17 جانفي 2021 14:40

عبد الرؤوف الباسطي: تسلمت وزارة الثقافة في مرحلة غير ملائمة.. بعض المحيطين ببن علي كانوا يعرقلون التواصل معه.. واتساع حيز حرية التعبير أهم مكسب بعد الثورة

يسرى الشيخاوي-

هو آخر وزراء الثقافة في عهد بن علي، مسرحي تقلب بين ثنايا العمل الإداري في وزارة الثقافة وفي مؤسسة التلفزة التونسية، هو عبد الرؤوف الباسطي الذي تولى وزارة الثقافة في فترة وصفها بغير الملائمة لأنها تزامنت مع نهاية عهد بدأ تظهر فيه التناقضات الداخلية.

عن توليه هذه المسؤولية وعن الاستراتيجية التي أراد أن يرسيها لكن الثورة حالت دون ذلك وعن المشهد الثقافي بعد الثورة تحدث لحقائق أون لاين.

المشهد الثقافي في تونس بعد الثورة.. 

عمّا تغيّر في المشهد الثقافي بعد الثورة يقول عبد الرؤوف الباسطي إنّ أهم مكسب تحقق في مجال الثقافة هو بلا منازع اتساع حيّز حريّة التعبير فكل أشكال الرقابة المسبقة و كل آليّاتها ألغيت.

ويضيف "بُذل جهد محمود في مجال إصلاح المنظومة التشريعية الذي قد بدأنا فيه باحتشام، فقد طُوّرت صيغ العلاقة مع المجتمع المدني، و عرفت الوزارة عدة تشريعات جديدة ارتبطت بأهداف اللامركزية وبهيكلية بعض المؤسسات العمومية كالمندوبيات الجهوية وبعض المؤسسات المرجعية كمركز الموسيقى العربيّة والمتوسطية (النجمة الزهراء) والمركز الثقافي الدولي بالحمامات وكذلك استكمال القانون الخاص بآلية الرعاية والتبني وإصداره"، مستطردا " لكن العديد من مشاريع النصوص لم تستكمل بعد مثل القانون المتعلق بالفنان والمهن النية" .

أما على صعيد البنية التحتية فأهم مكسب تحقق، حسب رأيه، هو استكمال بناء مدينة الثقافة التي توقّفت أشغال بنائها في سنة2011 و كانت على وشك الانتهاء، وقد مكّن افتتاحها من احتضان عدة مؤسسات ثقافيّة مهمة منها على وجه الخصوص المركز الوطني للسينما والصورة ومتحف الفن الحي وقطب المسرح والفنون الركحية والبالي الوطني والأوبرا، علما بأن هذه المؤسسات كان جلها في طور الإنشاء قبيل 2011، على حدّ قوله.

اتساع حيّز الحرية لم يفرز زخما يوازيه في الإنتاج..
أما عن  الأسباب التي أفضت إلى إنتاج غير مواز لاتساع حيز حرية التعبير، يشير إلى أن السبب الأساسي هو أن التأخير الحاصل في استكمال بعض التشريعات والإصلاحات الهيكلية قد جعل المبدعين يعتمدون في تمويل مشاريعهم على الدعم العمومي بالأساس، والاعتمادات المخصصة لدعم الإبداع لم تتطور على النحو يجعلها تواكب الطموح .
ويلاحظ ان الاعتمادات المخصصة لوزارة الشؤون الثقافية والتي كانت تمثّل 1 بالمائة من ميزانية الدولة سنة 2009 وكانت مرشحة لتبلغ 1.5 بالمائة في 2011، تراجعت بعد الثورة إلى حدود 0.76 بالمائة من ميزانية الدولة وهو ما جعلها أقل من ميزانية وزارة الشؤون الدينية، مضيفا "ثم إن السلط العمومية قد أظهرت قبل سنة 2014 بالخصوص تسامحا مريبا في التعامل مع بعض الحركات المتطرفة التي مارست شتى أشكال العنف مع المبدعين".
الترفيه كان المسحة الغالبة على بعض الأنشطة.. 
وفي رده عن سؤال عما إذا كانت الأنشطة الثقافية في عهد بن علي مدخلا لألهاء التونسيين عن مشاكلهم الأساسية، يقول عبد الرؤوف الباسطي " لا أظن أن الغاية الوحيدة من دعم الإبداع قد كانت تلهية الناس عن قضاياهم، صحيح أن الترفيه كان المسحة الغالبة على بعض الأنشطة."
ويتابع بالقول " لكن الترفيه يمكن أن يكون بريئا ثم إن السلط العمومية كانت تدعم أيضا وبسخاء الأنشطة والإبداعات الجادة وفي أنشطة دار الكتب الوطنية والمركز الوطني للترجمة وفي أيام قرطاج السينمائية وفي تظاهرات القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية وفي أنشطة بيت الحكمة وفي العديد من الأعمال المسرحية والسينمائية التي أحرجت السلطة بمضامينها وتمكّنا رغم ذلك من تخليصها من مخالب الرقيب أدلة تؤكد صحة ما أقول".
بن علي كان يبحث عن هدنة بين  النظام وبين المثقفين المستقلين 
وعن فترة توليه الوزارة، يقول "يبدو أنني استلمت مسؤولية الوزارة في مرحلة غير ملائمة أي في نهاية عهد بدأت تظهر خلالها التناقضات الداخلية، الرئيس بن علي كان يعلم، عندما عينني على رأس الوزارة، أنني مستقل ومنحاز للمبدعين والمثقفين ولحرية الإبداع عموما، فقد لمس ذلك خلال فترة مروري الخاطف برئاسة مؤسسة الإذاعة والتلفزة.
ويضيف "أظن أنه كان يبحث عن هدنة بين النظام آنذاك وبين المثقفين المستقلين، فيوم حدثت مصادمات بين الأمن ومبدعين ومثقفين في وقفة احتجاجية سلمية أمام المسرح هاتفني قائلا : "هكه يعملوا أصحابك" فقلت :"كانوا في وقفة سلميّة و الأمن عنّفهم " قال :"استدعهم واعتذر لهم باسم الحكومة وقل لهم بإمكانهم القيام بوقفة أخرى غدا و لن تقع مضايقتهم" وتم ذلك بالفعل."
بعض المحيطين ببن علي كانوا يعرقلون التواصل معه..
وفي علاقة بالمشروع الإصلاحي الذي كان من المفترض أن يرسيه في وزارة الشؤون الثقافية وشرع فيه ولكن حالت الثورة دون ذلك، يقول " أظن أن الرئيس بدأ يقتنع بأن دور الوزارة ليس تنظيم المهرجانات والتظاهرات، فهذه مهمة تضطلع بها مؤسسات مختصة وفق عقود أهداف و تمكّن من الوسائل التي تضمن الحد المعقول من الاستمرارية وحرية التحرك، أما الوزارة فدورها يتمثل بالأساس في التخطيط ووضع استراتيجيات التنمية الثقافية بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة الذي ينبغي أن يكون ممثلا لكل أطياف المثقفين والمبدعين و الفاعلين في الحقل الثقافي.
ويتابع " بدأنا التدرج في هذا التمشي باحتشام وانطلقنا في وضع استراتيجية يمكن إيجاز منطلقاتها وخطوطها العريضة في كون الثقافة محرّك أساسي للتنمية المستدامة ضمن مشروع حضاري فرضته طبيعة المرحلة وما أفرزته العولمة من تحديات والثورة الرقمية من رهانات، إلى جانب ضرورة تجديد علاقتنا بالموروث وتمثلنا لمقولة الهوية كإنجاز تراكمي.
وتشمل الاستراتيجية أيضا ضرورة تحقيق ديمقراطية الثقافة بتعميق اللامركزية وتوسيع قاعدة المشاركة وذلك بجعل اللجان الثقافية ممثلة للفاعلين الثقافيين وإعادة الاعتبار إلى اللجنة الثقافية الوطنية بما يجعلها مجلسا وطنيا للثقافة وإصدار القوانين الأساسية لدور الثقافة ومراكز الفنون الدرامية والركحية والمهرجانات وإكسابها الشخصية المعنوية وتأهيل المؤسسات المرجعية كوحدات تصرّف حسب الأهداف وجعل الإدارة تتخلى عن دور المنتج للفعل الثقافي و تفسح الجال للمبدعين حتى يتملّكوا الفعل الثقافي وحياء الصندوق الوطني لدعم الإبداع وتخصيص حوافز للتشجيع على إحداث القاعات وإحداث مركز وطني للسينما ومركز وطني للكتاب وتحفيز الاستثمار في الصناعات الثقافية وانتاج المضامين و تطوير آليات ضمان القروض وتطوير السياحة الثقافية، وفق قوله.
ويشير محدّثنا إلى أنه "شرع في اتخاذ إجراءات تنفيذ بعض البنود لكن بعض المحيطين بالرئيس كانوا كثيرا ما يعرقلون عملية التواصل معه وقصر المدة التي قضاها على رأس الوزارة لم تسمح بالتقدم في الإنجاز على النحو المؤمل"، معربا عن سعادته بأن بعض المشاريع أنجزت بعد الثورة.
 

 

 

 

 

 
 
 
أ