10 فيفري 2020 11:30

"آدم".. عمّن أخرج "حوّاء" من جنّة موهومة

يسرى الشيخاوي- 

منذ أن تصرخ الأنثى صرختها الأولى في الوجود يحاصرها المجتمع بأحكامه وأعرافه وتحاوطها العادات والتقاليد من كل الجوانب ويأسرها العيب والحرام فتكبر وبداخلها خوف من جسدها ومن الآخر.

بل إنّ المجتمع يوهم الأنثى بأن الجنّة تكمن في وصاياه على جسدها ونواميسه التي تحدّد حركاتها وسكناتها وتجعلها أحيانا عاجزة عن تقرير مصيرها، وأما من رضيت بالأمر الواقع فهي في عيشة راضية وأما من تمرّدت فأمّها هاوية.

وتخويف "حوّاء" المبالغ فيه من "آدم" قد يجعلها تسير بقدميها نحو الطامّة الكبرى في عين المجتمع وهي الحمل دون زواج، الفعلة التي تُخرج حواء من جنّة المجتمع الموهومة المزعومة بعد أن كفرت بحدوده.

عن هذه الفعلة التي لا تغفرها المجتمعات المتزمتة وعن نبذ المرأة التي حذفها القدر في سبيل سارت فيها لوحدها دون سند أو عضد يحكي الفيلم المغربي "آدم"، وهو فيلم روائي ببصمة نسوية يكاد يكون خال من الرجال.

وعنوان الفيلم ليس سوى إسم الطفل الذي حملته " سامية " في أحشائها بعد أن تعلّقت بأكاذيب "رجل" تركها في منتصف الطريق وغادر حياتها بلا عودة، والتسمية لا تخلو من رمزية فآدم هو سيد الخلق وأول خلفاء الله في الأرض.

وما أشبه الجنّة التي نزل منها "آدم" و"حوّاء" إلى الأرض ببطن الأم التي نزل منها "آدم" فكلاهما فضاءان تزيّنهما السكينة بعيدا عن الشرور والوصوم والنعوت التي تجعل الوزارة تزر وزر الأخرى وتأخذ الأطفال بذنوب لم يرتكبوها.

ولأن قلب الأم فيه بعض من حب الله لخلقه، فإنها كانت أسير الخوف والتوجّس من المصير الذي قد يلقاه ابنها حتّى أنّها رسمت له حياة سعيدة بعيدا عنها وعن ماضيها الذي لن يكفّ عن ملاحقته إذ هو ظل معها.

اسم الأم "سامية" أيضا لا يخلو من رمزية فمعناه يحيل إلى السمو ورفعة المقام والأخلاق النبيلة، ولعلّ مخرجة الفيلم مريم التوزاني ركنت إليه لتكسر الصور النمطية عن المرأة التي تحمل خارج إطار الزواج والتي يرميها المجتمع غالبا بالعهر وغيرها من الصفات التي تؤذي روح الأنثى فيها.

وفي الفيلم تتجلّى بعض من معاني هذا الاسم إذ تقاوم صاحبته الظروف ونظرات أحد من السيوف المهنّدة تكاد تخترق بطنها المنتفخة، وتيعى جاهدة للحصول على الأمل ولكنّها تقرع الأبواب دون موجيب وكلّما سألت عملا كان النهر جوابا.

ولكن الصدفة ألقت بـ"سامية" في زقاق في الحي القديم بالدار البيضاء حيث التقت ابتسامتها بابتسامة فتاة اسمها "وردة" ولها منه الكثير، فهي التي أدخلت بعضا من السكينة في نفس المرأة الهائمة دون وجهة محدّدة وحجبت عنها راحة الواقع العطنة.

وبين تفاصيل حكاية "سامية" تجول بك كاميرا المخرجة في فضاءات ضيّقة مراوحة بين الفني والإنساني، ومن منزل ملقى على قارعة زقاق وقد خيّم عليه الأسى تتجلّى ملامح فرح بعثته "سامية" في "وردة" ووالدتها " عبلة".

ولاسم "عبلة" أيضا دلالات رمزية وهي التي عشقها "عنتر" أيّام الجاهلية ولاقت ويلات البين والهجر قبل الوصال واللقاء، فـ"عبلة" تبكي على الأطلال وتتشبث بتلابيب الماضي وترفض أن تقنع بالواقع بعد رحيل زوجها. 

وبعيدا عن المباشرتية والكليشيهات يغوص الفيلم في العمق الانساني لقضية الامّهات العازبات وينتهي عند حب الحياة والمقاومة إلى آخر رمق بعيدا عن البكائيات والتسليم بالأمر الواقع، وفيه يولد الأمل على عتبات العدم حينما يسكب الطفل "آدم" دمعاته الأولى على نهدي والدته.

ورغم أنّ عنوان الفيلم يحيل إلى اسم رجالي، إلّا أن المتفحّص في تفاصيله يغرق في عالم نسوي باستثناء "سليماني" الرجل الذي يحب "عبلة" ويودّ الزواج منها وكأن المخرجة لخّصت في نظراته وابتسامته وجه المجتمع الجميل الذي لاترتديه إلا قلّة قليلة.

وفي الفيلم بدا منزل " عبلة" التي تعيش وابنتها من بيع الحلويات التقليدية شبيها بمرفأ السلام الذي لجأت إليه "سامية" لتهرب من النظرات التي تخز بطنها وروحها، وداخل جدران هذا المنزل تعاقبت حروف قصّة ضاربة في الانسانية.

فالإنسانية فقط من دفعت " عبلة" إلى إيواء "سامية" في منزلها دون أن تعرف شيئا عن ماضيها، والإنسانية فقط تجعلك تبتسم حينما  تعانق الأم وليدها وتذرف الدمع وهي تحاول أن ترسم له قدرا أفضل من قدرها.

وعند الإنسانية تلتقي الشخصيات الخمسة للفيلم "سامية"، و"عبلة"، و"وردة" و"سليماني" و"آدم"، إمرأتان إحداهما أرملة والثانية حملت دون زواج في مجتمع نظرته للمرأة دونية في الأصل، وطفلة تتمثّل والدها في أمّها، وطفل مازال لم يفقه من أين أتى ولا كيف أتى، ورجل يحاول أن يستميل قلب الأرملة.

وفي مساحة ضيّقة جعلت منها "سامية" و"عبلة" أرحب من الكون تتغير الإثنتان وتلقي "عبلة" رداء الحزن عنها وتسدل خصلات شعرها الناعم وتغرق عينيها كحلا وترقص على إيقاع "بتونس بك" لوردة الجزائرية بعد ان هجرتها لسنين.

وعلى إيقاع صحكات " وردة" التي تبعث الدفء في الزوايا والتفاصيل وبكاء " آدم" الذي لا يعرف شيئا عن مصيره ولكنّه نجح في أن يليّن من قلب أمّه التي رفضت أن تسقيه حليبها في البدء وأعرضت عن صراخه.

ودون مبالغة في الأداء نجحت الممثليتن لبنى ازبال ونسرين الراضي في ترجمة مجنة جمعت بينهما في مجتمع يضادد المرأة، وبتعبيراتهم الدرامية التي تظافرات فيها النظرات والأداء الصامت الذي تقول فيه العيون قولا أبلغ من الكلمات حبكتا مواقف بدت واقعية جدّا. 

والمنحى الدرامي في الفيلم يستند إلى سرد بسيط وعميق في ذات الآن، سرد تترسّخ فيه لحمة الشخصيات كلّما دنا من النهاية حتّى يخيّل إليك أنهم جسد واحد أو أنّهم قد نزلوا من بطن واحدة، هي المحنة قادرة على تجميع المشتت.

وان كان ماضي "سامية" مجهولا فإن مستقبلها أيضا مجهول وهي التي تحمل وليدها وحقيبتها وتغادر منزل "عبلة" بعد أن جعلتها تتصالح مع واقعها وبعد أن عرّت مكامن القوّة في المرأة، تغادر بلا سبب واضح ولكن إلى أين المسير؟ سؤال ملحّ تفرضه النهاية المفتوحة للفيلم الذي أهدته المخرجة لأمها، تلك المرأة التي بعثت فيها الحياة.

وفيلم "آدم"  ينتصر للمرأة في ضعفها ويغلّب الانسانية على نظرة المجتمعات البالية التي ينصّب فيها البعض أنفسهم حكّاما وقضاة يأخذون الأنثى طيلة حياتها بذنب ارتكبته لحظة وهم ويتفنون في نعتها بنعوت قاسية ابتدعتها عقولهم ونفوسهم المريضة.

وفيه قراءة سينمائية لمشاعر انسانية كامنة نجحت المخرجة في اقتلاعها من داخل ذوات نهشتها قسوة المجتمع، قراءة تسافر بك من العدم إلى الوجود ومن الموت إلى الحياة ومن اليأس إلى الأمل ومن الضعف إلى القوة، سيل من الثنائيات ينهمر عليك طيلة الفيلم لتعانق في النهاية أفقا مشرقا بغض النظر عن غياب ملامح واضحة لقرار "سامية.