18 مارس 2019 14:58

الياهو ميموني وحبيبة مسيكة.. قصة حب أنهتها ألسنة النار ولعنة الوالدين

 مروى الدريدي-

رغم مرور عقود من الزمن على مقتل المغنية التونسية اليهودية حبيبة مسيكة حرقا على يد عشيقها، إلاّ أن السؤال الذي ما يزال يتبادر إلى الذهن، كيف يقتل شخص من يحبّها بطريقة بشعة ويقف موقف المتفرج وهي تذوب أمامه حرقا؟ 
 
إلياهو ميموني عاشق حبيبة مسيكة من أغنى أغنياء تونس كان يزن الذهب "اللّويز" الذي يملكه، بواسطة سطل (القلبة)، لكن في مقابل ذلك كان بخيلا جدّا مع والديه ويحرمهما من ماله، وكان والداه يأتيان إليه لطلب المأكل والمشرب فيطردهما، وفقا لما أفاد به رئيس جمعية صيانة مدينة تستور رشيد السوسي، في إطار زيارة نظّمتها وكالة احياء التراث والتنمية الثقافية إلى المعالم التّاريخيّة والمواقع الأثريّة بولاية باجة.
 
والده الأعمى كان يتحسّس جدران المنزل ويأكل "قشور الجير" هو وزوجته من كثرة الجوع، إلى أن دَعوا عليه يوما بالموت محترقا بسبب الجحود والظلم الكبيرين اللذين شعرا بهما. 
 
إلياهو ميموني كان مرابيا كبيرا، إذ يقوم الناس برهن اشيائهم لديه في مقابل الحصول على الذهب ثم يسترجعه بفائض، وكوّن ثروته بهذه الطريقة، وكانت له عديد الأعمال بالعاصمة التي كان يسافر إليها من مدينة تستور في كل أسبوع، وكان محلّ ترحيب كبير أينما حلّ.
 
الوجه الآخر الذي يميّز هذه الشخصيّة هو متابعته للعروض الثقافية، إذ كان حريصا على حضور العروض ووفيّا لها، من بينها عروض حبيبة مسيكة التي كان معجبا بجمالها وغنائها ورقصها وتمثيلها، وطلب منها الزواج فلم ترفض حينها أو تقبل بل ماطلته، على حدّ تعبير رشيد السويسي.
 
وكانت حبيبة مسيكة التي ولدت سنة 1903 إحدى أبرز مغنيّات وممثلات النصف الأول من القرن العشرين في تونس، قامت بالعديد من الأدوار المسرحية سواء في تونس أو في الخارج، كما تميّزت بجمالها الباهر الذي أسر إلياهو ميموني.
 
 
 
واستغلت حبيبة مسيكة حبه لها وطلبت منه أن يبني لها منزلا في تستور وكانت تشترط نوعا معينا من الرخام، كما كانت تفرض أن يكون لكلّ غرفة نوع مختلف من السيراميك، وكان إلياهو ميموني يلبي لها ذلك.
 
ومن الطرائف أن طلبت حبيبة مسيكة من عاشقها أن يبني لها "ماجل" في بيتها بتستور وأن يغلّفه بالرخام ويملأه بمياه زغوان لكي تشرب منه، وعندما سأل عن المدّة التي يستغرقها جلب المياه من زغوان علم أنها تستغرق حوالي 20 سنة عن طريق الحنايا.
 
وكان إلياهو ميموني يبلغ من العمر حينها 61 سنة وبإضافة 20 سنة التي يستغرقها جلب المياه سيصبح عمره 81 سنة، اي شيخا عجوزا ولن تتزوجه حينها حبيبة مسيكة فقرّر قتلها، وقبل أن ينفّذ عمليته، قام بتوزيع جميع أمواله ومنح منزل حبيبة مسيكة بتستور إلى الجامع الكبير كوقف (حبس)، وكان هذا التصرف محلّ استغراب الجميع فكيف ليهودي أن يمنح منزلا لجامع؟ (عند إلغاء الأحباس عاد المنزل إلى الدولة ومنذ 1978 أطلق عليه اسم "دار الثقافة ابراهيم الرياحي" وقد سمّيت على اسم ولي صالح أصيل منطقة تستور).   
 
 
ويوم 20 فيفري 1930 تحوّل إلياهو ميموني إلى العاصمة وشاهد مسرحية لحبيبة مسيكة، ثم انتقل إلى جناحها بالنزل الذي استقرت به بالعاصمة وانتظرها إلى أن دخلت جناحها ثم سكب عليها مادة سريعة الالتهاب وقام بإحراقها وبقي يتابع مشهد احتراقها ويتلذذ به، ثمّ امسكت به فانتقلت إليه النيران واحترق مثلها.
 
احترق الياهو ميموني ومات بعد ثلاثة ايام من موت معشوقته حبيبة مسيكة، لتحلّ به لعنة والديه، إذ كان يعلم أنه سيموت لكن عن طريق المحكمة والقضاء، إلاّ أن نار الحبيبة ولعنة الوالدين كانا أقرب من حكم محكمة الدنيا.