07 نوفمبر 2019 07:00

في ذكرى السابع.. وصناعة الآلهة..

بقلم عبد الدايم السماري-
 
خريف العام 1988، وقبل حلول الذكرى الأولى لانقلاب بن علي ببضع أسابيع، كان السؤال يسري همسا بين الناس: هل سيكون يوم 7 نوفمبر، يوم عطلة رسميّة؟ هل سيصبح عيدا وطنيا؟ كيف يصبح عيدا، وقد ألغى الزين أعياد بورڤيبة؟
 
راج أيامها أن الرئيس، أو "المعلّم" كما كانوا يسمّونه في دوائر القصر وأجهزة الأمن، قد كرّر لمساعديه أن يوم 7 نوفمبر سيكون يوم عمل، مثله مثل أي يوم آخر.. وأن تونس بحاجة إلى كل ساعة بذل وعطاء، لا مزيدا من العطل وإهدار الوقت!..
 
لا أدري إن كان بن علي قد قال ذلك الكلام الكبير أم لا.. المهم أن آلة المديح من حوله، وأغلبها بورڤيبية المنشأ، كانت أقوى من أن يقدر على صدها.. والنفس البشرية الضعيفة ميّالة بطبعها للاستزادة من المديح، فما بالك إذا كان إنتاجا صافيا لمكنة طحين قديمة وذات خبرة في الصّنعة!!.
 
كان لا بد أن يكون "للتحوّل" عيده الخاص!. وكان لا بد من "صناعة" أسباب "معقولة" لذلك.. فنحن ألغينا أعياد بورڤيبة لأنها ذكريات شخصية، فكيف سنقنع الناس بعيد جديد، يمجّد بن علي، وتحوّله المبارك؟!..
 
وفّرت الذكرى الأولى، تبريرا "منطقيا" للاحتفال.. فقد جمع بن علي يوم 7 نوفمبر 1988 ممثلين عن كثير من القوى السياسية ليوقّعوا على وثيقة الميثاق الوطني، والتي اعتبرت في حينها المشروع السياسي لبن علي..
 
لكن الاحتفال، بعد ذلك، سيصبح "مشروعا"، وسيكون يوما وطنيا لتعداد مكاسب "العهد الجديد"، ولن يحتاج إلى تبرير من أحد!..
 
بتقدم السنوات، وتهرّي صورة "صانع التغيير"، تفتقت أذهان واضعي رزنامة العطل المدرسية والجامعية على تعويم يوم 7 نوفمبر داخل عطلة الخريف، تفاديا لأي مكروه!..
 
ومع كل العثرات، كان الاحتفال بالسابع من نوفمبر يكبر ويتصخم، و"المستفيدون" من موائده يتكاثرون بمرور السنوات.. ويبتدعون المزيد من الحيل لحلب بقرة العيد المجيد.. والضيوف المستقدمون من الخارج يأكلون الطعم، ويبولون على الصنارة.. يأخذون الشيكات، ويضحكون على تونس..
 
كان "التحول" يتضخم مثل منطاد.. والله أحد الله أحد، والزّين ما كيفو حد!..
 
لكن..
 
هذه المكنة التي تصنع الآلهة، لم تتوقف أبدا، بعد هروب بن علي.. لا بل إنها اهتزت، وربت، وأعطت خيرها.. فقد انتقلنا من مرحلة "التوحيد"، بتأليه زعيم واحد، إلى حقبة الوثنية السياسية، بوجود إله لكل حزب أو جماعة!..
 
فلا تخجلوا من الاحتفال بيوم 7 نوفمبر..
 
كلّنا ذاك الرجل!..