12 مارس 2020 14:03

الهجرة غير النظامية: تجارب مريرة وأرقام مثيرة (تحقيق)

 رشاد الصالحي -

"ص.ع" هو شاب يبلغ من العمر 24 سنة أصيل ولاية الكاف، ميسور الحال، يقطن بأحد الأحياء الفاخرة بالعاصمة، تحصل على الباكالوريا سنة 2015، ودرس سنة واحدة بإحدى المعاهد العليا، كان يستغل فترة العطلة الصيفية للعمل بالنزل الفاخرة كنادل، وأيضا بإحدى الفضاءات التجارية الكبرى. كما انتصب للعمل بالحساب الخاص لبيع الأحذية. ولكنه قرّر رفقة بعض الأصدقاء الهجرة غير النظامية إلى ايطاليا لتحقيق حلمه المتمثل في شراء سيارة فاخرة، والثراء السريع.

حقائق أون لاين التقته ليسرد لها مغامرته وقصّة حلمه الضائع.

في بداية حديثه أكد الشاب العشريني أن حلم مغادرة البلاد كان ينتابه كل مرّة. وقد تعزز ذلك عندما وجد خمسة من أصدقائه يشاركونه نفس الرغبة. ولم يبق لهم إلاّ ترجمة الحلم إلى الواقع، خاصّة بعد أن جمع مبلغا ماليا يقدر بـ"ستة آلاف دينار". وما سهل العملية أنّ أحد الجيران كان ربّانا وله دراية ومعرفة بالطقس والبحر وبمسالك الهجرة غير النظامية عبر الإبحار. ويترصّد بعناية التوقيت المناسب لذلك.

انطلاق المغامرة 

يقول محدثنا وهو يفرك أصابعه: "قدمت لصاحب القارب مبلغا تجاوز الأربعة آلاف دينارا. وكان موعدنا يوم الاثنين 4 نوفمبر 2019 بسواحل قليبية في مغامرة على متن قارب قادم من قابس وكان عليه ألاّ يظل راسيا لوقت طويل في قليبية حتى لا يلفت انتباه خفر السواحل التونسية. ولم يحن منتصف الليل حتى انطلق بنا القارب، كنّا سبعة أفراد أنا والأصدقاء الخمسة والربّان. حاولنا أن نتدثر بأكثر ما يمكن من الملابس الرياضية للتوقي من البرد، وكان زادنا لمجا خفيفة وبعض قوارير المياه وعلب سجائر".

وحدث ما لم يكن في الحسبان... 

وتابع: "انطلق القارب في ظروف جيّدة. كنا نحمل حلمنا معنا، نتحادث حينا ونتقاسم الطعام ونروي الطرائف أحيانا أخرى. لم نكن نعير للزمن اهتماما. كان فجر يوم الخامس من نوفمبر يقترب، وحين اقتربنا من السواحل الايطالية حدث ما لم يكن في الحسبان، تسربت المياه فجأة إلى القارب، كنا نواجه الموت الحقيقي، لولا حنكة الربان الذي اتصل ببعض "البحّارة" الايطاليين  فأسرعوا لنجدتنا وأبلغوا عنّا خفر السواحل الايطالية الذين قدموا واقتادوا القارب إلى "لامبادوزا" وتم إيداعنا بمركز إيقاف "شانترو"، كانت ظروف الإقامة على هناتها مقبولة، والمعاملة حسنة إذ كان يسمح لنا من حين إلى آخر الاتصال بعائلاتنا لطمأنتهم. كما تمّ تمكيني من محامية، التي سعت إلى ضمان إقامة لي بايطاليا، بعد أن تكفل مقيم من أصل تونسي وأمضى على وثيقة يلتزم من خلالها بتأمين إقامتي والإنفاق عليّ إلى حين تسوية الوضعية الإدارية.  قضينا أربعة أشهر في مركز الإيواء، تحت طائلة تحقيق الأمن الايطالي، في الواقع لم نكن لوحدنا بل هناك من هاجر مثلنا بطريقة غير نظامية من جنسيات أخرى خاصّة منها الإفريقية". 

"كورونا" توقف المغامرة

ولم يساعد انتشار وباء "كورونا"على مواصلة المغامرة، فحالة الحصار التي تعيشها أوروبا والحجر الصحّي لعديد المدن الايطالية جعلت من المقيمين بصفة قانونية يفضلون العودة إلى تونس هربا من الوباء القاتل. فكان لزاما علي أن أنهي المغامرة وتتم إعادتي إلى تونس عبر الطائرة.   

قوارب الموت

تجربة هذا الشاب التونسي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة فقد استفاقت مدينة بنزرت في الأسبوع الأوّل من شهر مارس 2020 على فاجعة غرق قارب جزائري قبالة سواحل بنزرت، انطلق من سواحل عنابة يوم 16 فيفري 2020، على الساعة السادسة صباحا القارب كان يحمل 18 شابا جزائريا 14 منهم من ولاية قالمة و4 من ولاية عنابة وفق تصريح إعلامي للنائب بالبرلمان الجزائري نزيه بالرمضان، الذي قال إنّه تم العثور على خمسة جثث كلهم لشباب من قالمة والبقية في عداد المفقودين، ووجّه البرلماني الجزائري نداء إلى الرئيس الجزائري للتدخل العاجل قصد إيجاد السبل الكفيلة بالعثور على المفقودين.

البحث عن الحلم الضائع.. والتحرّر من قيود المكان 

الأخصائية النفسية سلمى المنصوري أكّدت أنّ الهجرة غير النظامية تكون لها دوافع نفسية أهمها الرغبة في الاستكشاف وحبّ المغامرة نتيجة معاينة تجربة واقعية تغري بحلم الثراء السريع وهي صورة منشودة لا تتطابق مع الموجود.

من ناحيته أكّد عاطف الطاهري وهو أخصائي اجتماعي مستشار، أنّ الهجرة غير النظامية يعمد إليها البعض بحثا عن تغيير المكان والنمط المجتمعي للتحرر والانعتاق من عادات وتقاليد قد يراها قيدا للحرية. لكن قد يكون المكان المقصود غير مقصود في ذاته بل في ما تتوفر فيه من وسائل وأدوات وطرق الثراء السريع.

دوافع اقتصادية بحتة 

المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية يرجع دوافع هجرة الشباب التونسي للهجرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع البطالة وانخفاض الأجور وتدني مستوى المعيشة، إلى جانب أسباب اجتماعية تتلخص في تطلع المهاجرين للحصول على أي عمل يساعدهم على تحقيق أحلامهم بالزواج وتوفير المسكن اللائق والنجاح في المستقبل.

الهجرة غير النظامية بيانات وأرقام  

المنظّمة الدولية للهجرة أشارت في تقرير لها أن عدد المهاجرين الدوليين بلغ 258 مليون سنة 2017 أكثرهم يعيشون في آسيا 79.6 مليون مهاجر ثم أوروبا بـ77.9 مليون مهاجر ثم أمريكا الشمالية بـ57.7 مليون مهاجر تليها إفريقيا بـ24.7 مليون مهاجر، وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكرايبي بـ9.5 مليون مهاجر وأوقيانوسيا بـ8.4 مليون مهاجر.

المنظمة ذاتها، أكّدت أنّه في سنة 2015، يعيش 5.46 % من مجموع سكان تونس خارج بلدهم الأصلي.

كما أكّدت أن حوالي 10 آلاف مهاجر غير نظامي لقوا حتفهم في البحر الأبيض المتوسط في مابين سنة 2014 إلى السداسية الأولى من 2016، حيث سجلت وفاة حوالي 3500 سنة 2014، و3771 سنة 2015، و2814 في بداية سنة 2016.

هجرة اليد العاملة والقيمة المضافة في اقتصاديات دول المهجر

أفاد تقرير صادر عن المنظمة الدولية للعمل سنة 2015 أنّه من بين 232 مليون مهاجر دولي لسنة 2013 يوجد ما يزيد عن 150 مليون عاملا مهاجرا تمثل نسبة النساء منهم 44.3%.

ويشتغل وفق التقرير 71.1% من اليد العاملة المهاجرة في قطاع الخدمات يليه قطاع الصناعة بما فيه التصنيع والبناء بنسبة 17.8%، والقطاع الفلاحي بنسبة 11.1%.

ويضيف التقرير أنّ 7.7% من بين اليد العاملة المهاجرة تعمل في المنازل منها 73.4% نساء ويؤكد أن اليد العاملة المهاجرة تساهم بما نسبته 4.4% من سوق الشغل. 

ويوضح التقرير أنّ الهجرة هي عامل تنمية، وأنّ للمهاجرين حقوق وواجبات، لكن يجب تجريم الهجرة غير النظامية، ولا بديل لذلك غير الهجرة النظامية.

تراجع موجة الهجرة غير النظامية في تونس 

كانت السلطة في تونس تتعامل مع ظاهرة الهجرة غير النظامية على أنها جريمة يعاقب عليها القانون ويقع التتبع القضائي لكل من ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في هذه العملية. 

وبعد أحداث جانفي 2011 شهدت البلاد أكبر موجة تدفق للمهاجرين التونسيين على السواحل الايطالية، لم يعرف تاريخ تونس المعاصر مثيلا لها، إذ كان العدد يقدّر بالآلاف أغلبهم من فئة الشباب.

حقائق أون لاين اتصلت يوم 11 مارس 2020، برمضان بن عمر المكلف بالإعلام بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي كشف أنّ المهاجرين التونسيين غير النظاميين تراجع عددهم من أكثر من 6 آلاف مهاجرا تونسيا سنة 2018، إلى 3545 سنة 2019، وأنّ أكثر من 70 % منهم يتجهون إلى السواحل الايطالية والبقية أي حوالي 23 % يتجهون إلى السواحل الاسبانية.

وعن المفقودين والضحايا، أكّد بن عمر أنّ المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لديه معطيات تقريبية وأن وزارة الدّاخلية هي الجهة الوحيدة التي تملك الإحصائيات الدقيقة لكنّها لا تعطي الأرقام الحقيقية عن المفقودين أو ضحايا الهجرة غير النظامية لأنها تعتبرها معطيات أمنية حسّاسة.
ويبقى السؤال إلى متى يلفّ التعتيم والغموض جوانب عدّة من ملف الهجرة غير النظامية؟ وهل أنّ عدم التصريح بالأرقام الحقيقية للمفقودين والمساجين ضحايا الهجرة غير النظامية يدخل تحت طائلة الحفاظ على الأمن القومي؟ أم ماذا؟؟؟