02 جويلية 2021 10:01

نعم.. لم نعد نعرف بلدنا تونس

 بقلم رشيد الكراي -

مرت العشر سنوات الأولى من عمر ما سُمي بـ"ثورة الياسمين"، وهي في الحقيقة برائحة مياه المجاري، والنتيجة أقل من صفر بل إنها بلغت درجات عدّة تحت الصفر، والأوضاع باتت مرشحة للانفجار في أية لحظة.

وما الاحتجاجات التي تشتعل بين حين وآخر في العديد من المدن التونسية إلا إشارات لفوضى قادمة ستكون عنوانا للقطيعة النهائية بين الشعب وكل مؤسسات الحكم، ولن تنفع شعبية حركة النهضة المنفوخ فيها في ردم تلك الهوة، بل ستكون تلك الشعبية سببا مقنعا لليأس التام، واستفاقة الكثيرين على وهم مقولة "الناس اللّي هاربة لربّي".

عشر سنوات من التلكؤ والتعثر والفشل الحكومي انتهت بأزمة سياسية غير مسبوقة ونادرة الحدوث في التاريخ السياسي المعاصر لدولة الاستقلال. زعماء مؤسسات الحكم تحولوا إلى ثلاثة ديوك متصارعة، يكيد الواحد منهم إلى الآخريْن في محاولة منه لإسقاطهما والتخلص منهما معا.

أما الدولة فإنها تدير نفسها بنفسها، عجلة تدور بكل عيوبها وعثراتها وفسادها وتقاعسها وكسل القائمين عليها وضجرهم من الاستمرار في الرهان على دولة تُركت مهملة سنوات عديدة إبّان نظام زين العابدين بن علي، ثم انتقلت إلى الحكام الجدد باعتبارها إرثا لا أحد يرغب في أن يتورط في محاولة تجديده، بل أجهزوا في سنوات قصيرة على كل ما هو إيجابي في ذلك الإرث.

الغنوشي زعيم إخوان تونس، ليس جديدا على اللعبة، فقد حكم من وراء الستار لتسع سنوات، وها هو اليوم سيد السلطة التشريعية الذي يسعى إلى أن يُعلن نفسه سيدا على البلاد، خاصة مع اختفاء من كان يُحسن ترويضه وله بالمرصاد أمام كل عمل يمسّ بمصالح الدولة وهيبتها الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي رحمه الله.

الجديدان المضطربان والمرتعشان والمنهكان، هما قيس سعيّد وهشام المشيشي. الأول جاء إلى قصر قرطاج رئيسا للجمهورية بالصدفة لأنه ليس حزبيا ولم يكن جزءا من التركيبة السياسية، أما الثاني فقد أصبح رئيسا للحكومة، لأن سعيّد فرضه خيارا وحيدا، فإذا به ينقلب عليه مفضّلا التحالف مع الغنوشي المعروف بأنّه ثلعب ماكر، صفة نجح من خلالها في إقناع أتباع حركة النهضة قيادات وقواعد رغم المغادرات والانشقاقات الكثيرة، بأنه رجل المعرفة والقائد المتواضع المتنوّر الذي يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وكلها صفات ليس له منها شيء. 

الحرب على الجبهة السياسية هي حدث خارجي يمكن التفرج عليه دون تعليق مقارنة بالحرب الاقتصادية، التي صارت تطحن الطبقتين المتوسطة والفقيرة وصارت تلقي بأبنائهما خارج حدود منطقة التداول الاجتماعي المقبول. لقد انهارت البنية الاجتماعية بعد أن نزح الكثير من أبناء الطبقة المتوسطة إلى أقاليم الطبقة الفقيرة التي استسلمت للعوز التام حين صارت الدولة لا تكترث للمشاريع الفلاحية وغير الفلاحية.

لا يصدق أحد أن بلد الزيتون صار عاجزا عن المنافسة بزيتونه في السوق العالمية، ولا أحد يصدّق أن بلد الفسفاط صار مورّدا له وثروته تقدّر بملايين الأطنان تقبع في المناجم، وذلك ليس لرداءة المنتوج من الزيت والفسفاط، بل لأن الفوضى التي ضربت كل نواحي الحياة أطاحت بالشجرة التي هي رمز البلاد، وبالثروة الطبيعية الوحيدة التي تملكها.

ولكن الأسوأ يكمن في أن الدولة صارت أضعف من أن تضبط منتسبي مؤسساتها وبالأخص الأمنية. وما جرى قبل أيام حين قام أفراد من الشرطة بتعرية طفل وسحله في الشارع من أجل أن يلقنّوا المجتمع الغاضب درسا عنيفا، إنما يؤكد أن هناك خللا في العلاقة بين الدولة ومنتسبيها الذين صاروا يطبقون القانون بطرق غير قانونية. وهو ما يمكن أن يورطهم في ارتكاب جرائم لم يكونوا في الوضع العادي ليقدموا على ارتكابها. غير أن حالة التسيب التي تعيشها الدولة صارت تعميهم عن رؤية الواجب الذي يفرض عليهم الالتزام بالقانون وهم يسعون إلى تطبيقه.

في كل ما يحدث يكتفي الغنوشي بالنظر عن بعد على قاعدة "شاهد ما شافش حاجة". غير أن الحقيقة تؤكد أن الفوضى التي تعيشها تونس هي صناعة غنوشية مائة بالمائة. لو لم يكن هناك غنوشي لما التبس الأمر على رئيس الحكومة وصار صعبا عليه أن يعين وزيرا للداخلية. 

تونس اليوم على حافة انفجار شعبي. ما من شيء يشير إلى قدرة الطبقة الحاكمة على وضع مشاريع اقتصادية لانقاذ الشعب من الفقر، فأفراد تلك الطبقة مشغولون بحروبهم، وهي حروب تغطي على شعور الشعب بالاهانة والذل، ولكنها حروب قد تؤدي بتونس إلى هلاكها.

لقد سئم الشعب من الطبقة السياسية التي لم تخرج عن دائرة حركة النهضة التي احتكرت الحكم منذ سقوط نظام بن علي.  وما لم تخرج تونس من دائرة هذه الحركة وبقطع النظر عن عقائديتها الرجعيّة، والتي اعترف أمينها العام السابق زياد العذاري بأنها لا خبرة لها وغير مؤهلة ولا تملك كفاءات لتسيير الدولة وإدارة الشأن العام، فإنّ تونس ستكون غريبة عن شعبها، الذي سيجد أن عليه أن يطوي بثورة جديدة، عشر سنوات كانت هي الأكثر رثاثة وتعاسة في تاريخه السياسي المعاصر، مع أن الثمن سيكون هذه المرّة باهظا جدّا ويحمّل الأجيال الجديدة ما لا طاقة لها به، ولكنّه ثمن ربّما وجب دفعه...