24 مارس 2020 10:10

حينما يسقط الرئيس ورقة التوت..

 يسرى الشيخاوي-

في الوقت الذي جفّ حلق المديرة العامة لمرصد الأمراض الجديدة والمستجدّة نصاف بن عليّة واختنق صوتها وهي ترجو التونسيين الالتزام بالحجر الصحّي العام، أتحفت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية متابعيها ببلاغ تعجز معه عن تحديد شعورك من القائمين على الاتصال في هذه المؤسسة.

والبلاغ "يبهر" المتلقّي حتّى يتعطّل عقله وهو يفكّك الصور المصاحبة لنصّه، فرئيس الجمهورية أعزل من أي وسيلة وقاية إذا ما استثنيا السائل المعقّم وأسقطنا فرضية أن تكون وسائله مجهرية لا ترى بالعين المجرّدة تماما كالفيروسات.

أوراق نقدية على طاولة في مكتب البريد، قلم، وورقة يدوّن عليها سعيد "معلّفة" تبرّعه، كلّها نواقل للفيروس اللعين، هي تفاصيل قد تبدو لبعض "المطبّلين" "المهلّلين" للرئيس بلا أهمّية ولكن لا يمكن طمس حقيقة أنه قدّم مثالا سيّئا.

فلمّا تعالت الأصوات منادية بإيجاد حل للمواطنين المرابطين أمام مكاتب البريد دون إجراءات وقائية وتجنّد متطوّعين لتنظيم العملية، يغرق " الريّس" مركب البحث عن حل بإطلالته التي يمكن أن يعتمدها البعض قدوة ولعلّ بعض ردّد في قرارة نفسه " ها قد توجّه رئيس الجمهورية إلى مكتب البريد دون كمامات ولم يخش الفيروس فلما أخشاه".

قد يكون ما أتاه الرئيس عفويا المراد منه إضفاء مصداقية على وعده بالتبرع لفائدة صندوق "1818" المخصص لمقاومة فيروس كورونا ومنع انتشاره في تونس، ولكن ثمن هذه المصداقية يمكن ان يكون باهضا فزلات الاتصال "قاتلة" أحيانا.

وبعد أن "خرق" الحجر الصحّي العام بتصرّف كان من الممكن أن يستعيذ منه بـتنزيل وصل التبرّع لإثبات مصداقيّته وحث المواطنين على التبرّع، لبس جبّة القائد الأعلى للقوات المسلّحة وأمر بنشر  عدد أكبر من القوات العسكرية في كامل تراب الجمهورية التونسية مع تكثيف الدوريات ووضع نقاط أمنية و عسكرية في كل الأماكن.

ونشر القوات العسكرية في كل شبر من تونس الهدف منه  الحفاظ على الأمن و مقاومة كل التجاوزات و حث المواطنين على ملازمة بيوتهم و احترام الإجراءات التي تم اتخاذها تجنبا للتجمعات والتنقلات التي ليس لها أي مبرر، وهل لتنقّله إلى مكتب البريد مبرّر آخر غير "تخلّف" الإدارة التونسية و"كذبة" رقمنتها و"علة" الاتصال في مؤسسة رئاسة الجمهورية.

وإن كانت صور رئيس الجمهورية تعكس خلو مركز البريد بحي المهرجان بالعاصمة من مواطنين لا مورد لهم سوى جرايات يقاومون بها جشع الحيتان الكبيرة فإنّ مراكز بريد أخرى يتراصّ فيها المواطنون في مشهد أقرب إلى يوم الحشر.

وإذا كان رب البيت بالدفّ ضاربا فلا تلومنّ الأطفال إن هم رقصوا، فكيف تطلب من الشعب أن يخضع لإجراءات الوقاية وأسوتهم "ضال" عنها وكأنّ به يجهل الخطر غير المرئي الذي يحدق بالكل دون استثناء.

وفعل رئيس الجمهورية مشين في حق الدولة وفاضح لعورات الإدارة التونسية المتخلّفة عن ركب الثورة الرقمية، فعل أسقط ورقة التوت عن كذبة الإصلاحات الإدارية وعن القتدم أشواطا في مجال الرقمنة.

وطريقة تبرع الرئيس عرّت زيف خطابات المسؤولين، هي الأزمة تكشف العورات تباعا، أولم يقل الوزير لدى رئيس الحكومة المكلف بالإصلاحات الكبرى السابق توفيق الراجحي إن تحديث الإدارة التونسية ورقمنتها هو عمل دؤوب وتحدّ أساسي تعمل عليه الحكومة، أو لم يتحدّث وزير الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة والسياسات العمومية  كمال مرجان عن "الحكومة الذكية 2020".

ولكن يبدو أن التحدّي الأساسي تلاشى مع منعرج " الكورونا" وأن الحكومة "الذكية" نهشها الغباء على قارعة الوعود الزائفة، وعلى إيقاع "سقطة" ورقة التوت آن للمسؤولين أن يبحثوا في حل جذري لآلاف المواطنين الذين ينتظرون جراياتهم أمام مكاتب البريد.