23 ديسمبر 2018 16:42

مسرحية "فركة صابون" في مهرجان الزيتونة يالقلعة الكبرى: تشريح للواقع السياسي والاجتماعي

محمد علي الصغير-

 

عن نص وإخراج للفنان القدير معز التومي، حلّت مسرحية "فركة صابون" في "طليتها الثانية" بمدينة القلعة الكبرى يوم أمس وذلك في إطار الدورة 38 لمهرجان الزيتونة الدولي بالقلعة الكبرى. هي المسرحية الوحيدة التي تمت برمجتها في هذه الدورة وقد علق المنظمون لهذه التظاهرة كل الأمل على نجاحها. وهو ما حصل فعلا.  
 
جمهور المهرجان الذي توافد قبل سويعات الى قاعة دار الثقافة التي احتضنت معظم العروض، لم يندم على هذه التضحية. الفنانان عزيزة بولبيار ومعز التومي نجحا حد الإبداع وأقنعا حد الإمتاع في تقديم عرض مسرحي صفّق له الجمهور طويلا. حضور ركحي متميز للمثلين واتقان للأدوار بالإضافة الى ديكور متكامل أتقن العاملون على إعداده في توضيبه وتجهيزه بالشكل المطلوب خلق عملا متكاملا وشيقا.
 
"فركة صابون" استطاعت في جزئها الثاني وفي قالب هزلي طريف أن تختزل سنوات من الحراك السياسي والاجتماعي في بلادنا. زينة وعزيزة، الشخصيتان رئيسيتان في هذا العمل، هما امرأتان مسنتان اختارتا العمل في مغسلة بإحدى دور المسنين. في بداية المسرحية استعرض الثنائي "زينة وعزيزة" جانبا هاما من حياتهما الرتيبة المليئة بالفراغ والوحدة. تتصادم المسنتان ولكن لا تتفارقان... تختلفان ثم تجتمعان... تحزنان ثم تفرحان... تبكيان ثم تضحكان... تموتان ثم تحييان... هي ثنائية قام عليها هذا العمل الذي تفاعل معه الجمهور بشكل كبير جدا...وللإشارة فإن "زينة وعزيزة" هما اسمان للأختين الراقصتين المتلازمتين "زينة وعزيزة" اللتان اكتشفهما الفنان رضا القلعي وظل اسمهما مقترنا أيضا بأحد أنواع الحافلات في بلادنا. هذه الحافلة المتراصة دائما بالكادحين والمهمشين من عامة الشعب.
 
 "زينة وعزيزة"، عزيزة بولبيار ومعز التومي هما شخصيتان متلازمتان أيضا بل منصهرتان في شخص واحد... هما هذا الوطن المقهور... هما الأم التي عانت من عقوق أبنائها الحالمين بالسلطة والمتكالبين على الكراسي والمصالح... زينة وعزيزة تغسلان وتنظفان على طريقتهما ملابس سكان دار المسنين وتطّلعان في كل مرة على دواخل أصحاب هذه الثياب... فتنصدمان من هول "القذارة" التي يخفيها هؤلاء تحت ثيابهم وبين ضلوعهم... 
 
"فركة صابون" قامت بتشريح وواقع مجتمعي أليم نحيا فيه اليوم بكل تفاصيله... مجتمع انقلب رأسا على عقب... السلطة وحب الجاه عمى الأبصار والأفئدة... جرأة الممثلين أجبرت الجمهور على التفاعل طويلا... شخصيات محورية في المشهد السياسي اليوم ذكرت بالإسم كالرئيس السابق المنصف المرزوقي أو الحالي الباجي قائد السبسي، أو النائبتين سامية عبو وبشرى بالحاج حميدة التان عادة ما تخلقان جدلا كبيرا في كل تصريحاتهما...
 
بين التصريح والتلميح نجح معز التومي وعزيزة بولبيار في استنهاض ذكاء الجمهور وفطنته. صور وإيحات عكست ظواهر مجتمعية غريبة غزت بلادنا في الفترة الأخيرة كالفتاوي التي ما أنزل الله بها من سلطان، أو ظاهرة الزواج العرفي التي غزت جامعاتنا وعقول شبابنا.قسم

مقالات ذات صلة

"زعمة ثورة؟".. تأويل فني لتساؤل وجودي

22 جانفي 2019 11:33

 يسرى الشيخاوي-   "زعمة ثورة" تساؤل وجودي قد يقفز إلى ذهنك إذا أمعنت التفحّص في ...

مسرحية "ليس بعد" في مسرح كورتينا: أما آن لليل أن ...

20 جانفي 2019 12:35

محمّد علي الصغير-   بعد جولة من العروض في العديد من جهات الجمهورية، حطّت يوم ...

" برتوفارينا" لابراهيم اللطيف: السينما في مواجهة ...

19 جانفي 2019 16:37

يسرى الشيخاوي-     السينما، هي ذلك المجال الابداعي الممتد في المجتمع، تعكس ...

"تراجيديا دولة الاستقلال".. كيف قتل بورقيبة ...

17 جانفي 2019 17:59

يسرى الشيخاوي-   ما انفكّ المؤرخون يهتمون بتاريخ الحركة الوطنية في تونس في ...

بمناسبة الذكرى الثامنة للثورة: صدور كتاب "الإعلام ...

16 جانفي 2019 15:37

 قسم الثقافة - أصدرت "دار سوتوميديا" للنشر بتونس والشبكة العربية لعلوم الإعلام ...

"لحن الثورة".. حينما يحتفي الفن بالثورة التونسية

15 جانفي 2019 14:29

يسرى الشيخاوي- في الوقت الذي ما انفكّت بعض الأصوات تشكّك في الثورة التونسية ...