24 فيفري 2020 07:13

قطاع الاعلام: المواطن ضحية حرب باردة وقودها مال الاستشهار

 
مبروكة خذير-
يكاد يتفق الجميع ان منتجنا الاعلامي المرئي اصبح خفيفا بما في معنى الخفة من الفقر والافتقار للعمق والجدية بحثا عن ثقافة البوز بعيدا عن جوهر الاعلام في التثقيف وبث المعرفة وسرد المعلومة وتحليل المحتوى.
كثيرة هي الانتقادات لاعلامنا  التلفزيوني ولكن المتأمل قد يجد بعض ما يهون عليه في عدد قليل من البرامج التي يرى فيها عملا صحافيا ميدانيا واشتغالا على أجناس صحافية يمكن ان تكون ثرية بالمعلومة متعمقة في هدف كشف الحقيقة.
شاهدت اخر حلقة من برنامج "الحقائق الاربعه" على قناة الحوار التونسي، وجاء فيه من بين الفقرات تحقيق للزميل الصحافي اسامة الشوالي بعنوان "بيدون الدياليز" يعرض ملفا لشبهة فساد في احد مصانع توزيع محلول اسمه "بيكارب اسيد" وهو محلول يستعمل في عملية تصفية الدم و يتم وضعه في انابيب في الة تصفية الدم ينقسم الى صنفين و يوضع المحلول في اوعية بلاستيكية صغيرة توزع لمراكز تصفية الدم، والمصنع يوزع سبعين بالمائة من حاجيات المستشفيات والمصحات الخاصة لهذا المحلول بما معدله 120 مصحة خاصة و50 مستشفى عموميا.
يتحدث الملف موضوع التحقيق عن اعادة استعمال غير قانوني لاوعية بلاستيكية او ما يسمى في لهجتنا التونسية " بيدون"، وتشير المعطيات الواردة في التحقيق إلى انه يمنع اعادة استعمال البيدون وهو مدون بعلامة فوق كل القواريرالبلاستيكية.
 

 
مر التحقيق الذي اختار منه زميلنا زاوية شبهة الفساد وتم التصوير في الركن الخاص لتنظيف الاوعية البلاستيكية بمادة الجافال في مكان مليء بالاوساخ ووضعها فوق السطح للتجفيف وتوجه الصحافي للمصنع وتم الاطلاع على عملية التنظيف كما تم خلال البرنامج دعوة  صاحبة المصنع التي دافعت في مرحلة ما يسمى بالمواجهة عن براءتها من تهمة الفساد بشرح اعادة الاستعمال بضرورات الضغط على المصاريف بالنظر الى ارتفاع سعر الاوعية البلاستيكية وهي التي لم ترفع في سعر المحلول منذ سنة فقط.
حاول تحقيق الصحافي اسامة الشوالي ان يبين ما يقترفه المصنع من خروقات في اعادة استعمال "البيدون" الذي لا يخضع لقواعد حفظ الصحة واعتمد الصحافي على شهادة طبيب شرح خطورة تنظيف الاوعية البلاستيكية "البيدون" بمحلول الجافال وحاولت صاحبة المصنع ان تعلل الخروقات بديونها المتراكمة عند المستشفيات العمومية والمصحات الخاصة بل ذهبت الى حد القول انها بهذه الوسيلة تساهم في الحفاظ على سلامة البيئة.
قد يبدو الامر الى هذا الحد طبيعيا ومستساغا في تقديم تحقيق حول زاوية بعينها و التعقيب عليها من قبل المتهمين بالفساد، غير ان الاشكال الاعمق هو ان قناة التاسعة الخاصة المنافسة لقناة الحوار الخاصة ايضا، تتعمد قبل بث التحقيق بساعتين بث تقرير اشهاري موازي في نشرتها الاخبارية يتحدث عن مصنع "فرماديل" موضوع شبهة الفساد.
يتم نشر التقرير الاشهاري في خرق اول دون اي اشارة الى انه تقرير اشهاري وفي نشرة اخبار وفي محاولة لتبييض المصنع موضوع التحقيق زارت القناة مقر المصنع و انجزت تقريرا ميدانيا كان بمثابة الترويج للمصنع و الحديث عن عكس ما جاء به تحقيق قناة الحوار.
تقرير اشهاري مدته خمس دقائق بعنوان "فارماديل لصناعة مركز تصفية الدم : رضاء الحرفاء و جودة عالية للمنتوج "، بات واضحا اذا ان صاحبة المصنع استعملت نفوذها المالي لتجهيز تقرير اشهاري لضرب التحقيق الذي تحدث عن ملف الفساد في خطة استباقية قبل تمرير التحقيق.
 

 
صاحبة المصنع التي استعملت قناة تلفزية لتدافع عن نفسها استغلت للاسف قطاعنا الموبوء و حاربت الصحافي المحقق بصحافي ينجز روبرتاج اشهاري لتبييض الفساد.
لا ادري و لن اجزم و لكني اعتقد، مثل ما ذهب لذلك غيري، ان صاحبة المصنع ربما دفعت مقابل ذلك مبلغا او ربما استعملت صداقاتها لتضليل الاعلام والزج به في متاهة التقاطع حد التضارب في المعلومات المقدمة من قبل القناتين: و هذا في حد ذاته موضوع بحث و استقصاء...
من حق صاحبة المصنع ان تبيض صنيعها وتبحث عن مخرج لما تقترفه من جريمة في حق المرضى ولكن ليس من حق الاعلام ابدا  ان يكون سلاح تبييض وحطب وقود لاصحاب المال والغلبة لمن يدفع اكثر.
لا يقع اللوم على صاحبة المصنع التي جندت نفسها لتبرير الخروقات بل اللوم كل اللوم على اعلامنا الذي تحول الى قوة هدم وابتعد عن رسالته الاساسية في الدفاع عن الحق وكشف الفساد وخدمة الصالح العام.
ويبدو ان سلطة المال تغولت الى حد يجعل من الصحافي عدوا لزميله الصحافي تحت عباءة راس المال والحال ان الهدف وجب ان يكون واحدا: انارة الراي العام وخدمة المواطن وكشف الحقيقة.
يقول الاستاذ مختار الخلفاوي معلقا على ما وصل اليه اعلامنا خاصة المرئي منه :"التلاعب بالعقول و ترويج المغالطات والاشاعات والدعايات او الاكتفاء بالحقيقة مبتورة وتقديم انصاف الحقائق من اجل التحكم بالراي العام هي واقع اعلامي معيش في بلادنا..."
و اقول تصديقا لقوله: المواطن المسكين بقي في كل هذا الحلقة الاضعف، نقدم له منتجا اعلاميا مبطنا بالدعاية وحتى ان تعلق الامر بموته البطيء فهو غير مهم ما دام هناك من يدفع لتزييف الحقيقة٠
اعتقد انه لا بد ان ندق اجراس الخطر ازاء فساد الاعلام لنعالج فساد ملفات متراكمة في كل القطاعات الاخرى، فما اكثر التقارير التلفزيونية التي تقدم لنا اليوم على كونها تقاريرفي برامج و نشرات اخبارية والحال انها تستبطن الاشهار المقنع ولا تعدو ان تكون سوى تقارير ترويجية تفترض اخلاقيات المهنة الصحافية ان يكتب فوقها يافطة: هذا تقرير اشهاري...
يحتاج الوضع لتعديل قطاع الاعلام السمعي البصري حتى لا يصبح المستهلك فريسة لمافيات المال تتحارب فيما بينها وحتى لا نتحول نحن الصحافيون الى سلاح ووقود يستغله اصحاب المؤسسات الاعلامية لتكديس ثرواتهم على حساب شرف المهنة، مهنة المتاعب صاحبة الجلالة: الصحافة.
ما احوجنا اليوم لتصحيح المفاهيم وادراك الحد الفاصل بين التقرير الاشهاري والتقرير الصحافي وما احوج قطاعنا لمراجعة شاملة تقوم فيها الهيئات التعديلية بالتدقيق واعادة البوصلة الى وضعها الطبيعي.
و اما عن صحافة الاستقصاء بين الموجود والمنشود، فذلك باب يحتاج هو الاخر تدقيقا و تحليلا ذلك ان ما يقدم لنا اليوم من تحقيقات في عدد قليل من البرامج  قد لا يرقى، احيانا، الى صنف الاستقصاء و هذا باب نعود عليه لاحقا بالتحليل المعمق لمضمون هذه البرامج.