20 جوان 2019 09:10

"استقالة" السبسي من الشأن العام: قبول بالهزيمة أم هدوء يسبق العاصفة

مروى الدريدي-

تواترت الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تونس والحوادث التي أثارت الرأي العام وخلفت غضبا كبيرا لديه، في مقابل غياب لأي تدخل أو أي تأثير يذكر لأحد رؤوس السلطة التنفيذية وهو رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، إلى أن دفع بالبعض إلى التساؤل عن سبب غيابه واختياره الصمت إزاء مشاغل التونسيين والأزمات التي تعصف بهم، وأيضا عدم تدخّل وفقا لما يضبطه له الدستور لمعالجة الأزمة السياسية الخانقة التي فاقمت الأزمتين الاقتصادية والاجتماعية.

ولسائل أن يسأل ما سرّ هذه الاستقالة الرمزية؟ ولماذا ابتعد الباجي قائد السبسي عن مشاغل المواطنين وبات في معزل عنهم؟

بصماته النادرة كانت سلبية.. 

في هذا السياق، رأى أستاذ الاتصال والمحلّل السياسي منير الشرفي، أنه بالرغم من أن الدستور التونسي الحالي لا يمنح الكثير من الصلاحيات لرئيس الجمهورية، إلّا أن الكثير كان يعتقد بأن شخصية الباجي قائد السبسي ستكون أكبر من كرسي الرئاسة لما أبداه من حنكة أثناء الحملة الانتخابية سنة 2014.

وقال منير الشرفي لحقائق أون لاين: "وبعد تعثّر "الخطّيْن المتوازييْن"، كنا نظنّ أن التقاءهما يُخفي دهاء سيجعله منتصرا على جميع منافسيه ومعارضيه، وها أن عهدته الرئاسية تُشرف على نهايتها وهزائمُه تتراكم".

وتابع الشرفي: "فلا مقترح القانون الذي قدّمه حول المساواة في الميراث بين المرأة والرجل قوبل من طرف مجلس نواب الشعب، ولا حماسه في معالجة ملف الجهاز السري لحركة النهضة بتكثيف اجتماعاته في هذا الغرض مع مجلس الأمن القومي أدّى إلى نتيجة، ولا الجهد الجبار الذي بذله لفرض ابنه خليفة له في حزب "نداء تونس" أتى أُكله، حتى أن الملاحظين السياسيين أصبحوا مُجمعين على أن قائد السبسي لم ولن يترك أي بصمة تُذكر في قصر قرطاج، إن لم نقل بأن بصماته النادرة كانت سلبية".

واستدرك الشرفي قائلا: "رغم كل ذلك، يُذكر أن الرئيس نجح، إلى حدّ الآن، في أن يُسجّل حضوره إعلاميّا بين الحين والآخر بشكل يجعل التونسيين يتذكرون أن لهم رئيسا، مع أن مداخلاته وخطبه، رغم وتيرتها وطولها، كثيرا ما يُتابعها المواطنون دون أن يبقى في أذهانهم شيء يُذكر منها".

وحتى الخطب وفق محدثنا، التي يطغى فيها الشكل على المحتوى غابت هي أيضا، ما يضعنا أمام احتمالين اثنين، "الأوّل إمّا أن السبسي قبل بهزيمته أمام النهضة والشاهد الذي افتكّ منه السلطة، كما يئس نهائيا من فرض ابنه كرجل سياسي في البلاد، وبقي جالسا على كرسي بورقيبة ينتظر ساعته ويعدّ الأيام التي بقيت له هناك".

أما الاحتمال الثاني، وهو الذي يُؤكّده العارفون بشخصيّة الباجي الذي لا يقبل الهزيمة ولا يغفر لخصومه "أخطاءهم"، فيتمثل في أن صمته الحالي ليس سوى الهدوء الذي يسبق الزوبعة، وفي هذه الحالة، قد يكون الرئيس بصدد اعداد مبادرة يُفاجئ بها الجميع قبيل مغادرته قصر قرطاج ويأخذ بثأره من كافة خصومه، أو من البعض منهم على الأقلّ، على أمل أن يذكر له التاريخ ما سيقوم به في الربع ساعة الأخيرة من عهدته.

تقصير دستوري.. 

من جهته قال أستاذ القانون الدستوري جوهر بن مبارك، إنّ رئيس الجمهورية لديه مجموعة من الصلاحيات التي يمارسها بشكل عادي لكن مع وجود نقائص، كما نلاحظ أن الباجي قائد السبسي خيّر الابتعاد عن الأزمات السياسية والصراعات الحزبية وهو أفضل ما يمكن أن يفعله أي تجنب التجاذبات السياسية وأن يكون في منأى عنها.

 ولاحظ جوهر بن مبارك أن هناك واجبات دستورية محمولة على عاتق الباجي قائد السبسي، إلا أنه وقع في تقصير بسبب فشل البرلمان إلى حد هذا اليوم في انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، فبالرغم من أن السبسي لا يستطيع أن يجبر المجلس على الاسراع في المصادقة على تركيبة أعضاء المحكمة الدستورية إلاّ أنه يستطيع الضغط عليه بتوجيه المراسلات وأن يخاطبهم مباشرة أمام الشعب لكنه لم يفعل ذلك كأن الأمر لا يعنيه.

من ناحية أخرى بين جوهر بن مبارك أن الباجي قائد السبسي ليست له الأدوات السياسية للتأثير على القرار الاقتصادي والاجتماعي بل هو في موقف ضعف سياسيّا ويُنهي أشهره الأخيرة من عهدته فقط، لافتا إلى أن مصداقيته كرئيس جمهورية ضعفت إلى درجة لم تعد تخوّل له أن يكون مؤثرا في الرأي العام أو في الفاعلين السياسيين.

واعتبر بن مبارك أن رئيس الجمهورية فقد الكاريزما والأدوات التي تمكنه من أن يتدخل ويؤثر، وبات من الأفضل له أن يكتفي بواجباته فقط إلاّ إذا تدخّل وفقا لصلاحياته الدستورية للضغط على البرلمان لانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، على الأقل.