21 مارس 2019 13:50

تستور مفخرة باجة: معالم تاريخية مميزة تتنظر إحياءها

مروى الدريدي-

مدينة تحيط بها الجبال الرواسي تسرّ الناظرين، أرض طيبة مباركة بعراقتها وأصالتها بجغرافيتها المميزة وتاريخها الثري، إنها تستور إحدى مدن مطمورة روما باجة.

ولم تأت تسمية ولاية باجة بمطمورة روما من فراغ، فخصوبة أراضيها ووفرة أمطارها ومحاصيلها ومرور أكبر نهران بتونس منها (وادي مجردة ووادي الزرقاء)، كلها سيمات جعلتها أرضا طيبة، لكن ثراء باجة لا يقف عند مخزونها الفلاحي بل يتجاوز ذلك إلى مخزونها التراثي الكبير والذي حضيت مدينة تستور بمُعظمه.

تستور إذن مدينة يفوح من جدرانها ومعالمها وأزقتها عبق التاريخ والأصالة فتنتشي لتطلق العنان لبصيرتك حتى تتفكر وتتدبر اثار السابقين، وقد حظي مجموعة من ممثلي وسائل الاعلام بزيارة لهذه المدينة، نظمتها وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، بالتعاون مع المعهد الوطني للتراث، وخصصت للمعالم التاريخية والمواقع الأثرية بولاية باجة، وهي كلّ من مدينة تستور وعين تونقة والموقع الأثري بدقة.

هذه الزيارة وغيرها من الزيارات التي نظمتها الوكالة والتي تتنزل في إطار البرنامج الوطني "مدن الحضارات"، تهدف إلى تثمين التراث المادي واللاّمادي وبعث الروح في المواقع والمعالم والمتاحف التي تزخر بها بلادنا، فضلا عن المساهمة في تكوين ثقافة سياحيّة لدى جميع شرائح المجتمع، وحثهم على اكتشاف المخزون التراثي والتاريخي لتونس.

 

 

وكان لبرنامج زيارة مدينة تستور الأثر الطيب في نفوس الزائرين، لما تزخر به هذه المدينة التاريخية التي مرت عليها جميع الحضارات تقريبا، اللوبية والفينيقيّة والقرطاجية والرومانية والبيزنطية والاغلبية والاندلسيّة، من ثراء حضاري كبير ومتنوع شهدته هذه المدينة، فكان المنطلق من بطحاء الرحيبة فالجامع الكبير فدار حبيبة مسيكة إلى زاوية سيدي نصر القرواشي وموقع عين تونقة الأثري، وصولا إلى الموقع الأثري بدقة.

بطحاء الرحيبة
تحدث رئيس جمعية صيانة المدينة بتستور رشيد السوسي عن بطحاء الرحيبة التي كان المهاجرون المورسيكيون يقيمون بها "الكوريدا" (مصارعة الثيران)، والتي تضم أول جامع أندلسي بها، الذي فقد صومعته بسبب القصف الأمريكي إبّان الحرب العالمية الثانية
 
 
بطحاء الرحيبة توجد بالمدينة العتيقة لتستور وغير بعيد عنها توجد "دار نوار" التي تتميز بجمالها وزخرفتها ومحافظتها على طابعها الاندلسي الأصيل، مكان يفوح منه عبق شجرة النارنج وعبق التاريخ والتراث.
 
 
جمال المدينة العتيقة تشوبه عدة نقائص أهمها العناية بالبنية الأساسية والتهيئة والترميم، خاصة للزوايا والمآذن المهدمة أو الآيلة للسقوط، فضلا عن عدم استغلال خصوصيّات البناء التقليدية في هذه المنطقة كالآجر الملآن والقرميد والرماد والجبس، لإضفاء طابع موحد خاص على المدينة، وفقا لرشيد السوسي.
 
الجامع الكبير 
 
من مفاخر مدينة تستور هو الجامع الكبير بمختلف محتوياته ورموزه وأقسامه وطريقة بنائه، فمئذنته المتفردة بها قسمان، قسم سفلي مربع سني مالكي وقسم مثمّن حنفيّ وبها نجوم لداود وثلاث كرات رمزية فوقها مرياح، هي مثال للتسامح والتعايش بين الديانات الثلاث الذي شهدته تستور.
 
 
يقع الجامع الكبير بتستور الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1630، وسط المدينة العتيقة وهو يجسد فن العمارة الأندلسية، كما تنفتح واجهاته بنوافذ صغيرة مزدوجة وغنية بالزخارف المصنوعة من الزليج، استعمل في بناء الجامع الحجر الجيري والجليز والرخام الإسباني إضافة إلى الخزف الملون والقرمود، واستعمل في بناء المحراب الآجر البارز.
 
من مميزات هذا الجامع أيضا ساعته المعكوسة العجيبة التي عادت إلى العمل بسعي من جمعية صيانة المدينة بتستور بعد ثلاثة قرون من توقفها سنة 2014 وربطها بالأقمار الصناعية، وهي أوّل ساعة ميكانيكيّة معلّقة على مئذنة في العام الإسلامي، ثبّتها الأندلسيّون المؤسسّون للمدينة.
 
 
أصبح الجامع الكبير بتستور مشهورا محليا وعالمياً حيث يأتي السياح والزوار من كل المدن ومن كل أنحاء العالم لزيارة المدينة التاريخية الأندلسية تستور ولزيارة الجامع، وهو ما يدعو السلطات المحلية والمركزية إلى تحمّل مسؤوليتها في الاهتمام بهذه المدينة ومعالمها واحيائها لتكون منارة للسياحة في جهة الشمال الغربي ككلّ..
 
دار حبيبة مسيكة
 
أصبحت دارا للثقافة يرتادها جميع الشرائح العمرية، كانت دارا للفنانة التونسية اليهودية الأصل حبيبة مسيكة بناها لها قبل 1930 اليهودي إلياهو ميموني، الذي لبّى لها جميع رغباتها من حيث التزويق واختيار الألوان والرخام إذ كانت تطلب من كل شيء أفخره وأجوده (للتعرف على قصة حبيبة مسيكة يرجى الضغط على الرابط).
 
 
هذه الدار تنقصها العناية إذ أنها تفتقر للتهيئة، ويمكن أن تصبح متحفا فنيّا رائعا يرتاده الزوار مثلما عبر عن ذلك رئيس جمعية صيانة المدينة بتستور رشيد السوسي.
 
 
زاوية سيدي نصر القرواشي
 
اشتهرت هذه الزاوية بقبتها الخضراء التي تجاورها أخرى بيضاء أصغر منها وأقل ارتفاعا، وبينهما ثالثة، يلاصقها سقف بيت الصلاة بمنحدريه المغطيين بالقرميد المحلي، وبها ضريح الولي المزار وضريح ابنه سيدي عمار، وتنتشر قبور أحفاد الولي في عدة أماكن وخاصة في الصحن.
 
 
إن المثال المعماري لزاوية سيدي نصر بفضاءاتها المتكاملة واضح وموافق لوظيفتها كمدرسة قرآنية لا تختلف عن مدارس المدن، لأن مؤسسي القرى الأندلسية وبعد قرن من المحافظة على الأشكال الإسبانية في مبانيهم، أخذوا يندمجون في المعمار التونسي مع تطعيمه ببعض الملامح الأندلسية.
 
لكن بدا الاهمال واضحا على هذه الزاوية التي أضحت خرابا ولعلّ الصور أبلغ من الكلام التي تلخص وضعية هذه الزاوية.
 
 
 
الموقع الأثري عين تونقة
 
عين تونقة اسم حديث لهذا المكان وقديما سمّي "تكنيكا"، وتعني عين ماء، وهو موقع أثري به معالم رومانية من حمام وقوس نصر ومعبد ماركور، كما أن به معلم بيضوّي "كوليزي"شبيه بالجم وموقع أوذنة.
ومن أكبر المعالم الموجودة بعين تونقة هو الحصن البيزنطي الذي يتميز بحجارته الرّومانية.
 
 
هذا الموقع التاريخي لم يحظ إلى اليوم ببرنامج لفتحه للزائرين، وغير مهيّأ للسياحة الداخلية، ما حال دون تثمينه ضمن التراث العالمي على غرار موقع دقة، وفقا لما أفاد به محافظ الموقع الأثري بدقة، محمد علي الشهيدي، داعيا وزارة ثقافة إلى الاهتمام به والعمل على فتحه للعموم لأنه سيخلق نشاطا ثقافيا لجهة تستور.
 
مدينة تستور ثرية بمعالمها وأعلامها من كتاب وشعراء وفنانين، هي عروس الشمال الغربي ومفخرته ونقش على جدران التاريخ، التي تنتظر لفتة من السلط الجهوية والمركزية لصيانة مدينتها العتيقة والحفاظ على معالمها لتكون قبلة للسائحين، خاصة وأنها تحوز على كل المقوّمات التي تجعل منها مدينة تاريخية رائدة في المجالين السياحي والثقافي.