12 جانفي 2022 13:44

هل نستطيع البناء من رُكام عشر سنوات؟

بقلم: رشيد الكرّاي-
في الوقت الذي يبدو فيه أن جدل الإرادة السياسية قد حُسم لمصلحة عملية إصلاحية عقلانية ومتدرجة، تستمر مصادر الإعاقة التقليدية بالتصعيد في دفاع مستميت عن مصالحها المتمثلة في استمرار الحال والأمر الواقع، وكأنها خارج التاريخ والجغرافيا معا.
 
لا ندري لمصلحة من، محاولةُ الإمساك بعقارب ساعة الإصلاح لإيقافها عنوة، بعدما فَرَزَ الحراكُ السياسي المكثف خلال الأشهر الأخيرة هويةَ الإصلاح، وأثبت قدرة "الكتلة الوطنية التونسية" التي تتبلور هذه الأيام داخل الدولة والمجتمع معا، على تحديد ملامح الإصلاح السياسي واتجاهاته وسقوفه أيضا،  بل الوصول إلى تعريف شبه دقيق لـ”ماذا نريد من الإصلاح؟". وهذا ما ينفي جملة وتفصيلا كل الأوهام والهواجس التي بيعت لنا طيلة السنوات العشر الأخيرة.
 
إن مهاجمة مجلس النواب في المطلق كمؤسسة دستورية، رغم الكوارث التي جاء بها المجلس الحالي وتطلّب تجميد أعماله، والتقليل من شأنه ومكانته، فيه الكثير من الظلم لمكانة المجلس ورمزيته الوطنية ولذوات النواب وخاصة المحترمين منهم. فهم في المحصلة جاؤوا نتيجة نظام انتخابي تشوبه العيوب والمساوىء من رأسه إلى قدميه، وبالتالي فهم حجر أساس في المكون السياسي الوطني.
 
لكن المشكلة تبدو أكثر حساسية وإثارة للاستغراب حينما تحول الحراك النيابي في المجلس المجمّد إلى مجرد القيام بمهمة إدارة ردود الأفعال، وبالتالي الدخول في موجة طويلة من الانفعال السياسي وليس الفعل الذي يُراكم ويُغيّر.
 
وقد لاحظنا خلال أقل من سنتيْن من عمر ذلك المجلس، كيف فرغ دوره الإصلاحي وتم اختصاره بردود الأفعال على الحراك السياسي والصراعات والمناكفات السياسية، وكيف تمت مهاجمة بعض المواقف والمبادرات التشريعية الإصلاحية وإجهاضها في المهد.
 
اليوم وبعد كل الذي حصل بعد 25 جويلية، كم نحن بحاجة إلى تعبئة وطنية عقلانية وحكيمة نحو الإصلاح، على اعتبار أنه خيارنا الوحيد في ترسيخ الاستقرار ومكافحة الفساد وحماية كرامة التونسيين، فنحن بأمسّ الحاجة لحماية صورة مجلس النواب كمؤسسة دستورية تنوب الشعب وتخدمه وتحمي مصالحه، فالديمقراطيات من دون برلمانات ناضجة لا قيمة لها عمليا، فاللحظة التاريخية الراهنة تعني أن يفكّر نوّاب المجلس القادم على أقل تقدير بإصلاح شؤون مجلسهم الداخلي بما يضمن تقديم رؤية جديدة للنظام الداخلي وتقديم سيناريوهات متعددة لآلية الارتقاء بأداء المجلس. فأكثر ما يمكن أن يقدموه لتونس في هذه اللحظة هو ترميم سقف الخيمة قبل أن تقع فوق رؤوسنا جميعا.
 
أحوال الإصلاحيين أيضا الذين يحمل لواءهم رئيس الدولة اليوم، ليست مطمئنة وتدعو للكآبة أحيانا. فهذه اللحظة إذ تفتح أوسع الأبواب للإصلاح فإنها تفتقد للخطاب الناضج لدى الكثير منهم وأولهم الرئيس نفسه. والأهم من ذلك أن خطاب الإصلاح يفتقد للعمق المجتمعي، بمعنى القدرة على خلق الالتفاف المجتمعي حول رؤية إصلاحية واضحة.
 
هنا أرى أن ما أسمّيها تجاوزا بالكتلة التاريخية الديمقراطية المنتظرة دون تحديد إطارها الحزبي والتنظيمي، وحدها تملك قدرة وإرادة الهدم والبناء معا، وتستطيع تحمّل آلام التغيير واستيعابها، وتتمكن من إعادة تأهيل النقد الذاتي على قواعد العقلانية، والوصول إلى الناس والدخول في اشتباك مع العُمق الداخلي والصور الذهنية والثقافة الشعبية ، فأول مطالب الخروج من حالة الفصام في سياق حركة الإصلاح، هو إدراك كنه العملية الإصلاحية بوجود كتلة ديمقراطية تمثل العُمق المجتمعي.
 
في المجتمعات المتحوّلة ، كما هو الحال في تونس، يصعب الرهان على الإرادة الشعبية وحدها في ضمان الانتقال السلس والتجدد للنخب السياسية وبناء كتلة ديمقراطية مستقلة ، بل يتطلب الأمر من الدولة التي تحتاج لحماية مصادر الاستقرار وتنويعها، أن تكون اللاعب الأساسي في تجديد النخب في كل مرحلة، ولعل هذا المطلب في الحالة التونسية أحد مصادر الاستقرار الموضوعية، الذي يجب الالتفات اليه بعد أن أفلس طيف واسع من النخب التقليدية من القدرة على الإجابة عن أسئلة المجتمع والدولة ذاتها...