26 اكتوبر 2018 13:30

في ضرورة تقييم ثورات "الربيع العربي": واشنطن لم تعمل على تغيير أفضل عملائها في المنطقة

إعداد: السفير محمد إبراهيم الحصايري

بعد مرور أكثر من سبع سنوات عجاف على ما سُمِّيَ، عن باطل أو حقّ، بثورات "الربيع العربي" التي هبت رياحها على تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا والبحرين... بات من الضروري، في نظري، تقييم هذا الحدث غير المسبوق في تاريخ المنطقة العربية منذ الاستقلالات الوطنية في أواسط القرن الماضي، تقييما شاملا، موضوعيا ومحايدا، الغاية منه محاولة استجلاء أبعاد هذه الثورات واستشراف آفاق تطورها، وليس هجاءها أو أو مدحها، ولا تحميلها المسؤولية عن صعوبات الوضع العربي الراهن أو اعفاءها منها.

وقد صدرت، حتى الآن، العديد من التقييمات خاصة عن كلفة ثورات "الربيع العربي" وعن نتائجها، ففي تقرير نشرته في أواخر سنة 2016، لخصت صحيفة  "نيويورك تايمز" نتائج هذه الثورات فيما يلي:

* تدمير أربع دول عربية هي: العراق، وليبيا، وسوريا، واليمن.

*  14 مليون لاجىء.

*  08 مليون نازح.

*  30 مليون عاطل عن العمل.

*  1.4 مليون قتيل وجريح.

*  900 مليار دولار دمار بنية تحتية.

*  640 مليار دولار سنويا خسارة في ناتج الدول العربية المحلي.

*  300 مليار دولار كإنفاق لمحاولات إجهاض الثورات.

*  50 مليار دولار تكلفة اللاجئين سنويا.

*  تريليون و200 مليار دولار تكلفة الفساد في الدول العربية.

* 14.5 مليون طفل لم يلتحقوا بالمدارس.

* 70 مليون عربي تحت خط الفقر.

* ازدياد عدد الفقراء منذ سنة 2011 بنسبة 60 % كل سنة في الدول العربية.

* تراجع تدفق السياح بـ 103.4 مليون سائح عما كان متوقعاً بين سنتي 2010 و2014. (حسب ما أعلنه المنتدى الاستراتيجي العربي في تقرير أصدره في ديسمبر 2015 تحت عنوان "تكلفة الربيع العربي").

أما عن حالة الديمقراطية في الدول العربية بعد ثورات "الربيع العربي"، فإننا نجد في التقرير السنوي لعام 2017 عن حالة الديمقراطية والحريات في العالم الذي تصدره وحدة البحوث بمجلة "الإيكونوميست" البريطانية الصورة التالية: 

* يؤكد التقرير الذي شمل 167 دولة من دول العالم، وصنّف الأنظمة السياسية الحاكمة أربعة أصناف هي، الديمقراطيات الكاملة، والديمقراطيات المَعِيبَة، والأنظمة الهجينة بين الديمقراطية والديكتاتورية، ثم الأنظمة الدكتاتورية، أنه باستثناء تونس التي حلت في المرتبة الثانية ضمن ترتيب دول الشرق الأوسط، بعد إسرائيل التي جاءت في المرتبة الأولى، تعيش بقية الدول العربية حالة متدهورة من حيث المناخ الديمقراطي.

* حققت تونس التي جاءت ضمن خانة الديمقراطيات المَعِيبَة 6.32 درجات على مقياس التقييم الذي يضم عشر نقاط، تليها كل من المغرب (4.87) ولبنان (4.72) في حين تأتي بقية الدول العربية الأخرى في مراتب متأخرة ضمن جدول منطقة الشرق الأوسط. 

* حققت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أدنى الدرجات وفق مقياس التصنيف للعام 2017 وقد باتت تسجل تراجعا، عاما بعد عام، منذ سنة 2012.

* يرتبط هذا التراجع في الحالة الديمقراطية في المنطقة، بتبدّد المنجزات التي حققتها الحركة المطالبة بالديمقراطية، والتي عرفت باسم "الربيع العربي" منذ ديسمبر عام 2010.

* إضافة الى هذا التراجع، فإن المنطقة العربية تعاني من تركّز المَلَكِيّات المطلقة والأنظمة الدكتاتورية فيها.ِ

* كما تعاني من انتشار النزاعات المسلحة، علما بأن خمس دول من بين الخمس عشرة التي جاءت في ذيل التصنيف، هي من المنطقة العربية حيث تحتل سوريا الموقع الثاني قبل الأخير فيه.

* يؤكد التقرير على أن انعدام الاستقرار السياسي في المنطقة العربية، واصل ضغطه على إمكانية التقدم باتجاه الديمقراطية خلال عام 2017، حيث انجرفت عدة دول إلى مزيد من الممارسات الدكتاتورية وحيث كثّفت عدة أنظمة من قمعها لحرية الإعلام والتعبير.

* ان قضية مقاطعة دول خليجية لقطر، والتي عرفت باسم "الأزمة الخليجية"، تمثل نموذجا للتأثير السلبي للممارسات السياسية على حرية التعبير، حيث أصدرت الإمارات قانونا جديدا يجرّم الانتقاد العلني للمقاطعة المفروضة على قطر، بينما ضيّقت قطر، بسبب الأزمة، على الوسائل الإعلامية، أما البحرين فقد ساء ترتيبها ضمن حالة الديمقراطية، بصورة كبيرة خاصة بعد إعادتها تفعيل محاكمة المعارضين المدنيين أمام محاكم عسكرية.

* يخلص التقرير في الختام الى أن النتائج تؤكد انعدام تقدم حقيقي باتجاه الديمقراطية، في أعقاب "الربيع العربي" وأن الفراغ في السلطة الذي خلّفته الإطاحة بحكام دكتاتوريين، عمّروا كثيرا في أماكنهم ملأته في معظم الأحيان، حروب أهلية مثل الحالة في ليبيا واليمن أو ملأه صعود حكام يحكمون قبضتهم على السلطة كما حدث في مصر.

وبالاستناد إلى ما جاء في هذين التقريرين اللذين يوصّفان ما باتت عليه بعض جوانب الوضع العربي الراهن، وبالتأمل فيما تشهده الساحة العربية حاليا من تطوّرات متلاحقة، سيكون من المفيد، في اعتقادي، أن نستهل محاولة تقييمنا لثورات "الربيع العربي"، بالموازنة بين أسبابها وبين نتائجها؟

أن هذا الحدث "الجلل" جاء نتيجة لتضافر عدّة أسباب داخلية وخارجية يمكن إجمالها فيما يلي:

تآكل مصداقية الدولة الوطنية العربية لا سيّما خلال العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين بفعل هشاشة مؤسساتها، وقصورها عن مواجهة تحوّلات المنظومة الدولية في ظل هجمة العولمة بقيمها النيو ــ ليبرالية المتوحّشة.

استفحال الأزمات الناجمة عن استعصاء تلبية احتياجات المجتمعات العربية على صعيد التنمية الاقتصادية والسياسية والبشرية خاصة مع تفاقم الاستيلاء على الثروات الطبيعية الوطنية حتى بواسطة الغزو العسكري، وعن طريق الشركات متعددة الجنسيات العملاقة التي يتوفر بعضها على إمكانات أكبر من إمكانات العديد من الدول العربية، والتي تعمل باستمرار على تحجيم دور هذه الدول، من خلال إرغامها على فتح أسواقها وإلغاء قطاعاتها العامة، ومنح المزيد من المزايا للاستثمار الاجنبي...

تأجّج الأحداث المطلبية وأحداث المناهضة للأنظمة القائمة في مواجهة آثار سياسات الاضطهاد الوطني والتهميش الاجتماعي وهدر الحقوق الطبيعية والمكتسبَة.

تفاقم فساد السلطة واستبدادها...

ومن المهم أن نشير هنا إلى أن ثورات "الربيع العربي" قامت نتيجة حراك عامّ شاركت فيه فئات اجتماعية مختلفة الآمال والتطلعات، بحسب مخزون كل منها، وعلى هذا الأساس فانه لا يمكن اختزالها في أنها ثورات من أجل الحريّة ضد الاستبداد، وانما هي ذات أبعاد متعددة ومتشابكة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية حضارية...

أما إذا جئنا إلى النتائج، فإننا يمكن أن ننطلق مما قاله عالم اللغة والفيلسوف والناشط الأمريكي، نعوم تشومسكي، في حوار أجراه معه عمران فيروز سنة 2016 لموقع "قنطرة"، إذ أكد، جوابا على سؤال "هل ترى أن الربيع العربي قد فشل فشلا تاما؟: أنه "في الحقيقة نحن لا نعرف ذلك. لقد كانت هناك إنجازاتٌ، ولكن الآن بتنا نشهد انتكاسة. لقد حدثت تغييرات مهمة، كان من الممكن أن تكون أساسًا لشيء ما. والربيع العربي كان مجرَّد مرحلة من مراحل عديدة على طريق الحرِّية والديمقراطية، التي شهدناها في الأعوام الأخيرة". 

إن هذه الإجابة الحذرة تبيّن أن الحديث عن نتائج ثورات "الربيع العربي" حديث إشكالي يتخلله الكثير من الحيرة واللايقين، غير أن تحليل كلام نعوم تشومسكي يؤكد، في نهاية المطاف، أن هذه الثورات حققت، على الأقل في البداية، إنجازات ما، لكنها سرعان ما انتكست.

وفي رأيي، فإن هذه الإنجازات تتجلى في أهم المظاهر التالية:

* أن سلسلة الثورات التي شهدتها سنة 2011 كانت بمثابة لحظات انفجار متكررة في أكثر من دولة عربية، غير أنها لم تكن منتظرة رغم توفر كل العوامل الباعثة على قيامها، لأنه لم يسبق لها مثيل في تاريخ الدول العربية منذ الاستقلالات الوطنية، ومن هذا المنطلق فإن مجرد حدوثها يشكل حدثا تاريخيا في حد ذاته.

* أن هذه الثورات حرّرت الشعوب العربية من عقدة الخوف التي رانت عليها على امتداد عدة عقود حتى بات من الميؤوس منه أن تتحرك لتغيير واقعها.

*أنها أدت الى تداعي أنظمة الدول التي وقعت فيها، ووجهت رسائل تحذير الى بقية الأنظمة العربية، وهو ما حفزها على القيام، بدرجات متفاوتة، بإدخال العديد من الإصلاحات والتغييرات التلقائية والسلمية.

* أن الجهات والأطراف التي حلت محل الأنظمة المتداعية، عملت على الأقل في المرحلة الأولى على تحقيق بعض تطلعات الشعوب فيما يتعلق بأساليب الحكم وإقرار الحريات وتكريس حقوق الانسان...

* في هذا الإطار تعتبر التغييرات التي حصلت في تونس استثناء يؤكد القاعدة، ونعني بالقاعدة أن الثورات العربية كان يمكن أن تنجح في خلق حالات مماثلة للحالة التونسية لو اهتدت الشعوب المعنية الى استخدام نفس الأساليب والوسائل في إدارة مرحلة ما بعد الثورات... 

* يشكّل الدستور التونسي الجديد الذي ولد بعد مخاض طويل، وعلى ما فيه من هنات إنجازا هاما حيث أنه يقنن ويرسخ مبادئ وشروط تولي الحكم و"يمنع أي مغامر من الاستيلاء على السلطة والاستبداد بها" مجددا، ويوسع المشاركة السياسية والحكم المحلي، ويعطي دورا أكبر للمناطق الفقيرة والمهمشة...

* إلى ذلك، وبالرغم من بعض الوقائع الأليمة (الاغتيالات خاصة)، يعتبر ابتعاد تونس عن أي شكل من أشكال الاقصاء وعدم وقوعها في العنف من أبرز مميزات تجربتها.

بيد أنه لا بدّ من الإقرار، في المقابل، بان عدة عوامل تضافرت وأدت إلى فشل أو انتكاس المسارات الديمقراطية التي بشرت بها ثورات "الربيع العربي"، وقد بات من الثابت أن هذه المسارات لم تتواصل في خط مستقيم، كما كان مؤملا، حيث أنها عرفت الكثير من التعرّجات والتعثرات وهو ما أدى الى انتكاسها جزئيا أو كليا، في بعض الدول والى انقلابها الى صراعات وحروب أهلية في بعضها الاخر...

وعند البحث عن الأسباب التي أدت إلى هذا الانتكاس او الانقلاب، فإننا نلاحظ أنها مزدوجة، فبعضها داخلي وبعضها الاخر خارجي، وسنحاول فيما يلي تعداد أهم هذه الأسباب الداخلية منها والخارجية:

أ‌) الأسباب الداخلية:

- ضحالة مردود الثورة:

بالانطلاق من التجربة التونسية، وهي التجربة التي يجمع المراقبون على أنها الأفضل، لا أحد يستطيع أن ينكر أن الفجوة بين انتظارات التونسيين من الثورة وبين عائداتها المادية والمعنوية على حد سواء كبيرة جدا، وهذا ما يجعل قطاعات واسعة من الشعب تشعر بأنَّها لم تحصل على مقابل لما قدمته أثناء الثورة وما لا تزال تقدمه بعدها من تضحيات كبيرة بسبب تعثر عملية الانتقال الديمقراطي، وصعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها.

وقد أدى الإحساس بالإحباط من قدرة الحكومات العديدة المتعاقبة على تغيير هذه الأوضاع الى ظهور نوع من الحنين الى فترة ما قبل 14 جانفي 2011، عند هذه القطاعات من الشعب، وحتى عند جانب من النخبة السياسية والاقتصادية في البلاد.

ويظهر الإحساس بالإحباط، بوجه خاص عند فئة الشباب الذي تلاشى شعورُه بالنشوة ابان نجاح الثورة المبدئي والجزئي والقصير، شيئا فشيئا، وحل محله شعور عميق بعدم الرضا عن مخرجاتها تؤكده استطلاعات الرأي المتتالية حيث أن نسبة التونسيين الذين يرون أنَّ الثورة لم تساعد على حل مشكلات البلاد عالية جدا وهي تتراوح بين سبعين وثمانين بالمائة.

وما يخشى الان هو أن يؤدي استمرار تأزم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والعجز عن مكافحة الفساد الذي يتسبب سنويا، حسب بعض التقديرات، في فقدان 100 ألف فرصة عمل، وغياب التنمية الى تفاقم الشعور بالإحباط والى تولد حالة من القهر والغضب الشعبيين اللذين قد يعصفان بالإنجازات المحدودة التي حققتها الثورة (من المؤشرات الخطيرة على هذا الاحباط مشاركة 3 ملايين فقط من أصل 8 ملايين شخص في الانتخابات البلدية الاخيرة). 

على أن الجدير بالملاحظة أن الوضع في دول "الربيع العربي" الأخرى أدعى الى الإحباط من الوضع في تونس، ففي هذه الدول التي غرق بعضها في بحور من الدماء، والتي أنهكت بعضها الاخر الخلافات والصراعات حتى باتت مهددة بالتفتيت والتقسيم، أو بعودة الأنظمة القمعية المتداعية بطريقة أعنف وأشد قسوةً... تبخر أمل الشعوب أو كاد في قيام المجتمعات الديمقراطية الحرة التي تتطلع اليها، حتى بات بعض شبابها يشعر بالغربة في وطنه، وأصاب انتماء بعضه الاخر اليه نوع من الوهن، مما جعله يبحث عن أي سبيل للهروب من هذا الواقع بما في ذلك الهجرة غير الشرعية التي قد تؤدي به الى التهلكة، أو الانخراط المدمر في القوى المتحاربة والتنظيمات الإرهابية...

- مشكلة الافتقار إلى القيادات والتصحر السياسي:

من أهم وأبرز خصائص ثورات "الربيع العربي" أنها كانت قاعدية وشعبية وعفوية، وأنها كانت احتجاجا تلقائيا مفاجئا على التهميش والظلم وغياب الحريات والحقوق العامة، وأنها كانت بدون قيادات وبدون بدائل.

وقد كشف سقوط الأنظمة السابقة، والأحزاب الآحادية الحاكمة، على إثر ثورات "الربيع العربي" عن حالة من التصحر السياسي المفزع الناجم بالأساس عن عدة عقود من غياب حياة سياسية تعددية تسمح بتكوين أجيال جديدة متعاقبة من السياسيين القادرين على استلام المشعل عند الاقتضاء.

ولأن الثورات كانت تلقائية وبدون قيادات، وبدون برامج فإنها أفضت الى حالة من الفراغ التي تم ملؤها بالاستعانة بـ:

- وافدين من الخارج، من وراء الصحاري او من وراء البحار، دون أن تكون لهم معرفة بواقع البلاد ولا بدواليب الإدارة والدولة.

- معارضين خارجين من السجون، أو متابعين ممنوعين من ممارسة أي نشاط سياسي.

- تكنوقراط أو خبراء لا سياسيين من الداخل ومن الخارج، قد يتوفرون على بعض الخبرات النظرية لكنهم يفتقرون الى الخبرة التطبيقية التي تمكنهم من تنزيل معارفهم في الواقع المعيش. 

وقد أدى ذلك الى حالة من عدم الاستقرار الحكومي إذ تعاقبت في وقت قصير العديد من الحكومات التي عجزت عن تثبيت أنظمة سياسية بديلة قوية وقادرة على إنتاج مشاريع سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية كفيلة بتذليل الصعوبات القائمة والتأسيس لمجتمعات جديدة مغايرة. 

- صعود الإسلام السياسي والصراع الديني العلماني:

لقد كشفت ثورات "الربيع العربي" عن أنها تعرف ما لا تريد، ولكنها لا تعرف البديل الذي يمكن أن يحل محله. 

ولأن الأحزاب الدينية هي التي كانت تتوفر، ولو في الخفاء، على هياكل منظمة، فإنها عملت على ملء هذا الفراغ، وقد بدا واضحا أنها هي المؤهلة لتحل محل الأنظمة المتداعية، وبالفعل فإنها سارعت الى الركوب على الثورات في أكثر من دولة عربية وخاصة في مصر، حيث تمكنت من استلام مقاليد السلطة، من خلال تحقيق الأغلبية في الانتخابات.

وقد أثر الطابع الديني الذي أضفته الحركات الإسلامية على ثورات "الربيع العربي" تأثيرا سلبيا في الداخل والخارج على حد سواء.

ففي الداخل كان من الطبيعي أن تصطدم بالتيار العلماني، حيث أنها تقوم على مبدإ إلغاء الآخر وتتطلع إلى أدلجة المجتمعات وتطبيق الشريعة، والاستغناء عن القوانين الوضعية ونظم الحكم الديمقراطية... إما بالتدريج، بالنسبة الى بعضها (الإخوان المسلمون) أو بالقوة (الحركات السلفية والجهادية).

ثم إن أجندات هذه الحركات أجندات محافظة في جوهرها، وهي لذلك بعيدة عن الأهداف التي تطلعت اليها الثورات العربية ولم تكن قادرة على تلبية هذه التطلعات.

وإلى ذلك فإن هذه الحركات أثبتت من خلال ممارستها القصيرة للحكم أنها تفتقد للحد الأدنى من الخبرة بإدارة الدول، وبالتعامل مع المجتمعات.

أما بالنسبة الى الخارج فان الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة مشروع الشرق الأوسط الكبير والدول الغربية عامة سرعان ما اكتشفت أنها أساءت التقدير وأن حساباتها كانت خاطئة عندما راهنت على صعود ما تسميه إسلاما معتدلا يرفض العنف ويساير مصالحها، ذلك أن الحركات الدينية التي صعدت الى الحكم والإجراءات الأولى التي شرعت في اتخاذها أشعرتها بأن وصولها الى  السلطة قد يؤدي إلى اعاقة مخططاتها في المنطقة، ولذلك سارعت الى  تغيير موقفها منها ومن الأنظمة المتداعية السابقة إذ عادت إلى دعم  الإدارات القديمة بالرغم من استبداديتها وهو ما ساهم في تحويل "الربيع العربي" إلى خريف حقيقي.

- تكريس أشكال جديدة من الاقصاء وعودة النعرات العرقية والدينية والطائفية والفئوية:

عن وعي أو عن غير وعي، انجرّت ثورات "الربيع العربي" الى خلخلة أسس العيش المشترك بإحياء أو تأجيج الفوارق العرقية والطائفية والمذهبية في الدول العربية، وهو ما شوّه الحياة السياسية فيها وجعلها عاجزة عن استيعاب وجهات النظر المختلفة وعن فرض الانسجام بين مكونات الشعوب العربية.

وهكذا بات الواقع السياسي العربي مشحونا بالصراعات وأحيانا بحروب مفتوحة بعضها أهلي وبعضها الاخر بين الدول والتحالفات وذلك بدلا من أن يكرس قيم "التعايش المشترك" و"تبادل المصالح"، داخل الشعوب وفيما بينها...

وقد أدى النزوع إلى النهج التمييزي وأحيانا الاستئصالي إلى خلق ازمات داخلية وبينية في الدول العربية، والى عودة الممارسات القمعية السلطوية التي أدت بدورها الى خلق أجواء مشحونة بالتدافع والتنازع بين مكوّنات الشعب الواحد وبين الشعوب العربية المتجاورة، وحتى غير المتجاورة...

- الثورات المضادة:

من الحقائق الكبرى التي أثبتتها ثورات "الربيع العربي" أن الأنظمة ليست أشخاصا، تنهار بمجرد انهيارهم، وانما هي مجموعة من التحالفات المعقدة بين قوى سياسية واقتصادية ومالية وإعلامية متجذرة في مفاصل الدول ولها مصالحها وامتيازاتها التي لا يمكن أن تتخلى عنها بسهولة، والتي ستعمل، إن افتكت منها، بكل الوسائل على استرجاعها، كما ستعمل على تعطيل بناء النظام الجديد الذي يقوم على الديمقراطية والشفافية. 

ومن هذا المنطلق، فقد كان من الطبيعي ومن المنتظر أن تعمل هذه القوى التي تمثل ما يسمى بالدولة العميقة على استعادة سيطرتها على أجهزة الحكم والإدارة، وقد استخدمت في ذلك عدة وسائل منها:

- التشكيك في مشروعية الثورات من حيث مبرراتها وأهدافها، وخاصة نتائجها.

- تشويه الثورات بواسطة الاعلام المضاد.

- إشاعة الفوضى ومظاهر الارباك في مختلف مجالات الحياة.

- التحالف مع القوى الأجنبية الإقليمية والدولية المناوئة للثورات العربية (خاصة الأنظمة الخليجية التي تخشى من تسرب العدوى اليها) من أجل إجهاضها.

- دفع النخب الى الاستقالة واختيار موقف المتفرج على ما يجري أو توظيفها في تكريس مشاعر اليأس والإحباط التي تسيطر على الكثير من الناس، وذلك بدلا من أن تقدم ما كان يفترض أن تقدمه من تصورات وسيناريوهات مستقبلية تبعث على الحماسة من جهة والاطمئنان من جهة أخرى إلى أن هناك مستقبلا مختلفا ينتظر الداعمين للتغيير والحرية.

- العمل بكل الوسائل الممكنة على تطويق الثورات ومنعها من تحقيق تطلعاتها وعلى استعادة السيطرة على مقاليد الحكم والإدارة وإعادة العمل بالسياسات القديمة، وأحيانا بما هو أسوأ منها.

- توظيف الاختلال القائم في ميزان القوى بين أنصار الثورات الذين يفتقرون الى الخبرات اللازمة لتصور وتنفيذ برامج التغيير الذي تطمح اليه الشعوب، وبين أعدائها الذين يملكون من المعارف والخبرات بإدارة أجهزة الحكم وتسيير السياسات العامة ما يساعدهم على استرداد مواقعهم ونفوذهم خاصة في ظل التحالفات المصلحية التي عقدوها مع القوى الطبقية ومع الفئات المستفيدة من الأنظمة المتداعية.   

 

- الانتهازية وانتشار عقلية الغنيمة:

في الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية المؤقت المنصف المرزوقي يوم 23 أكتوبر 2012 في المجلس الوطني التأسيسي بمناسبة مرور سنة على انتخاب أعضائه، نقرأ الفقرة التالية: "ماذا يجب ان نوفر معا من أجل تحقيق المصلحة الجماعية؟ في هذا الظرف الدقيق الذي بدأ فيه اقتصادنا يخرج من منطقة الخطر ويدخل في النقاهة وذلك عبر عودة الاستثمار الخارجي والسياحة وليس فقط نتيجة الغيث النافع، واجب القوى الاجتماعية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل الذي نحيّي الدور الذي لعبه مؤخرا في دفع الحوار الوطني، هو إعطاء الوقت للوقت لتعود الآلة الاقتصادية للدوران، وآنذاك ستكبر الكعكة ونجد ما نقتسم. أما ان نطالب باقتسام كعكة هزيلة مانعين تطورها فهذه سياسة قد تعود علينا جميعا بالوبال".

إن هذه الفقرة تعبر ببلاغة منقطعة النظير عما سمي بـ"عقلية الغنيمة" التي روجت لها، في البداية، الأحزاب الدينية، غير أنها ما لبثت أن عمت المجتمع بكافة مكوناته، وأصبحت منهج تفكير وعمل عند النخب وعند العامة على حد سواء...

وقد أدت هذه العقلية المنحرفة الى تفشي الانتهازية وتكاثر الانتهازيين، كما أدت الى انتشار الفساد والخروج على القانون بكافة أشكالهما في كافة مرافق الحياة وعند كافة الطبقات التي لم تعد تجد حرجا في الاستحواذ على نصيبها من الغنيمة، بالحسنى إن أمكن أو بالقوة او الحيلة، ان لزم الامر...

ب‌) الأسباب الخارجية:

- الدور الأمريكي الغربي:

يقول نعوم تشومسكي، جوابا على سؤال عن أسباب انتكاسة الربيع العربي: "في حالة الربيع العربي لقد دعّم أوباما، تمامًا مثل حلفائه، الديكتاتوريات القائمة، واستمر في دعمه هذا لأطول وقت ممكن. وعلاوة على ذلك فقد راهن أوباما وحلفاؤه على إعادة تثبيت هذه الأنظمة القديمة بعد هذه الثورات".

إن هذه الفقرة تؤكد أن الولايات المتحدة لعبت هي وحليفاتها من الدول الغربية دورا في مختلف المراحل التي سبقت ثورات "الربيع العربي" والتي رافقت قيامها، ثم التي جاءت بعدها.

وهذا الدور إما غير مباشر واما مباشر. 

أما الدور غير المباشر فهو يتمثل، كما يرى بعض المحللين، في أن انفجار الثورات العربية جاء نتيجة لعمل طويل النفس قامت به الولايات المتحدة وحليفاتها طيلة عقود من الزمن وبكلفة مئات مليارات الدولارات في مراكز الأبحاث والمعاهد الغربية والدولية، من خلال تكوين "نخب" من الخبراء والمفكرين والناشطين العرب الذين لعبوا، بشكل من الأشكال، أدوارا خطيرة في التهيئة لثورات "الربيع العربي"، من خلال: 

* دعم الأنظمة العربية في سياساتها التي كرست الفساد والاستبداد والتبعية للخارج وبالتحديد للدول الغربية.

* العمل على تأمين مصالح الدول الغربية، عبر التبشير بمزايا الانفتاح على الغرب والانخراط في المنظومة الاقتصادية الدولية وافساح المجال أمام توسّع رأس المال، وخوصصة الثروات العامة، وتشجيع الاستثمار الخارجي.

* مساندة انعزال الدول العربية عن بعضها البعض، وتكريس نزعة الانفرادية في مقاربة القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وهو ما تجلى في طريقة تعاطيها مع مسيرة السلام في الشرق الاوسط.

* المساهمة في توفير المناخ الملائم لتفتيت الجغرافيا السياسية العربية والإقليمية وتحويلها الى "كيانات" طائفية واثنية، واستبدال السلطات الاستبدادية المركزية بسلطات جهوية ومحلية لا يمكن ان تكون الا أكثر تبعية وقابلية للاحتراب الداخلي وخوض الحروب بالوكالة.

* الدعوة الى تكريس الحريات الفردية مع التركيز على حرية المعتقد وحقوق الانسان وخاصة منها حقوق الأقليات، لا كوسيلة لضمان حقوق الإنسان العربي والنهوض به، وانما كوسيلة للتمويه على دورها في خدمة الأنظمة الاستبدادية من ناحية، والمصالح الغربية من ناحية اخرى. 

* الترويج، في مرحلة ما بعد الثورة، لفكرة أنه لا وجود لأسس لإعادة بناء الدولة العربية، غير الأسس التي توجد في وصفات المؤسسات الغربية والدولية المنبثقة عنها، رغم أنها كانت سببا في تآكل دور الدول وشرذمة المجتمعات. 

أما الدور المباشر، فإننا نستطيع أن نتلمّسه خاصة من خلال تجربة مصر، وبدرجة أقل تجربة تونس.

ففيما يتعلق بالتجربة المصرية ينبغي التذكير بأن الرئيس الامريكي السابق باراك أوباما، عندما أراد ان يخاطب العالم العربي وأن يدعوه الى التغيير على كافة الأصعدة، اختار أن يخاطبه من القاهرة. وقد جاء خطابه الشهير هذا في مطلع شهر جويلية 2009 أي قبل سنة ونصف من ثورات "الربيع العربي"...

على أن الولايات المتحدة التي احتفت، في البداية، بالثورة المصرية، سرعان ما غيرت موقفها منها عندما لاحظت انها أفسحت المجال لصعود الاخوان المسلمين الى سدة الحكم، ومعلوم أنها أيدت او على الأقل غضت النظر عن الإطاحة عسكريا بنظام الرئيس محمد مرسي.

أما بالنسبة الى تونس التي اطلق الغرب على ثورتها اسم "ثورة الياسمين"، فإننا يمكن أن نستخلص أن الدول الكبرى أغدقت عليها، على مستوى الخطاب، أجمل الاوصاف، وهي الى حد الان لا تفتا تردد أن تونس هي آخر منارات الأمل المتبقِّية من الربيع العربي، وأنها البلد الوحيد الذي سار بخطى ثابتة على طريق الانتقال الديمقراطي الوعرة، غير أنها على المستوى العملي لا تقدم لها ما ينبغي من الدعم، فهي من ناحية أولى، لم تَفِ بما قطعته على نفسها من وعود خاصة في قمة مجموعة الثمانية المنعقدة في أواخر ماي 2011 بدوفيل، ومن ناحية ثانية اتجه الاتِّحاد الأوروبي شريكها الاقتصادي الأول لا فحسب نحو الامساك عن مساعدتها على مواجهة الصعوبات التي تعرفها، بل نحو مفاقمة هذه الصعوبات حيث عمد  في نهاية سنة 2017 وبداية سنة 2018 إلى ادراجها في بعض القائمات السوداء (قائمة الملاذات الضريبية، ثم قائمة الدول الأكثر عرضة لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب...) وهو ما مثِّل ضربة قوية للجهود التي تبذلها من أجل مواصلة بناء ديمقراطيتها الفتية التي ما تزال هشة، ومن أجل الخروج من أزمتها الاقتصادية والمالية الناجمة في جزء منها عن الهجمات الإرهابية التي كانت ضحيتها سنتي  2015 و2016. 

ومن الطبيعي أن يشعر التونسيون بخيبة الامل من سلوك الدول الغربية "المنافق" الذي يبدي، في العلن، سعادته بالثورة وبمكاسبها (خطوات على طريق الانتقال الديمقراطي وخاصة منها اصدار الدستور الجديد، وتنظيم الانتخابات البرلمانية والرئاسية والبلدية الحرّة والنزيهة، وإقرار التعدُّدية الحزبية والحرِّيات السياسية...)، وقد وصل به الامر الى حد منح تونس جائزة نوبل للسلام في أكتوبر 2015، ولكنه في السر يقرن دعمه بشروط أقسى من الشروط التي كان يفرضها قبل الثورة.

وقد لا يذهب التونسيون إلى حد الاعتقاد أن الولايات المتحدة وحليفاتها تعمل على إفشال ثورتهم لكنهم يحسون في المقابل بنوع من الغبن، لانهم يشعرون بأنّ َتونس تُركَتْ وحدها لتواجه صعوبات الفترة الانتقالية التي أعقبت الثورة، ولان الدعم الذي يطلبونة من شريكهم الأول الاتحاد الأوروبي ليس على سبيل الهبات أو المساعدات، وانما هو إرساء قواعد شراكة حقيقية ومتوازنة ومتضامنة وأكثر انصافا للجانب التونسي خاصة فيما يتعلق بجانبها التجاري، وهو ما لا يمكن أن تحققه اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق التي يدفع الاتحاد تونس دفعا إلى الموافقة عليها وتوقيعها...

إن ما تريده تونس هو شراكة تمكنها من فرصة لبناء الاقتصاد التونسي وضمان نموه بشكل حيوي وقوي ومتماسك، يمكنها من تجاوز مخلفات المصاعب التي عرفتها جراء سلسلة الهجمات الإرهابية التي كانت ضحيتها خلال السنوات الماضية وهو ما اضطرها إلى الترفيع في إنفاقها العسكري والأمني الشيء الذي انعكس على الوضع الاجتماعي وتعقيداته الناجمة عن تزايد صعوبة الحياة اليومية، بسبب ارتفاع نسبة التضخم وزيادة الأسعار وتدهور قيمة الدينار واستمرار معدلات البطالة المرتفعة.

- الدور الاسرائيلي:

أبدت إسرائيل اهتماما كبيرا بثورات "الربيع العربي"، وخاصة منها الثورة المصرية ويبدو من خلال المادة الإعلامية وبعض مواقف الرسميين الإسرائيليين أنها شعرت بالفزع من هذه الثورات التي افترضت أنها ستنعكس على "أمنها القومي" و"مَنَعَتِها الاقتصادية" وبيئتها الإقليمية، ولذلك فقد كان من الطبيعي أن تحتفي بالثورات المضادة بل أن تعمل وأن تساعد على تحققها بطرق مختلفة.

ومما اثار فزع الإسرائيليين بشكل خاص أن ثورات "الربيع العربي" سمحت للجماهير العربية بالتعبير الحر عن مشاعرها تجاه اسرائيل، وبمطالبة النخب الحاكمة في العالم العربي بوضع رأيها في الاعتبار عند تحديد سياساتها تجاه تل ابيب، ومعنى ذلك أن ثورات "الربيع العربي" سمحت بميلاد رأي عام عربي متطلع الى أن يكون لاعبا رئيسا في تكريس حالة القطيعة وتقليص فرص التقارب والتطبيع بين العالم العربي وإسرائيل.

وقد كان من اللافت للانتباه، أن أحد اهم الاستنتاجات التي خرجت بها إسرائيل من تحليلها لتأثيرات ثورات "الربيع العربي"، أن عليها أن تعيد النظر في الصورة النمطية التي تحملها عن الإنسان العربي، وهي صورة الانسان "المستكين الجبان الذي يقبل الدونية".

على أن أكثر ما أثار مخاوف الإسرائيليين بعد تفجر ثورات "الربيع العربي" هو انعكاساتها المحتملَة على مستقبل العلاقة مع مصر، بفعل تأثير هذه العلاقة على مفهوم "الأمن القومي" الإسرائيلي. 

وبالفعل فان إسرائيل خشيت من أن تؤدي الثورة المصرية إلى:

* إيجاد بيئة داخلية مصرية تحول دون تواصل الالتزام باتفاقية "كامب ديفيد"، التي تعتبر أحد أهم ركائز الأمن القومي الإسرائيلي، وقد عبر عن ذلك وزير الحرب الإسرائيلي السابق إيهود براك حين أكد أن الثورة المصرية تمثل "خطرا حقيقيا على مصير معاهدة "كامب ديفيد"، وتوقع أن تتنافس الأحزاب المصرية فيما بينها على إظهار عدائها لكل من إسرائيل والولايات المتحدة.

* انهيار الشراكة الاستراتيجية التي أرساها الرئيس حسني مبارك مع إسرائيل... وإمكانية تفجر الجبهة الجنوبية بعد فوز مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي بالرئاسة... وهو ما كان سيجبر تل ابيب على الزيادة في نفقاتها الأمنية بشكل جذري، وبالفعل فإن هيئة أركان الجيش طالبت بإضافة 15 مليار شيكل (أربعة مليارات دولار) لموازنة الأمن من أجل إعادة تأهيل هذه الجبهة لتصبح قادرة على مواجهة أسوإ الاحتمالات.

* احتمال نشوب حرب مع مصر، لا سيما بعد أن اتخذت لجنة الشؤون العربية في أول مجلس شعب مصري منتخب بعد الثورة قرارا يعتبر إسرائيل "العدو الذي يمثل التهديد الأبرز على الأمن القومي المصري"... 

* الاضطرار في حالة إقدام القيادة المصرية الجديدة على إلغاء اتفاقية "كامب ديفيد"... إلى الترفيع من جديد في موازنة الأمن الإسرائيلية التي كانت قبل التوقيع على اتفاقية "كامب ديفيد" تشكل 47 % من الموازنة العامة للدولة، في حين أنها أصبحت بعد التوقيع لا تشكل الا 16 % منها، وهذا يعني أن الاتفاقية مكنت إسرائيل من توظيف موارد الدولة في تعزيز النمو الاقتصادي وتامين رفاهية العيش للإسرائيليين...

* احتمال تغير علاقة مصر مع المقاومة الفلسطينية، حيث أن ذلك يمكن ان يقلص من هامش المناورة المتاح أمام إسرائيل في مواجهة المقاومة الفلسطينية، ومما يجعل هذا الاحتمال واردا الموقف الذي اتخذته مصر خلال عملية "عمود السحاب" في نوفمبر 2012.

ونتيجة لكل هذه المخاوف تعالت في إسرائيل اصوات تدعو صراحة الى العمل على إسقاط حكم الرئيس محمد مرسي عبر إفشاله، وفي هذا الصدد أكد المستشرق الإسرائيلي إيال زيسير في صحيفة "إسرائيل اليوم" أن إفشال محمد مرسي "تقتضيه مصلحة إسرائيل الاستراتيجية، لأن التخلص من حكمه يوقف تحقق سيناريو الرعب الذي بشر به الربيع العربي". 

وقد كان من الطبيعي أن تحتفي إسرائيل بعزل الرئيس محمد مرسي، حتى أن معلق الشؤون السياسية في صحيفة "هآرتس" آرييه شافيت اعتبر "الجنرال عبد الفتاح السيسي بطلا من أبطال إسرائيل"... 

أما دان مرغليت، كبير معلقي صحيفة "إسرائيل اليوم" المقربة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فقد أكد أنه على الرغم من أن إسرائيل الرسمية حافظت على الصمت وامتنعت عن التعليق على "الانقلاب" لدواع معروفة، فإنها سعيدة جدا بإسقاط حكم الإخوان في مصر، وستكون سعادتها مضاعفة إن تم إنهاء حكم الإسلاميين في جميع البلدان التي صعدوا للحكم فيها في أعقاب "الربيع العربي".

والامر المؤكد أن الدوائر الإسرائيلية والامريكية والغربية لم تكن تنتظر هذه الدعوات لكي تعكف أجهزة استخباراتها ووزارات دفاعها ووزارات خارجيتها ومراكز بحوثها على رسم الخطط والسيناريوهات اللازمة لاحتواء الثورات وإجهاضها، وتغيير اتجاهاتها المعادية للسياسات الغربية وإسرائيل. 

ولعل ذلك يتجلى بكل وضوح فيما حدث في سوريا، فدون الدخول في التفاصيل، ينبغي ان نلاحظ أن إسرائيل كانت أحد أهم الأطراف الإقليمية والدولية العديدة المعادية لسوريا التي عملت بطرق مختلفة على تحويل الثورة الشعبية السلمية السورية إلى حرب إجرامية وإرهابية بشعة.

وغني عن البيان أن هذه الأطراف لم يكن يعنيها كثيراً الحريات وحقوق الإنسان في سوريا، وانما كانت تهدف الى معاقبة دمشق التي ظلت تتزعم معسكر المقاومة والممانعة ولذلك فقد كان من الضروري العمل على تدميرها، واستنزاف قواها، والقضاء على نظامها وتفكيك دولتها بما يمكّن، لاحقا، من إخضاعها لشروط السلام الإسرائيلي.

- الدور الإقليمي، أو العربي التركي الإيراني:

إن هذا الدور متشعب ومتعدد الأوجه. ويظهر تشعّبه في أنه لم يكن موحّدا وانّما كان عبارة عن مجموعة من الادوار المتناقضة والمتعارضة. فهو في جانب منه معاد للثورات العربية، لكنه في جانب اخر مؤيد لها ومشجع عليها، وذلك بالنظر الى نوعية العلاقات التي تربط بين الدول العربية وبين كل دولة من دول "الربيع العربي"، التي ينبغي أن نلاحظ أنها عاشت ثورات متشابهة في منطلقاتها وأهدافها، لكن مسارات ثوراتها ومآلاتها اختلفت عن بعضها البعض.

وقد تنوعت أساليب التعامل مع الثورات العربية تبعا لذلك، حيث تم العمل على إخماد بوادر الثورات في كل من المغرب والأردن والبحرين، وهي كلها ممالك، إما بالدعم المالي او بالدعم العسكري الصريح، أو بكليهما...

وقد استعملت نفس الوسائل في التعامل مع الثورة المصرية التي نجحت في الإطاحة بالرئيس حسني مبارك غير أن حكم الرئيس الإخواني محمد مرسي الذي كان يحظى بدعم دولة قطر لم يعمّر طويلا، وقد حظي النظام الذي أطاح به بدعم المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة.

أما بالنسبة الى اليمن فقد تم التعامل مع ثورته سياسيا في مرحلة أولى، ثم عسكريا في مرحلة ثانية وما تزال هذه المرحلة مستمرة حتى الساعة...

على أن الثورة السورية تبقى حالة منفردة بذاتها، ذلك أن التدخلات العربية والإقليمية والدولية المتوافق وغير المتوافق عليها أدت الى حرفها عن طابعها السلمي وتحويلها الى حرب أهلية مدمرة، وفي نفس الوقت تحويل سوريا إلى حلبة صراع دموي بشع بين ومع تنظيمات إرهابية خطيرة يأتي على راسها تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" الذي تمكّن او تم تمكينه من التموقع في سوريا والعراق بتواطؤ من الولايات المتحدة والدول الغربية من ناحية وبعض دول الخليج وتركيا من ناحية أخرى، وهو ما أدى إلى تدخل اتحادية روسيا وايران وحزب الله اللبناني لمناصرة النظام السوري ودعمه.

ومن المهم التذكير، هنا، بأن جميع الدول التي مستها ثورات "الربيع العربي" هي، من الناحية السياسية، باستثناء مملكة البحرين، ذات أنظمة جمهورية، وهي، من الناحية الاقتصادية، باستثناء ليبيا، من البلدان محدودة الموارد الطبيعية، وهذا ما جعلها بصورة آلية في مواجهة الدول العربية ذات الانظمة الملكية من ناحية، والغنية بمواردها النفطية من ناحية أخرى...

ومن المؤكد أن هذا هو ما دفع بهذه الأنظمة الى العمل على تقوية الروابط التي تجمع بينها من جهة، ومن جهة أخرى بينها وبين بعض الأنظمة الملكية العربية الأخرى على غرار المملكة الهاشمية الأردنية والمملكة المغربية رغم بعدها الجغرافي عن منطقة الخليج... وذلك للتوقي من عدوى "الربيع العربي" الأمر الذي كان مرفوضا إقليميا ودوليا، على الأقل مرحليا...

*******************

بعد هذا التحليل المستفيض لأسباب ثورات "الربيع العربي" ونتائجها، والملابسات التي حفت بتطوراتها المختلفة، ينبغي، في الختام، أن ننبه إلى أن محاولات استشراف مآلات هذه الثورات تجمع أو تكاد تجمع على أنها ستتراوح بين التكرر (في البلدان التي مستها موجتها الاولى) وبين التجدد (في البلدان التي قد تمسّها موجتها المحتملة الثانية)، وذلك تأسيسا على المعطيات الأربعة الأساسية التالية:

1/ يرسم أحدث تقرير دولي عن التنمية في العالم العربي صدر عن الأمم المتحدة منذ ثورات سنة 2011، صورة حالكة عن مستقبل المنطقة.

ففي الوقت الذي يشكل فيه مجموع سكان الشرق الأوسط وشمال افريقيا نسبة 5 % من مجموع سكان الارض تسجل هذه المنطقة نسبة 45 % من النشاط الإرهابي في العالم كما يتكدس فيها 45 % من العدد الاجمالي للاجئين. 

كما أن نسبة 68 % من الوفيات في العالم العربي ترتبط بالصراعات والحروب الأهلية والاقليمية.

ويضيف التقرير أن الدول العربية شبه عاجزة عن تلبية مطالب سكانها من فئة الشباب الذين يتجاوز عددهم 100 مليون، يتهدّدهم الفقر والبطالة والتهميش ويدفع بقسم منهم الى الهجرة الشرعية وغير الشرعية وبقسم آخر إلى الوقوع في التطرف والعنف والالتحاق ببؤر التوتر.

وحتى الدول التي حافظت على استقرار نسبي مثل تونس والمغرب والجزائر والأردن ومصر فإنها لم تتمكن من حل معضلة التنمية الاقتصادية لمجتمعاتها وقطع دابر الفساد في هياكل إداراتها بل إن مشاكلها تفاقمت.

وأمام هذه الصورة القاتمة والضغوط المعيشية الداخلية الصعبة ووصول تيارات يمينية محافظة في العالم الغربي فإن التقرير لا يستبعد أن تعيد المجتمعات العربية التي فشلت في قطف ثمار ثورات سنة 2011 الكرّة، وأن تثور على ما تراه استمرارا للظلم والفساد والاستبداد.

غير أنه، إذا صح هذا التحليل، فان السؤال الذي ينبغي طرحه هو هل المجتمعات العربية قادرة على قيادة ثورات جديدة أم أنها باتت منهكة القوى؟ ولن تقدم على تجربة جديدة من هذا النوع؟..

ومن المؤكد أن الجماهير العربية تشعر بأن ما حدث أضر ببلدانها، وأطاح باستقرارها، وقد ذهب بعضها إلى القول إن الوضع الذي كان سائداً قبل الربيع العربي كان رغم عيوبه الكثيرة أفضل مما حدث، غير أنه قياسا على ما حدث في الأردن مؤخرا، وقياسا على الحراكات التي شهدتها وتشهدها بعض الدول العربية الأخرى (الجزائر والمغرب والعراق) فان احتمال اندلاع ثورات جديدة يبقى واردا، خاصة إذا استمرت الأنظمة في هذه الدول مترددة في القيام بالإصلاحات العميقة التي تقتضيها تلبية انتظارات شعوبها والحفاظ على استقرارها...

2/ في ضوء ما تقدم يمكن القول إن "القدر لم يستجب للشعوب العربية التي ارادت الحياة" أو هو على الأقل لم يستجب لها بما فيه الكفاية او بالقدر المطلوب. فاليوم وبعد ست سنوات تبخرت أحلام كل من كان يعتقد أن "الربيع العربي" سيأتي بأنظمة سياسية ديمقراطية وأمن قومي وبازدهار اقتصادي. ويتعزز الشعور بالغبن والخوف من المستقبل في المجتمعات العربية بالأوضاع المتأزمة لمختلف دولها، بل إن ظروفها الاقتصادية أضحت أسوأ مما كانت عليه قبل اندلاع الثورات عام 2011.

واعتبارا لذلك فإن ثورات "الربيع العربي" تقف اليوم امام أحد احتمالين إما أن تطوى صفحتها بصورة كاملة ونهائية، واما أن تتجدد مرة أخرى وهو ما لا يستبعده البعض ممن يرون ان "الربيع العربي" لم يحقق ما كانت تصبو إليه الشعوب من حرية وعدالة وإنهاء للفساد والاستبداد، ولذلك فانه من الوارد حسب واحدة من افتتاحيات صحيفة الجارديان البريطانية "إن الظروف التي تعيشها شعوب المنطقة العربية ربما تكون أسوأ من تلك التي أدت إلى اندلاع ما عرف بالربيع العربي وأن وجود تلك الظروف ربما يجعل تكرار تلك الأحداث واردا وبقوة".

3/ من المهم التنبه الى أنه ليس من السهل أن نعرف من هو المسؤول على ذلك... فهل هو نتاج الثورات ذاتها؟ أم هو نتاج عمليات إجهاضها المبرمجة والمخطط لها؟ 

ومهما يكن المسؤول فإن ما حدث "غير العالم العربي، الذي لن يعود إلى ما كان عليه من قبل أبدا".

وبعبارة أخرى فان "المارد خرج من القمقم"، ولا يمكن إعادته اليه مرة أخرى، أي أن الشعوب العربية ستتحرك من جديد من أجل بناء أنظمة تستجيب لاحتياجاتها وتلبي مصالحها، وهي ستقف في وجه الاستغلال والاضطهاد والهيمنة الخارجية عاجلاً أو آجلاً، لان الربيع العربي بالرغم من كل خسائره الفادحة، علمها التحرر من الخوف والسعي الى الحرية والانعتاق. 

4/ إن ما ينبغي التنبّه اليه أيضا هو تجنب تضخيم الأدوار الخارجية حتى نفي أي دور داخلي في اندلاع ثورات "الربيع العربي" وفي مشروعيتها.

فالقول ان الثورات العربية من صنع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية غير منطقي للأسباب التالية:

- أنه من غير المعقول ان تعمل واشنطن على تغيير أنظمة حكم عربية، هي من أفضل عملائها في المنطقة.

- أنه يمنحها شرف الحرص على تغيير أنظمة حكم فاسدة واستبدادية، وهو ما يخالف تاريخها الطويل في التعامل مع هذه الأنظمة ودعمها.

- أنه ينزع من الشعوب العربية أي قدرة على التحرك المستقل لتغيير ما بنفسها.

- أنه يستخف بدماء آلاف الشهداء والجرحى الذين سقطوا أثناء الثورات العربية في مصر وتونس، واليمن والبحرين وليبيا وسوريا...

- أنه يجرد الثورات العربية التي شاركت فيها معظم القوى الوطنية والشبابية الحية في المجتمعات الثائرة، من نبلها.

- إن هذه النظرة السلبية ساهمت وتساهم في هزيمة الثورات العربية وفي المقابل في تمكين أجهزة الأنظمة القديمة من إعادة السيطرة على مقاليد الحكم...

- أنها تحبط أي محاولات جديدة لتغيير الواقع واستكمال ما لم يكتمل بعد على الساحات العربية، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المجتمعات العربية بصدد "تخليق" فاعلين سياسيين جدد وقوى سياسية مستقلة بديلة، بدأت تطفو على السطح كما دلت على ذلك نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة في تونس. 


*السفير محمد إبراهيم الحصايري: خبير بالمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية
 

 

مقالات ذات صلة

إعلام السلطة!

14 نوفمبر 2018 12:13

 بقلم: محمد علي الصغير لعل تغير الخارطة السياسية في بلادنا وانقسام السلطة بصفة ...

تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني

07 نوفمبر 2018 20:09

حسن عزالدين الدياب-     أكد التونسيين على مساندتهم المطلقة للقضية ...

في الذكرى الثانية لوفاته: خلدون والموسيقى العابرة ...

28 اكتوبر 2018 22:15

 بقلم: طاهر بشير يوم 28 اكتوبر 2016، غيب الموت الاستاذ الجامعي والعازف المبهر ...

حذار أيها التونسيون..الفتنة تطلّ بأكثر من رأس!

27 اكتوبر 2018 10:03

بقلم عبد السلام بن عامر-   يوم الجمعة 26 أكتوبر، كنت أظن أن الفايسبوك سينفجر غضبا ...

إصلاحات صغرى عجزنا عن القيام بها...

24 اكتوبر 2018 15:23

إذا سلمنا بأن في بلادنا فقط مليون عائلة.. ومليون مدخن.. ومعدل هامش الربح في علبة ...

عائدة من الموت..

24 اكتوبر 2018 08:27

يسرى الشيخاوي- أرواح أزهقت وجسور شطرت إلى نصفين وطرقات قُطعت وحقول أتلفت، ...

فيديو حقائق