهم حسب رأي البعض فقد انصرفوا إلى التناحر و التطاحن أو إلى المشاركة في الملتقيات من باب الصداقات و التزلّفات. أمّا البعض الآخر فقد اعتبر أنّ المثقّف ليس من دوره التدخّل في الشأن العام أو إعطاء رأي في ما يُعرض على شاشات التلفزيون أو ما يعيشه التونسي من شظف أو تكبيل في حريّة التعبير أو في ممارسات وزارة الداخلية أو في مستقبل الثقافة في البلاد أو واقع الديبلوماسية الاقتصادية و الثقافية.
 
     قلّ و ندر أن تجد مُثقّفا يشارك في مظاهرات و احتجاجات حول حريّة التعبير أو في قضيّة رأي عامّ لأنّه تعوّد التفكير داخل الجدران الإسمنتية أو داخل الصالونات ذات الأرائك الفاخرة. فكثيرا ما كان أستاذ الفلسفة فتحي التريكي يّردّد أهميّة وجود الفلسفة في الواقع العامّ. في الشارع مع 'خدّام حزام' و البطّال و المظلوم والطالب في الجامعة و عامل المقهى والبلدية، لكن في الحقيقة ظلّ الأمر حبرا مرشوشا في الفضاء العامّ و تنظيرا في الأبراج البلورية العاكسة لأنّها تحجبُ الرؤية من الخارج نحو الداخل وبالتالي هذه الفئة مُولعة بالشمس المحجوبة و الزوايا الظليلة، فالبلوّر العاكس Reflective Glass يحافظ على خصوصية الكائنات القمرية.
 
      للكتّاب و التشكيليين و الموسيقيين و المسرحيين و المُفكّرين و الصحفيين و حتى Les Influenceurs engagés   الحقّ في اقتحام الشأن العامّ و التحدّث في المسائل التي تهمُّ التونسي في حياته اليومية دون ترفّع أو هروب أو مزايدة. يجب أن نتجنّب سياسة الكعب العالي. فلما لا يقع تأسيس اتّحاد جامع يطلق عليه اتّحاد المثقّفين التونسيين، بإشراف اتّحاد الكُتّاب التونسيين الأكثر تمثيلية، يجمع أغلب المبدعين من جميع التوجّهات الفكرية و الأدبية و الفنية و غيرها. هيكل حيّ قادر أن يُوحّد الصُفوف و الوقوف في وجه أيّ انحراف للسلطة و المجتمع ليكون له الرأي الفصل فيما يجري في البلاد. فهذا الهروب المبني على  اللامبالاة و التعالي لا يُثمر إلاّ جُبنا و حيرة فالس... وما أكثرهما.