09 جويلية 2021 17:13

لا خير في قضاء لا يحكم بالعدل...

 بقلم رشيد الكراي -

عديدة هي الملفات القضائية في بلادنا التي يحوم حولها الكثير من اللّبس بل وحتى الشبهات، والتي زيادة عن التمطيط في آجال الحسم فيها شهدت خروقات جسيمة لمبادئ المحاكمة العادلة، كما هو الحال اليوم في قضية شهيدي تونس شكري بلعيد ومحمد الراهمي، وقضية القاضيين الشهيرين اللذين يشغل أحدهما أعلى منصب قضائي في هرم السلطة القضائية ألا وهو الرئيس الأول لمحكمة التعقيب، وهو ما يطرح السؤال اليوم حول العلاقة بين القضاء والعدل، فهل ثمّة يا ترى فرق بين المصطلحين؟

والجواب نعم بكل تأكيد. والفرق بينهما هو الفرق بين الوسيلة والغاية، أو بين الهدف وأداة الوصول إليه. القضاء هو جهاز يعمل فيه القاضي للنطق بالحكمِ العادل بل النطقِ بالعدل في كلمة واحدة جامعة. ولا يُعدّ القضاء سليما دون عدل صحيح حقيقي. أما القضاء الذي لا يحقق العدل ويضر ويؤذي فهو ما يستعيذ منه المؤمن ويتوجه إلى ربه قاضي السماء ليطلب منه عدالته التي لا يظلم فيها مخلوق.

ومن فضائل النظم الديمقراطية في العالم بل وحتى التي تدّعي ذلك، أنها وضعت سلطة العدل في أعلى هرم السُّلَط، وردّ النظر في جميع تصرفات السلط الأخرى إليها، وأطلق لها حرية التصرف كاملة لأن المفروض فيها هو أن لا تشتط ولا تنحاز ولا تُهادِن أيْ أنها تحكم بالعدل.

والحقيقة أننا نعيش اليوم عهدا جديدا يمكن أن نسمّيه عهد حكم العالم بسلطة القضاء الذي يعلو فوق جميع المؤسسات الدستورية لا يُستثنَى منها حتى جهاز الحكم في القمة.

وهذه السلطة الواسعة التي أُسنِدت لمؤسسة القضاء لن تذعن المجتمعاتُ إليها بالقبول والرضى إلا إذا كان قضاؤها عادلا وغير منحاز. ولن يستمر لها وجود دون ضمانة العدل الذي يحمل وحده النفوس على الانقياد إليها طوعا واختيارا. وقديما قيل «العدل أساس المُلْك» وبالتالي فالمُلْك دون عدل يؤول إلى التداعي والانهيار.

مؤسسة العدل تقوم في حضارة اليوم بدور أساسي في تركيز أخلاقيات الفضيلة الديمقراطية وترسيخ جذورها في ضمائر المجتمعات. وأخلاقيات الديمقراطية تُختصر في عصرنا في حماية حقوق الإنسان، وبناء دولة الحق والقانون، وتهذيب السلطة من التجاوزات، وتخليق التعامل البشري، وحماية الحريات الفردية والجماعية، ورفع الظلم، ونشر العدل، إلى غير ذلك من القيم التي تحفل بها الفضيلة الديمقراطية وما أكثرها!

وإذا ما استوحى القضاة حكمهم من هذه المُثُل السامية وتشكَّلت فيها الأحكام القانونية التي يُصدرونها أو ينطقون بها، فإنهم يُسهمون بذلك في إشاعة هذه القيم بين المجتمعات ويدفعون بمسيرة الأخلاقيات الديمقراطية إلى الأمام. وعلى العكس، فإن تجاهل هذه القيم أو مجافاتها فيما يُصدرونه من أحكام وآراء قانونية، سيعطّلان المسيرة ويعوقانها عن بلوغ مقاصدها. وهذه الرسالة الثقيلة الحافلة بالعواقب ملقاة اليوم على كاهل سلطة القضاء، وعليها أن تعيها حق الوعي، لتعيش نظام عصرها وتنخرط في قيم الحضارة والتمدّن.

إن المطلوب من القاضي أن يستقلّ بسلطته عن سائر السلط، وأن يستلهم حكمه من ضميره الحر، وأن يراقب اللّه وهو ينطق بالعدل طبقا لما أمره به. وإذا كان المطلوب منه أن يطبق القانون بنزاهة فقد ترك التنظيمُ القضائي له فسحةَ السلطة التقديرية المخوَّلة له قانونا لرد هذه الأحكام إلى أصولها، وتعميق البحث عن مقاصدها، وربطها ببيئتها التي صدرت فيها، واستحضار مقاصد السلطة التي وضعتها وأقرتها وعهدت إليه بتطبيقها، وليختار من بين هذه الأحكام على ضوء ذلك كله أعدلها أو أقلّها قسوة.

ولا ينبغي في عهد التحرر واستشراف المستقبل الذي تعيشه الكثير من البلدان وبينها بلدنا تونس، أن تنطبع أحكام القاضي بطابع الرجعية والجمود والتقوقع في الأعراف البالية التي تعود إلى قرون خلت. ولا يجوز للقاضي أن يُصدِر أحكامه لصالح نزعة الجمود متحديا بذلك إكراهات الحاضر الذي يتطلع إلى التجديد والتحديث، وعليه أن يمارس استقلاليته فلا يُصدِر حكما ينزلق به إلى خدمة أغراض سلطةٍ غير سلطة القانون أو ينطق بحكمه تحت تأثير الخوف أو التهديد.

القضاء اليوم يجب أن يستحق السلطة الواسعة التي خولها له القانون، فهو أصبح مدرسة لتأهيل المجتمعات لممارسة الفضيلة الديمقراطية. لذا لا يُفهَم ولا يُعقَل أن تصدر عنه أحكام القمع ضد نشطاء الحقوق، وحماة الحرية ودعاة التجديد والتحديث، بل إن واجبه أن يحمي حقوق أنصار الديمقراطية من خصومهم، ويوفر لهم المناخ القانوني للعمل في ظل القانون للقيام برسالتهم، مثلما يحمي القانونُ العادلُ، المجتمعَ من مخالفات الآثمين والمفسدين والخارجين على القانون.

صحيح أننا في تونس قمنا بخطوات عملاقة باتجاه استقلاية القضاء عبر دسترته وبعث المؤسسات القضائية التي تسهر على ذلك وتكرّسه، لكنّ ما يحوم من شكوك حول مآل الكثير من القضايا وبطء آجال التقاضي، والتعامل بمنطق المكياليْن، يحمل المواطن على الشعور بالغبن وبأنه في أشد الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مؤسسات العدل، وإلى حكم القاضي النزيه المنصف، لأن العدل هو الإنصاف...