26 مارس 2019 19:30

هنا القصرين: شباب يتلو آيات الفن على أعتاب الإرهاب

يسرى الشيخاوي-
 
في القصرين وجهان للحياة أحدهما عابس والآخر مبتسم، أما العابس فهو ذلك الوجه الذي صنعه شبح الإرهاب من ناحية والتهميش من ناحية أخرى، وأما المبتسم فهو ذلك الوجه الذي رسمته أنامل شباب يحيا بالحب والحلم.
 
في نفس الولاية، تأتيك أنباء عن أحداث إرهابية وعمليات أمنية استبقاية ومداهمات لمنازل الأهالي القاطنين في سفوح من قبل الإرهابيين وحتى اعتراض سبيلهم وقد ينتهي الأمر بفصل رؤوسهم عن أجسادهم، وتأتيك أيضا أنباء عن شباب  يقاومون قتامة الواقع بالفن.
 
هنا القصرين، حيث يتلو الشباب آيات الفن على أعتاب الإرهاب العابر، هنا تقام فعاليات الدورة الثالثة مهرجان الشباب الذي تنظّمه جمعية الفن السابع من الثاني والعشرين الى الثامن والعشرين من مارس الجاري.
 
الفن.. حياة ومقاومة 
 
هم شباب تعوزهم الإمكانيات المادية ولكنهم يتسلحون بالإرادة والأمل في مواجهة واقعهم، تحرّكات إرهابية تأتي دون شابق إنذار، بنية تحتية تبعث  على الرثاء وتنمية اضطربت عقارب دورانها، يواجهونها بمبادرات ثقافية وأعمال فنية ولدت من رحم المقاومة.
 
والأعمال الفنية في نظرهم سلاح لمقاومة الواقع وتعبيرة من تعبيرات الحياة، يستجيرون بالفن من سطوة الواقع ويعبرون عن ذواتهم المتمرّدة والثائرة.
 
في الطريق إلى القصرين، تهتز الحافلة كلّما عبرت المطبّات، فتذكّرك بأنّ البنية التحتية في الدواخل تصرخ من فرط الإهمال، وعلى جانبي الطريق تجتمع قطرات الأمطار التي رافقت حافلة الصحفيّين حتّى تكاد تغمر جذوع الأشجار.
 
 وأنت تعبر، وسط المدينة على وقع زخات المطر التي كان صوت ارتطامها على زجاج نوافذ الحافلة يتلاشى شيئا فشيئا، لتمضي إلى  المركّب الثقافي بالقصرين لمواكبة عرض أوبيريت عالية في إطار مهرجان الشباب بالقصرين.
 
و"أوبريت عالية"، فضاء اجتمعت فيه شخوص ولدت من رحم الذاكرة وأحداث ممتدة في عمق الجهة، هي محاكاة فنية لواقع البنى المجتمعية في بيئة قبلية، هي مشاهد درامية موشّحة بالتراث أنتجتها جمعية البعد السابع وأخرجها الطيب الملايكي.
 
وعلى ركح المركب الثقافي بالقصرين، اجتمع أربعون فنانا  ليجسدوا أحداث ملحمة عشق تنتهي إلى شهادة "عالية" و"عياش" في سبيل حبّهما، هم شباب زادهم الحلم والأمل نبشوا في ذاكرة القصرين لتكون "أوبريت عالية" امتدادا في عمق الجهة بلمسة إخراجية راوحت بين البعد التراثي والعصري.
 
وعالية هي قلب الحكاية، هي صبية ذات حسب ونسب هام بها أبناء عمومتها " حطّاب" و"ذياب"، ولكنها أعرضت عنهما وظل قلبها ينتظر فارس أحلامها الذي عانقته في عالم آخر.
 
وفيما "حطاب" و"ذياب" يتصارعان لنيل ود "عالية" كانت هي و"عياش" الفارس الغريب عن الديار الذي انقذته بشربة ماء، كانت تخالف تقاليد القبيلة بكل ما اوتيت من فرح، إلى أن صارت حديث الألسنة وحل بها غضب والدها شيخ القبيلة، ولم يغفر الاب زلة ابنتها وافتتح مزاد خطبتها.
 
الصراع بين أبناء العم على أشده والهوة بين الأب وابنته آيلة إلى الاتساع، وهروب "عالية" و"عياش" من القبيلة بات أمرا محتوما مادامت نواميس القبيلة لا تبيح حب الغريب.
 
وكان أن لبت "عالية" نداء الحب، ولم تكن تعلم أنها ستجد الأسد في انتظارها قرب العين، أسد حذرتها منه العجوز التي حملت رسالة " عياش" إليها"، ولم يطل مقام "عياش" في الحياة وكانت طعنة" حطاب"، الذي التهمت الغيرة قلبه حينما رآه حاملا رأس الأسد دليلا على ثأره ل"عالية"،كفيلة بأن ترسل روحه حيث حبيبته.
 
هو ليس العرض الاول ل"أوبريت عالية" ولكنه كان عرضا بنكهة مغايرة، عرض تجلت فيه مواهب شباب الجهة في الرقص والغناء والتمثيل وحضره أهالي الجهة، وحكاية عشق "عالية" و"عياش" خلدها الرقص والموسيقى والفن، وكان ركح المركب الثقافي بالقصرين فضاء تواترت فيه  اللوحات الفنية التي لم تخل من ترابط وتناسق.
 
والعرض لم يكن مجرد محاكاة لقصة واقعية بل كان برهانا على أن القصرين وجها آخر مشرق، فهنا شباب يجعل من الصعوبات بساطا يمرون فوقه ليعبروا إلى ضفة أخرى بعيدا عن أخبار الإرهاب والتهريب، هنا شباب يتشبث بأجنحة التراث ليحلق بالذاكرة الشعبية خارج حدود القصرين، هنا شباب تدرب لسنة كاملة ليزين الركخ بألوان الحياة وموسيقاها، هنا شباب يتلو آيات الفن على أعتاب الإرهاب العابر.