09 فيفري 2020 21:13

مسرحية "السنترا"... أو فنٌّ كسر القيود

محمد علي الصغير-

ببادرة من المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بسوسة وبالتعاون مع ادارة السجن المدني بالمسعدين قدمت مساء اليوم الاحد 9 فيفري 2020 مجموعة من نزيلات هذه المؤسسة السجنية مسرحية "السنترا" من اخراج  مروى بن الشيخ سوقير والقنطاوي بن أحمد.

 
"السنترا"، هذا العمل الذي اشرف على ادارته فتحي قلص مدير دار الثقافة علي الدوعاجي بحمام سوسة، جاء ليفرج عن كم هائل من الطاقات والقدرات الفنية والفكرية كانت حبيسة الجدران والزنزانات والغرف المغلقة.
 
مقيمات السنترا، او الفضاء الذي يجمع السجينات داخل "المعتقل" تحولن على ركح المسرح البلدي بسوسة الى نجمات تتلألأ في ظل الديكور والتوضيب الركحي الذي قام على ثنائيات متضادة بشكل كبير الفرح والحزن، الضحك والبكاء، الغناء والنحيب واللطم، الظلمة والسواد... سواد يعكس حالة اليأس والغبن والخوف والاضطراب التي تسكن نفوس هته السجينات... سواد تتخلله احيانا بعض الومضات الضوئية التي تنبعث منها فسحة من الأمل. أمل في غد أفضل، ربما. 
 
وقد جاء هذا العمل الفني الراقي ليؤكد مرة حاجتنا الملحة الى القطع مع الأحكام السائدة والرائجة حول السجينات. العديد من المشاهد التي تضمنتها هذه المسرحية تحمل في طياتها خطابا مباشرا وصريحا ودعوة ملحة للمجتمع الى مراجعة النظرة النمطية المتحاملة على المرأة التي رمتها الأقدار او الظروف القاسية وراء القضبان. هذه المرأة هي بدورها ضحية لموقف ما او حادث عابر في ظاهره لكن وزره حوّل هذه الضحية الى فريسة سهلة للمكائد والدسائس والتنكيل بالشرف والعرض.  
 
وقد نجح القائمون على هذا العمل الفني الاستثنائي والفريد من نوعه، بالنظر الى انه اول عمل مسرحي يضم نساء نزيلات السجون، في اثارة اهتمام المشاهدين الذين تفاعلوا بشدة مع العديد من المشاهد. ولئن كان الهدف أساسا من هذا النوع المسرحي هو الترفيه وإدخال البهجة والسرور على المشاهدين، الا أن هذا لم يمنع بعض المشاهد التي تفاعل معها مؤدوها بطريقة احترافية غاية في الاتقان من إثارة عواطف ومشاعر الحاضرين الذين لم يستطيعوا حبس العبرات التي انهمرت تأثرا بقصص مؤلمة رددتها بطلات "السنترا".
وجود بعض السجينات اللاتي يمتلكن دراية فنية على غرار المسرح والرقص والغناء ساعد الساهرين على هذا العمل المتميز في ادارته وانجازه بطريقة محترفة. فالملاحظ لآداء بطلات هذه المسرحية لا يمكن له الا أن يعجب بالكم الهائل من المهارات والحنكة في التعامل مع النص المسرحي. 
مؤديات هذه الأوبرات التي دامت زهاء الساعة تحديدا أبدعن في التفاعل مع الوضعيات التي فرضها النص المسرحي الذي بدا متماسكا ومتماهيا مع العروض الموسيقية المستوحاة من اغنيات من التراث الشعبي التونسي المتداول في مختلف جهات البلاد ومع اللوحات الاستعراضية الراقصة.
 
ولعل هذا العمل الجريئ يكون القاطرة التي تقودنا نحو رؤية مجتمعية وثقافية متكاملة تقوم على ضرورة التفكير في ادماج نزلاء السجون ثقافيا واجتماعيا من خلال التكثيف من الانشطة الفنية والفكرية بمختلف أنواعها لكسر هذه القيود بين داخل السجن وخارجه.
 
هذا الجنوح نحو ما يصطلح على تسميته ب"الثقافة التضامنية" كفيل بأن يحول نزيل السجن من عنصر مجتمعي منبوذ ومرفوض الى كائن قادر، حال تجاوزه لمحنته الظرفية، على الاندماج بسلاسة صلب المجموعة بل وحتى التأثير فيها بالايجاب.
 
يذكر ان "السنتراإخراج  مروى بن الشيخ سوقير والقنطاوي بن أحمد، إشراف وإدارة  فتحي قلّص، كورغرافيا  منية الأخضر و حكيم العقربي.