13 ديسمبر 2018 09:50

عبد الحميد الجلاصي: إذا كان للسبسي شيء ضدّ النهضة فليستعمله.. الشاهد ليس أفضل رئيس حكومة.. والحديث عن محاولة الانقلاب عبث (حوار الجزء الأول)

 حاورته أمل الصامت-

هو الذي أشرف على فرع حركة الاتجاه الاسلامي الطلابي في المدرسة الوطنية للمهندسين بقابس سنة 1983، قبل أن يصبح المسؤول الطلابي لحركة النهضة بداية من سنة 1989، ليكون عضوا في مكتب الحركة التنفيذي سنة 1990، ثم يتم اعتقاله سنة 1991 ويمضي في السجن 17 من عمره، ويعود للعمل السري في صفوف الحركة من أجل إعادة تأسيسها.

هو عبد الحميد الجلاصي الذي كان بعد الثورة الرجل الثاني في حركة النهضة، ورئيس هيئة الانتخابات داخلها والمشرف على حملتها الانتخابية سنة 2014.

بعد المؤتمر العاشر لحركة النهضة، انسحب عبد الحميد الجلاصي بقرار شخصي منه، من جميع المناصب القيادية بالحركة واكتفى بعضوية مجلس الشورى، وبالمساهمة في النقاشات التي تهم الحزب سواء في الشان الداخلي أو السياسي، ويتفرّغ للكتابة التي تمثل له الكثير.

قرار الانسحاب من القيادة والجدل القائم حول وجود تنظيم سري داخل حركة النهضة مورط في اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي من عدمه، وحقيقة وجود انشقاقات غير معلنة صلب الحركة، إضافة إلى الوجه الحقيقي لعلاقة النهضة برئيس الحكومة يوسف الشاهد.. كل ذلك تحدث عنه الجلاصي في حوار مطول لحقائق أون لاين ننقله إليكم الجزء الأول منه:

بعد نفي حركة النهضة لوجود تنظيم سري أمني داخلها مورط في اغتيال الشهيدي شكري بلعيد ومحمد البراهمي، هيئة الدفاع أكدت مؤخرا أنها واثقة من أن هذا التنظيم موجود ولكن هناك من هم في النهضة يرفضونه أو لا يعلمون به اصلا، ما هو ردكم على هذا المعطى الجديد؟

ان تبحث هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عن الحقيقة فهذا هو عملها، علما وأن الكشف عن الحقيقة في مثل هذه الجرائم الكبيرة التي مست من استقرار وأمن البلاد وهددت في وقت ما تجربتها الديمقراطية ليست الهيئة وعائلات الشهيدين وحدهم المعنيين بها بل تهم تونس بأكملها والنهضة أكثر طرف معني بها باعتبارها كانت طرفا في الحكم، وقرّرت الخروج منه على خلفية ما أثارته العمليات الارهابية في ذلك الوقت ومن ضمنها استهداف الشهيدين بلعيد والبراهمي من عدم استقرار.

إذن النهضة معنية وتريد الوصول إلى الحقيقة.. العائلات معنية ومن حقهم الوصول للحقيقة ونحن نتعاطف معهم.. الرأي العام معني ومطالب بالتهدئة، وهيئة الدفاع ذلك هو عملها، فقط من يريد البحث عن الحقيقة فليبحث عنها في مكانها الصحيح، وهذا هو الاختلاف الحقيقي بيننا وبينهم.. فعندما يكون هناك حديث عن تنظيم مواز أو غرفة سوداء أو آلة عجيبة لطحن الأوراق أو غيرها من المصطلحات المضحكة التي يطلّون علينا بها في كل مرة.. كل هذا مجاله الوحيد هو القضاء.

ثم الجريمتان مرّ عليهما أكثر من 5 سنوات شهدت أكثر من وزير عدل ووزير داخلية لا أعتقد أن جميعهم على علاقة وطيدة بالنهضة للتغطية عليها، وأتصور أنه رغم الصعوبات والعراقيل التي يمر بها القضاء إلا أنه في تطوّر مستمر وحتى لو لم يصل إلى الوضعية النموذجية إلا أنه تجاوز وضعية "قضاء تحت التعليمات"، كذلك بالنسبة للمؤسسة الأمنية التي تتقدم شيئا فشيئا في اتجاه الأمن الجمهوري.. وبالتالي فإن البلاد بصدد الانتقال بشكل تدريجي من نظام امني وقضائي استبدادي وخاضع للتعليمات إلى نظام أمني وقضائي حرفي.

إذن إذا كان لهيئة الدفاع في ملف اغتيال الشهيدين ما يدين حركة النهضة فلتذهب به إلى القضاء، لكن أن تنصب نفسها باحثا عن الحقيقة وحكما في نفس الوقت وتصدر أحكاما من يخرج عن سياقها هو خارج عن سياق الحقيقة.. هذا ما نرفضه في حركة النهضة ويجعلنا نعتبرها خارجة عن الموضوع ولا تقوم سوى بالتشكيك في المؤسستين القضائية والأمنية، وأكثر من هذا ما اظن أن رئيس الجمهورية الذي تعهّد قبل انتخابات 2014 ببذل كل المجهودات للكشف عن الحقيقة ثم يقضي 4 سنوات في الحكم وله علاقة وطيدة بحركة النهضة، يتورط في التغطية على جرائم شنيعة مثل هذه هي متهمة بارتكابها؟

قلتم إنكم ترفضون أن يتم تناول الموضوع خارج سياق القضاء، الآن هناك دعوى قضائية بخصوص "ملف الجهاز الخاص لحركة النهضة"، هل للحركة استعداد لمثول قياداتها المذكورة في الملف الذي قدمته الهيئة أمام القضاء بصفتهم متهمين؟

لمّا تدعوها جهة قضائية للإدلاء بشهادة أو مثول أمام ادعاء فحركة النهضة ستتعامل مع ذلك، لكن لن تقبل بابتزاز هيئة الدفاع ولا ان يمارس هذا الضغط والابتزاز على مؤسسات الدولة، وهي ترى في ذلك استثمار في الدم.. وأنا قلتها أكثر من مرة إنه سينتهي الأمر بالشهيدين إلى أن يخرجا من قبريهما ويقولا دعونا وحرروا دماءنا من الاستثمار السياسي غير اللائق.

وما أستطيع تأكيده، أنه لما تقوم جهة قضائية بذكر اسم أي قيادي أو مناضل بالحركة دون ضغط أو تلاعب سنتفاعل، ثم أن يتم استدعاء أي شخص لا يعني بالضرورة انه متهم، يستطيع مثلا ان يكون شاهدا أو لتوضيح وتجلية مسألة ما... نحن مواطنون في دولة ديمقراطية وكل ما يساعد أجهزة الدولة على كشف الحقائق سنكون على ذمته.

على كل نحن الآن في سياق انتخابي مع اقتراب سنة 2019، واللافت للانتباه تصاعد الحملة ضد حركة النهضة التي انطلقت منذ شهر أكتوبر الفارط في قمة الأزمة السياسية في البلاد، والتي من أوجهها انتهاء نوع من العلاقة بين النهضة ونداء تونس والسيد رئيس الجمهورية، إضافة إلى نوع من الصراع استجد بين القصبة وقرطاج، لتقوم هيئة الدفاع بالخروج لوسائل الاعلام بموضوع "التنظيم السري" ويصبح محور نقاش صباحا مساء ويوم الأحد، وهو ما يجعلني أشك ان هناك إرادة للبحث عن الحقيقة بقدر ما ان هناك خطا كاملا في تموقع انتخابي في برنامج انتخابي لطرف يعتبر أن حظوظه ضعيفة فيبني حملته الانتخابية على التقليل من حظوظ غيره.

بالحديث عن الوعد الذي قدمه رئيس الجمهورية بكشف الحقيقة في ملف اغتيال الشهيدين بلعيد والبراهمي، كيف تفسرون عودته، إثر عزوف عن ذلك طيلة 4 سنوات، وخاصة بعد اعلان انهاء التوافق مع حركة النهضة، للتعهد بالقضية، من خلال طرح ملف "التنظيم السري" في مجلس الأمن القومي؟

أولا أنا لم أقل نهاية التوافق مع رئيس الجمهورية، بل نهاية صورة ما من العلاقة مع رئيس الجمهورية ونداء تونس، لأننا في حركة النهضة نمارس السياسة بطريقة عقلانية، والسياسة تبنى على وقائع، والوقائع تقوم على أرقام، ولدينا رئيس جمهورية صعد بالانتخاب الشرعي الشفاف والنزيه حتى وإن كان هناك من لم ينتخبه فهو رئيس الجمهورية، وبالتالي نحن سنتعامل معه على هذا الأساس، وكذلك نداء تونس هو بالأخير، مهما كانت الخطابات، له كتلة مفيدة في البرلمان، وباعتبار أن سياسة البلاد تدار في البرلمان سنبحث عن مشتركات سواء سميناها توافقا أو التقاء أو أي شيء آخر المهم لا بد من إدارة البلاد إلى حين الانتخابات القادمة.

وبالنسبة لرئيس الجمهورية أنا لا اتصور أنه عزف عن البحث عن الحقيقة في ملف الشهيدين بلعيد والبراهمي، أنا أردت تبليغ الجبهة الشعبية التي قالت إن هناك ضغط من قبل حركة النهضة للتستر عن الحقيقة، بأن رئيس الجمهورية لم تعد له علاقة بحركة النهضة بنفس المتانة التي كانت عليها طيلة السنوات الفارطة، وإذا كان لديه شيء ضدها في هذا الخصوص فليستعمله.

نحن نؤمن بمؤسسات الدولة وكل ما يأتي عبرها بطريقة دستورية، ليس لنا تجاهه أي إشكال وليس هناك ما نخفيه لأننا نعلم جيدا ما قمنا به خاصة في فترات البلاد المضطربة (2013 و2014) عندما كان تنظيمنا مسخرا من أجل حماية التجربة التونسية، وإلى حد اللحظة مازلنا مستعدين لنكون جنودا للدولة التونسية عندما يتطلب الأمر ذلك...

ولكن في المقابل رئيس الجمهورية ليس قاضي تحقيق ولا وزير عدل، وإذا كان هناك قضية تمس الامن القومي ولا بد من التطرق إليها لا يزعجنا هذا، فقط لا يجب أن يتوقع أحد أنه يمكن للسلطة التنفيذية أو رئاسة الجمهورية أن تتدخل في أعمال السلطة القضائية.. هذا مرفوض ولا يمكن أن يقبل به الوضع الديمقراطي ولا الرأي العام الوطني خاصة بعد ان تجاوزنا المرحلة التي كان الحكم فيها للرئيس مطلقا بكثير من العرق والدم ولسنا مستعدين للعودة إلى الوراء.

إذن أنا أقول لهيئة الدفاع عن الشهيدين بلعيد والبراهمي والتي أعتبرها الذراع الاعلامي للجبهة الشعبية، اشتغلوا ما شئتم لكنكم في الوقت والساحة الخاطئين، ونحن في حركة النهضة إذا كان هناك شيء في مساره الصحيح لكشف الحقيقة في ملفي الاغتيال فسنتفاعل معه، وغير ذلك فنحن مهتمون بقضايا اخرى تنطلق مما يرغب في تحقيقه المواطن في البلاد من تنمية وتحسين مقدرة شرائية وتشغيل وحوكمة رشيدة، وبالتالي لدينا مساران متوازيان هما كشف الحقيقة في مساحاتها وبآلياتها الصحيحة ودون تدخل اي كان من جهة، واستمرار التجربة التونسية ونجاحها من جهة أخرى.

إذا كان هناك طرف رأى أن هناك قضية يستطيع أن يجعل منها عنوان تموقع سياسي وانتخابي وشعار مطامح انتخابية له ذلك، ونحن نشفق عليه لأننا نعتقد أنه لا فائدة من ذلك، وإذا كان هناك بعض المحامين الذين ربما يبحثون عن نوع من الشهرة يمكنهم ذلك، لكن حتى مع جلب اهتمام الرأي العام لبعض الوقت ربما ندخل في نوع من المسلسلات البوليسية من قبيل "المفتش كونان" و"تختخ" (مبتسما).

اليوم بعد النجاح مبدئيا في استمرار الحكومة إلى غاية إجراء الانتخابات القادمة، هل مازلتم على موقفكم بشأن ضرورة عدم ترشح الشاهد للانتخابات القادمة رغم أن الدستور يضمن له الحق في ذلك، وإذا كان الأمر كذلك هل هو خوف من أن يكون منافسا قويا أو ماذا؟

أولا في وضع ديمقراطي لا يمكن الخوف من اي شيء.. ما يخيف حقا هو الفراغ والارتباك، لكن التنافس النزيه والشفاف لا يخيفنا البتة، بل في حركة النهضة نذهب إلى أبعد من ذلك وبودنا ان نجد اطرافا مسؤولة تمارس السياسة في مربعاتها وبمضامين وأطروحات تستجيب لمطالب العامة وتنجح في إعطاء أمل وأفق، ويشرفنا أن تتجه بلادنا إلى منتظم سياسي قومي له أفكار وله مقترحات، ويتنافس كل طرف متموقع في جهة ما لكي نضمن التمثيل السياسي الشامل للجسم الانتخابي برمته حتى لا تبقى شريحة من المواطنين دون تمثيل سياسي وحزبي ممكن.

وموقفنا من عدم ترشح يوسف الشاهد للرئاسيات طرح في خضم نوع من التساؤل حول مدى توفيقه بين مهامه كرئيس حكومة وبين ما نسب إليه أو قُرأ وكأنه نوع من المطامح الرئاسية والسياسية، وفي إطار مشاورات وثيقة قرطاج 2 كان البعض يرى أنه لا بد من تغيير يوسف الشاهد نظرا لضعف أدائه وعدم تركيزه على تطوير عمل الحكومة جاءت الفكرة أنه يمكن الاتفاق مع السيد يوسف الشاهد أن يواصل بشرط أن لا يترشح، لكن في تقديري الآن أننا تجاوزنا تلك المرحلة وتجاوزنا اتفاق قرطاج 2، وما تبقى المقصد الأساسي والأهم وهو أن يركز الشاهد جيدا على متابعة عمل فريقه الحكومي، باعتبار أنه مازال أمامنا عام فقط حتى يشعر المواطنون ان القصبة ممسوكة وأن الفريق الحكومي متضامن وله فاعلية وقدرة على الانجاز والتواصل مع الناس. 

أن يكون للسيد يوسف الشاهد طموحات كرجل سياسي شاب هذا معقول جدا، وأن يتمتع بحقوقه الدستورية ذلك أيضا معقول جدا، لكن حتى لما دار النقاش في وثيقة قرطاج 2 على عدم الترشح لم نكن نناقش قضية دستورية بل كنا نناقش استعدادنا لنواصل سويا مقابل عدم الترشح، وإذا أراد الترشح يمكنه ذلك، لكن لا يمكنه أن يوفق بين طموحه السياسي وبين تسير الحكومة.. الآن أظن ان الأوضاع تغيرت، والمطلوب من هذه الحكومة التي نالت تزكية محترمة في البرلمان استشعار آلام الناس وما تبينه استطلاعات الرأي من مواطن العطب في البلاد وبلوغ الانتخابات القادمة بوضع مستقر، وأن يكون في نفس الوقت ليوسف الشاهد قدرة على بناء حالة أو المساهمة فيها بما لا يتناقض مع دوره كرئيس حكومة.

يعني التزام يوسف الشاهد بعدم الترشح للرئاسيات المقبلة من عدمه ما عاد يقلق حركة النهضة؟

مثلما أوضحت في وقت ما كان هناك نوع من التعاقد المعلن، أما الآن أنا أقول التالي.. دور حركة النهضة لم ينته يوم 12 نوفمبر 2018 الموافق للمصادقة على التحوير الوزاري الأخير، ففي نظام ديمقراطي يكون فيه للبرلمان صلاحية واسعة لا تعني تزكية الحكومة إعطاؤها صكا على بياض، نحن سنتابع هذه الحكومة وندعّمها وسنشجعها على النجاح من أجل التونسيين، ولكن ايضا سنراقب عملها، ودورنا الرقابي سيكون على مسارين الأول سياسي من خلال المشاورات المباشرة بين رئيس الحركة ورئيس الحكومة والثاني من خلال الكتلة البرلمانية، وإذا رأينا أن هناك نوع من الاختلال وأن الحكومة بقيت فارغة من أجل مشروع أو طموح سياسي سنقول لا، وإذا كان هناك توفيق بين حقه كمواطن في بناء مشروع سياسي ودوره كرئيس حكومة لما لا؟

ليست المرة الاولى التي تصوت فيها حركة النهضة لصالح حكومة يوسف الشاهد، ولكن اللافت للانتباه أنه لا يوجد تقريبا أي شهادة مباشرة من قبل قياداتها أو رئيسها حول تقييمهم لمدى كفاءة الشاهد وقدرته على إدارة الشأن الحكومي، وهنا السؤال المطروح هل تدعم النهضة الشاهد لثقتها به كرجل دولة أم فقط لضمان استقرار الوضع السياسي إلى حين انتخابات 2019؟

(مبتسما) نحن من سنة 2011 إلى اليوم صوتنا لكل الحكومات، ثم إن نظرية إما أبيض أو أسود ذهبت مع زمن الاستبداد، أما الوضع الديمقراطي فيتطلب مواقف واضحة.. حركة النهضة لم تصطف مع يوسف الشاهد كشخص بل كرئيس حكومة في وقت معين ولو كان مكانه أي اسم آخر لأخذنا نفس الموقف المبني على أساس أنه من غير المفيد للبلاد أن تشهد أي نوع من التغيير خاصة أنه قبل عامين كان هناك تغيير لحكومة السيد الحبيب الصيد، لكن نظرا لأن المشكل لم يكن في شخصه بل في مكان آخر لم نعالجه، وصلنا إلى نفس النتيجة وبالتالي إرباك الأوضاع مرة أخرى لن يكون مفيدا.

لكن نحن في حركة النهضة مع حكومة صوتنا لها في أوت 2016 وكذلك في نوفمبر 2018 علاوة على التصويت لصالح بعض الوزراء الجدد ضمن تعديل حكومي في وقت سابق، رغم هذا السيد يوسف الشاهد يشكو من نقص في التواصل والقدرة على ضبط الفريق الحكومي على الأقل في الفترة الماضية، ولكننا مطالبون اليوم بما أنه رئيس حكومتنا بعيوبه وإيجابياته أن نعمل على إعطائه الفرصة للنجاح لكن أيضا دون أن نكون حالمين كثيرا في ظل الوضع الصعب الذي تمر به البلاد.

وبالتالي يوسف الشاهد له عديد من الإيجابيات كما له العديد من نقاط الضعف القادر على تحسينها.

دعني أطرح عليك السؤال بطريقة أخرى، لو كانت لحركة النهضة بعد انتخابات 2019 الصلاحيات لاقتراح رئيس الحكومة المقبل، هل ليوسف الشاهد المواصفات التي يمكن أن تجعله من بين مرشحيها لهذا المنصب؟

(بعد تفكير) هذا يجعلني أتحدّث في المجرّد.. نعم ممكن.. لأنه في تقديري لم يرتكب أخطاء كبيرة وله قدرة جيدة على التعلم.. انا شخصيا خلال ملاحظتي لخطاباته خلال السنتين الفارطتين، الخطاب الأخير كان متقنا وتحدث فيه عن برنامج واضح، وبالتالي إن قلت لي هل هناك ما يجعله خارج قائمة المقترحين أقول لا، وإن سألتني هو أم غيره، أيضا لا أعلم.

وهذا يدل على أنه في وضع ديمقراطي يمكن توفير فرص لأشخاص قبل وقت قصير من الزمن كان لا يعرفهم أحد، لان يصبحوا بارزين، وهي رسالة لشباب تونس للاقبال على الحياة السياسية، ويوسف الشاهد من بين الذين أتيحت لهم هذه الفرصة ، ربما هو ليس أفضل رئيس حكومة، ولكن يمكنه أن يكون من بين أفضل رؤساء الحكومات الذين مروا على تونس.

قلت إن الشاهد ليس أفضل رئيس حكومة.. في تقييمك من كان أفضل رئيس حكومة في الفترة التي تلت الثورة؟

(يفكر معيدا طرح السؤال) إجمالا كل حكومة مربوطة بسياقات معينة في الفترة التي جاءت فيها، والبلاد مرت بأوضاع أصعب من أخرى، وربما أشدها تلك التي شهدناها سنة 2011، باعتبارها فترة انتقال.. وفترات حكم النهضة تعدّ من الفترات غير العادية نظرا لأنها كانت "في الصدافة"، وبالتالي لتحافظ على البلاد في ذلك الوقت ولتدير الأزمات التي تشكلت على خلفية الاغتيالات السياسية.. في تقديري أن التاريخ سينصف مرحلة الترويكا وحكومات الترويكا.

بعد انتخابات 2014، بدأ المشهد الحزبي ينحصر في أحزاب وائتلافات أقل من الفترة التي عقبت 2011، هناك من تلاشى بعد البروز ومن برز أكثر، وهناك أيضا تحالفات فاجأت الرأي العام والسياسيين على حد سواء على غرار انصهار الاتحاد الوطني الحر مع نداء تونس، في حركة النهضة كيف تقيمون هذه المستجدات؟

أفضل أن أتحدث في البداية عن تقييمي الشخصي، لأنني كمواطن سعيد بتقدم الديمقراطية في البلاد وتطور الآليات الحزبية في ممارستها.. لكن بعد 8 سنوات تقريبا من الثورة الأحزاب الموجودة حاليا ليست هي تلك الأحزاب التي كان ينتظر منها المواطنون الكثير بعد القيام بثورة وتأسيس للديمقراطية، للاسف معنى الحزب بصدد التآكل، لأن الحزب في العلوم السياسية يعني الحلم والنضال والبرنامج وخدمة المواطنين والهياكل والحوار الداخلي والتواصل والديمقراطية، وفي الوضع الحالي للبلاد لا نرى أحزابا كثيرة تحمل هذا المعنى.

الأحزاب أصبحت تتحول إلى ماكينات انتخابية وظيفية، تجمعات قبل انتخابات "حضبة" تلتقي من أجل الترشح ثم تضمحل، وهذا ما يشجع السياحة الحزبية والبرلمانية، نظرا لعدم وجود زمام رابط بين بين الناس يتمثل أساسا في الفكرة والقيم والمبادئ.. الأحزاب في تونس حاليا أصبحت أحزابا تلفزية دون أن تملك هياكل ومقرات وتقوم حقيقة باجتماعات.. نستطيع تفهم ذلك في مرحلة انتقال ديمقراطي لكن أخشى أن تشوش هذه الأحزاب "الجوتابل" على الحياة السياسية وحتى تسطّح الحوار السياسي وتتفهه.

ثم أنا راقبت قليلا نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، وهناك 3 أرقام تجعلني لا أنام كلما فكرت فيها، اثنان منها وطنية والثالث نهضوي، الأول عدد المشاركين في هذه الانتخابات والذي قدر بمليون و800 ألف ناخب مقابل 4 مليون و200 ألف ناخب في 2011 و3 مليون و600 ألف ناخب في 2014.. وهذا دلالته أن الطبقة السياسية الآن لها حكم مع تأجيل التنفيذ، وبلغة كرة القدم هذه ورقة صفراء، وأنا متأكد أن كثيرين ممن توجهوا إلى صناديق الاقتراع ليس حبا في الأحزاب التي انتخبوها ولكن من منطلق الواجب الانتخابي، ونجد من حاول اختيار الأقل سوءا في العرض الموجود، وهذا ما يجب أن يجعل الطبقة السياسية برمتها بمعارضتها وحاكميها ومجتمعها المدني وإعلامها تتساءل لماذا وصل الوضع إلى هنا؟

الرقم الثاني الذي يهمني هو الرقم النهضوي والذي تحول من مليون و500 ألف ناخب في 2011 إلى 950 ألف سنة 2014 إلى 530 في بلديات 2018، هذا التآكل في القاعدة الانتخابية يمكن للنهضويين أن يفسروه على أنه نتيجة لترهل القاعدة الانتخابية الوطنية، وربما هو أقل من ترهل قواعد انتخابية لبقية الأحزاب.

الرقم الثالث هو الذي يهم القاعدة الانتخابية لنداء تونس الذي انتقل من مليون و300 ألف ناخب إلى 350 ألف فقط.. يستطيع البعض أن يقول إننا في النهضة سعداء بذلك، ولكن هذا التحليل غير سليم، لأن عامل الخبرة بعد هذه السنوات جعلنا نقتنع أن الجسم الانتخابي يجب أن يكون متنوعا، وهناك قاعدة محافظة نحن نمثل الجزء الأكبر منها، وأخرى عقلانية عصرانية حداثية، مهما كانت المصطلحات لتوصيفها،  قدر على تجميعها نداء تونس.. الآن هذه القاعدة تعيش أزمة تمثيل، وإذا تواصلت هذه الأزمة لن يبقى أمامنا سوى خياران، إما عدم الذهاب إلى الانتخابات وفق قاعدة "نلعب وإلا نحرّم" وهذه كارثة تقود لاختلال في التوازن بالنسبة للتمثيلية، وهي أيضا كارثة لأنها ستقود بالضرورة إلى بلاد لا تُحكم.

هل تعتقد أن قواعدكم غاضبة منكم؟

نعم لأن ما يطلبه الناس من الساسة في الوضع الديمقراطي هو الانجاز، هل تعلم ما يقوله المواطن اليوم.. "يعطيكم الصحة على الدستور والديمقراطية.. أعطونا الخبز".

وهل تعي بهذا جميع قيادات حركة النهضة؟

(ضاحكا) نعم

بعد انصهار الوطني الحر مع النداء، تقدم الأمين العام الجديد للحزب سليم الرياحي بدعوى لدى القضاء العسكري اتهم فيها رئيس الحكومة وقيادات أمنية بالتخطيط للانقلاب على رئيس الجمهورية، كيف قرأتم ذلك في حركة النهضة؟

هذا عبث..ان تقترب أحزاب من بعضها البعض هذا مفيد للبلاد لكن بشرط أن لا تكون التقاءات تكتيكية من أجل تأمينات متبادلة لان ذلك سيجعل ما التأم اليوم يتشتت غدا.. وعلى كل انا لا اتّهم احدا لكن الحيلة في ترك الحيل، وإذا أراد البعض أن يدخل في استراتيجية التأزيم والتفريق ستنتصر بالضرورة استراتيجية البناء والتجميع.

بالتالي فلنتعاقد تعاقدا أخلاقيا وسياسيا على أن نترك الصراع السياسي في مربعه الحقيقي من خلال برنامج ونقد موضوعي لأداء هذا الحزب أو ذاك، لكن لما نحرف الصراع السياسي محاور واهتمامات إلى قضية ضرب تحت الحزام لإرباك هذا الطرف أو ذاك ولإبعاد هذا الطرف أو ذاك استعدادا للانتخابات القادمة هذا سيزيد الشعب نفورا من السياسة والسياسيين، وربما تسجيل انتخابات دون حضور جمهور ودون شرعية شعبية.

في بلادنا يوجد جيل يمكن ان اسميه جيل العبور، هو جيل الجامعة في الثمانينات. تخاصم كثيرا وتصادم احيانا وهو المتصدر الان للمشهد. يمكنه ان يكون جسرا بين جيل التحرير والعقدين الاولين من بناء الدولة الوطنية بمخزونه من التجربة والافكار والصراعات، والجيل الجديد، جيل ما بعد موت السياسة في الجامعة وفي البلاد، وجيل الكفاءات الوطنية التي فتحت لها الثورة ابواب الممارسة السياسية المتخففة من ثقل التاريخ واعباء الايديولوجيا.

هذا الجيل، جيل الثمانينات، لديه من الثقافة والمرونة والذكاء والاحساس بالمسؤولية ما يجعله يقوم بدوره لقيادة هذه النقلة الاستراتيجية من التاريخ الى المستقبل، ومن الايديولوجيا الى السياسة، ومن الاحتراب الى التعايش بل الى التعاون.

ادعو عقلاء رموز هذا الجيل في العائلات اليسارية والقومية والدستورية والاسلامية والفاعلين المستقلين الى ميثاق للتجاوز والتعايش والتعاون، وإلى القيام بمراجعات شجاعة. لقد طالت الحرب كثيرا واستنزفت البلاد ويجب ان تضع اوزارها.

اعرف ان العقلاء موجودون في كل الصفوف، وليس عزيزا عليهم تجاوز العوائق النفسية لانجاز هذه المهمة التاريخية.

أيها الاصدقاء والزملاء والرفاق والاخوة، نحن جيل محظوظ، حلمنا واتاحت لنا الثورة فرصة تحقيق احلامنا. غير مسموح لنا ان نخذل شبابنا ولا أن نفرط في هذه الفرصة.

إذن أنا أدعو في هذا السياق إلى تحرير ميثاق أخلاقي بين الفاعلين السياسين من أجل تنافس شريف فوق الطاولة حول الأطروحات والبرامج بطريقة علنية أمام التونسيين، وهذا هو الذي يصنع الفضاء السياسي ويصالح بين الساسة والشعب ويحافظ على المستقبل، فتونس تحتاجنا جميعا والطريق مازالت طويلة ولا ضرورة لصناعة عداءات.

 

مقالات ذات صلة

رئيس حركة "آكال" الأمازيغية: سنفاجئ الساحة ...

07 ماي 2019 09:19

حاوره: يسري اللواتي شكّل سقوط نظام الرئيس السابق بن علي، لحظة فارقة لجل ...

منجي الرحوي: اختيار مرشح الجبهة للرئاسة لا يكون على ...

20 مارس 2019 14:58

حاوره: بسام حمدي طفت مؤخرا خلافات صلب الجبهة الشعبية بشأن مرشح الجبهة الشعبية ...

الأمين العام المساعد بالجامعة العربية لـ"حقائق أون ...

13 مارس 2019 10:54

حاوره: بسام حمدي ستحتضن تونس يوم 31 مارس الجاري القمة العربية في دورتها الثلاثين ...

ناجي جلول: خروج السبسي عمّق أزمة نداء تونس وباب العودة ...

22 فيفري 2019 11:37

 حـاوره: بـسـام حمدي يعيش حزب نداء تونس منذ أشهر على وقع أزمات متتالية ومتجددة ...

عبير نصراوي: لا أدين بالشهرة إلا لنفسي.. أحمل رسالة ...

19 فيفري 2019 17:50

حاورتها سامية الربيعي - مغنية وصحفية ومقدمة برامج. التحقت بإذاعة "مونت كارلو ...

وزير مكافحة الفساد السابق: 3 دول أعادت أملاكا وأموالا ...

12 فيفري 2019 12:05

حاوره يسري اللواتي-  مساء الخميس 23 ديسمبر 2011، أعلن القيادي في حركة النهضة ورئيس ...