09 فيفري 2019 13:09

تظاهرة "تونس 88" في القلعة الكبرى: لا صوت يعلو فوق صوت الموسيقى


محمد علي الصغيّر-

عندما تعانق الكلمة الجميلة اللحن الشجي يخرج من رحم هذا اللقاء إبداع وسحر لا مثيل لهما. عندما يحلم شاب بأن الإبداع لا قيود له تتحرر فيه كل الطاقات الخامدة والمكبّلة. عندما تلتقي الإرادة والإصرار على التغيير بشباب يتقدون حياة وحبا للوطن وأملا في تغيير واقعه يكون النتاج ثمارا حلو الطعم مستساغا وجميلا.

هذه الكلمات هي أقل ما يمكن أن يوصف به الحفل الرائق والراقي "تونس 88 : قلوب وطنية" الذي نظمته ليلة أمس بفضاء دار الثقافة بالقلعة الكبرى، جمعية دروب للثقافة والتنمية بالتعاون مع جمعية محمد الزرقاطي للمسرح وفنون الفرجة.

مائة وعشرون شابا وشابا من مختلف الأعمار قدموا من كافة أرجاء الوطن لينشدوا جميعا ألحانا ويغنوا كلمات ليست كالكلمات. كلمات مفعمة بالحب والأمل وألحانا تقشعر لها الابدان وتطرب لها القلوب والآذان لفرط جمالها وتناسقها. هم ليسوا بعازفين محترفين ولا بأعضاء فرقة موسيقية ذائعة الصيت ولا حتى هاوية. هم بكل بساطة ثمرة فكرة ومشروع بسيط في ظاهره لكن سام وراق في هدفه ومحتواه. هم أبناء هذا الوطن جمعتهم فكرة آمنوا بها وأصرّوا على إنجاحها وترويجها كمشروع نموذجي لتكوين شباب قادر على أن يحلم وأن يحقق هذا الحلم ولو بأبسط الإمكانيات. 

ألحان بكل الالوان

الحاضرون الذين أبدوا تفاعلا مع ما قدمه هؤلاء الشبان اكتشفوا أسماء فنية أبدت عبر آدائها الجميل امتلاكها لأصوات شجية وساحرة. عازفة العود الأمريكية عليا سيكون التي تتقن اللغة العربية أدت وصلات موسيقية وموشحات وأغان لفنانين تونسيين على غرار الهادي الجويني ومحمد الجموسي وكذلك للموسيقار العربي مارسيل خليفة.  أغان مثل "حبي يتبدل يتجدد"، "تحت الياسمينة في الليل"، " يا معذبتني بزينك"، "عصفور طل من الشباك" وغيرها من الأغاني الخالدة التي لم يدم التمرين والتدرّب على آدائها أكثر من 12 ساعة، أداها الكورال المرافق للفنانة الأمريكية بكل تميز وباعتماد آلات موسيقية بسيطة جدا. لمسة الفنانة الامريكية واضحة جدا وهي التي تتقن ايّما اتقان العزف على العود وايقاعاته وأنماطه الموسيقية المختلفة.

 الموسيقى الكلاسيكية كانت حاضرة بقوة أيضا من خلال الآداء المبهر للفنانة ليليا بن شيخة ذات الصوت الاوبرالي الفتّان وكذلك الفنانة واستاذة الموسيقى المقيمة بفرنسا نور الهدى قويعة التي كشفت عن طاقات صوتية قوية جدا. الفنانتان التان أدتا قطعا موسيقية عالمية خالدة مثل "لا ترافاتيا" للموسيقار قيسيبو دي فاردي و"نشيد الفرح" لبيتهوفن وألحانا لموزار وشوبان بالتعاون مع الكورال والموسيقار كامبل نجحتا في إثارة اعجاب الجماهير الغفيرة التي لم تخف ولعها بهذا الفن الراقي من خلال الالتزام بالهدوء والتركيز التام مع كل هذه المقطوعات العالمية. الكورال المصاحب الذي سيكون حاضرا في الدورة القادمة لمهرجان الجم الدولي للموسيقى السمفونية صحبة فرقة موسيقية فرنسية، كان متميزا بجميع المقاييس وأدى مقطوعات عالية الحس ورفيعة المستوى أكّدت جودة العمل والجدّية التي أبداها كل الفريق الساهر على تنفيذ هذا المشروع المواطني الرائد.

عروض موسيقية أخرى تبدو بسيطة لكنها تنم عن افكار ورؤى إبداعية قدمتها مجموعات من التلاميذ بتأطير من الفنانة الأمريكية تيريزا لم تستغرق مدة الإعداد لها سوى يومين اثنين واستطاعت بفضل الآداء التلقائي من قبل التلاميذ أن تسترعي اهتمام الحضور.

"تونس 88" مشروع رائد

قبيل انطلاق الحفل الذي نجح في شد انتباه الجمهور على امتداد أكثر من ثلاث ساعات، أشار مجدي داود المنسق بين مشروع تونس 88 ووزارة التربية، وهو متفقد بيداغوجي وأستاذ موسيقى، الى أن هذا المشروع الذي انطلق منذ ثلاث سنوات وقد انتفع به قرابة 9000 تلميذ من كافة ولايات الجمهورية دون استثناء، يهدف الى تمكين التلاميذ من التعلم بطريقة مغايرة ومختلفة عن السائد وتدريبهم على مواجهة الأزمات والصعوبات عبر الموسيقى. 

وأشار داود الذي شارك خلال بعض العروض عبر العزف على آلة "الاورغ"، الى أن هذا المشروع المتفرد الذي أفضى الى حد الآن الى تأسيس 76 نادي موسيقى في المعاهد الثانوية التي تفتقر الى أساتذة في هذا الاختصاص المهم، هو نتاج شراكة بين جمعية "تنمية وتضامن" ووزارة التربية وبتمويل من البنك الأوروبي للاستثمار. 

من جهته، عبّر صاحب الفكرة والمشرف العام على هذا المشروع الموسيقار وعازف البيانو الأمريكي كامبل قالاقار، في حديث مع حقائق اون لاين، عن انبهاره بالمستوى الراقي للشباب التونسي الذي التقاه خلال العديد من الحفلات التي أمنها في تونس. وأضاف الموسيقار الأمريكي الذي عمّم هذه التجربة في العديد من الدول في مناطق أخرى من العالم أن "الدعم الحقيقي لقيه من وزير التربية السابق ناجي جلول الذي حرص على أن يتم تركيز نواد موسيقية في كل معاهد الجمهورية وخصوصا تعليم التلاميذ على العزف على البيانو التي استمد منها اسم هذا المشروع "تونس "88 وهو نسبة الى عدد أزرار هذه الآلة". 

وأكد كامبال على ضرورة تواصل هذا المشروع وعدم التشويش عليه لما له من فوائد على الناشئة خصوصا أن الموسيقى "تفتح نوافذ على العالم وتساهم في خلق قيادات قادرة على بلوغ الريادة في كل المجالات". ولم يخف في هذا السياق عزمه على المواصلة بكل إصرار لبلوغ هدفه الأسمى وهو بعث نوادي موسيقى في كل المعاهد دون استثناء ودون الحاجة الى مكونين قارين أو الى عدد كبير من الآلات والوسائل الموسيقية.

ترسيخ ثقافة الاستمتاع بالموسيقى الكلاسيكية

في تصريحه لحقائق اون لاين، أكد رئيس جمعية دروب للثقافة والتنمية سفيان الفقيه فرج حرص الجمعية التي نجحت في اقناع المشرفين على هذا المشروع في إقامة الحفل في مدينة القلعة الكبرى بعد ان كان مقررا اجراؤه في مدينة سوسة، على القطع مع النمطية في الاعتماد على الموسيقى السائدة و"جعل مدينة القلعة الكبرى قطبا مشعا في مجال الموسيقى السمفونية والكلاسيكية عموما، يضاهي في أهميته مدينة الجم التي تشتهر بمهرجانها الدولي السنوي للموسيقى السمفونية.

ويعتقد رئيس جمعية دروب أن كل العوامل والظروف ملائمة لبلوغ هذا الهدف خصوصا أن لهذه الجمعية تجربة ناجحة جدا من خلال تنظيمها دورتين سابقتين لتظاهرة "ليالي الموسيقى الكلاسيكية " التين شهدتا مشاركة عازفين وفرق سمفونية من تونس ومن خارجها خصوصا الاوركاستر السمفوني التونسي بقيادة المايسترو حافظ مقني آنذاك والذي اختتم الدورة الفارطة الملتئمة في شهر أفريل 2018. وتجدر الإشارة في هذا السياق، أن الاستعدادات صلب جمعية دروب تسير بنسق حثيث لتنظيم الدورة الثالثة لهذه التظاهرة التي أخذت بعدا دوليا وعالميا والتي ستلتئم أيام 26 و27 و28 أفريل القادم بدار الثقافة بالقلعة الكبرى.

"تونس 88 : قلوب وطنية"، هذا العرض الذي وصفه منظموه بالحدث التاريخي نجح في تقديم وعرض أنموذج لنتاج مشروع آمن الساهرون عليه بنجاحه عبر منح أبناء هذا الوطن من التلاميذ فرصة لتفجير طاقاتهم الإبداعية وتمثّل أفكار رائدة تحميهم من كل المخاطر المحدقة بهم وبهذا المجتمع وحتى يكونوا في المستقبل القريب قادرين على تغيير واقعهم وأن يكونوا فاعلين ومؤثرين.

* صور: توفيق دغمان