08 اكتوبر 2018 16:20

" عرض طارق العربي طرقان: حينما يردّد الجميع "إنا للطفولة وإنا إليها راجعون

يسرى الشيخاوي-
 
ذكريات الطفولة تأبى أن تغادر ذاكرتنا، يتعتّق بعضها بمرور الزمن وتصبح ملاذنا كل حنين، نستحضرها فتزين البسمة شفاهنا ونعرض عن قتامة الواقع ولو لحين، وعالم الطفولة عالم سرمدي مليء بالبهجة والألحان، ألحان حمالة لألوية حكايات وعبر وحكم، غنّى على وقعها طارق العربي طرقان وأبناؤه، فكانت أغاني الكرتون لحظات من الزمن الجميل اقتنصناها من حضن الذاكرة.
 
في حفلة طارق العربي طرقان الثانية في تونس والتي خصصت مداخيلها لفائدة ولاية نابل المتضررة من الفيضانات الاخيرة، توافد الجمهور على مدينة الثقافة، كانت الممرات المؤدية إلى قاعة الاوبرا حيث سيقام العرض غاصة بالشيب والاطفال والشباب فعالم الطفولة الجميل ساحر يشد الجميع إليه، وكأنّهم يلوذون إليه من سطوة الواقع ورتابة الروتين اليومي، وأغاني الكرتون بنسقها الحماسي تبعث في الروح شحنة من المحبة وتوقد في ثنايا النفس شعلة من الأمل.
 
طارق العربي طرقان ليس مجرّد فنان يؤدي أغاني الاطفال، هو من نحت جزء من طفولتنا، هو عراب الخيال الحلو، وصانع احلامنا، هو أنيس جيل التسعينات ورفيقهم، يحبونه ويحبهم ، يرونه ابا روحيا ويناديهم ابنائي، في الحقيقة هو لا يغني، هو يلقي تعويذات طيبة قادرة على محو كل ما هو سيء من ذاكرتك، تعويذات تعود بك إلى أصدقاء الطفولة، وحماقاتها، وذكريات مات بعض أبطالها.
 
هب إليه المحبون، فلم يبخل عليهم وحملهم وابناؤه إلى عوالم ملونة بألوان الحياة ومحملة بالعبر والمواعظ، كانت روح طفولية تخيم على مسرح قاعة الاوبرا في مدينة الثقافة، وأغاني الكرتون ليست مجرد ذكريات او حنين هي بلسم يمحي أثر السنين من روحك، يحررك من التزامات الواقع، تنعتق معه روحك فتتفاعل مع النغمات التي تنقلها لعصا المايسترو جورج قلته.
 
طارق العربي طرقان، خاطب الاطفال في دواخلنا، خاطب أطفالا لا يكبرون رغم مرور الزمن، هم يسكنون ركنا من أرواحنا ويهبون إذ سمعوا ترانيم الطفولة، استحضر لحظات انتظار برمجة الصور المتحركة في التلفاز، والشوق الذي يرافقها، ضحكات الاجداد الذين مات بعضهم، فيض من الحب والمشاعر الجميلة التي ظل بعضها الطريق إلى أيامنا هذه.
 
طفولة حالمة وثائرة لا مكان فيها للرتابة والملل، مع المحقق "كونان" تغوص في عالم الجريمة وتجند كل طاقتك للبحث عن المجرم، تنسجم مع الحكاية وتتعلم ان تتساءل، ومع الكابتن "ماجد" تتجاذبك ثنائيات التواضع والغرور ويدق قلبك مع كل إصابة تلقاها الكابتن ماجد وتوقفت أنفاسك قبل كل تسديدة.
 
صراخ الاتراب وهم يلعبون في انتظار انطلاق البرمجة وما إن يحل وقتها حتى يتفرقون وكأنّ هاتفا هتف فيهم أن قامت صلوات المغامرة في حكايا الحب والامل ، كل ذلك الشوق لمعرفة مصير فلة وذلك التعاطف مع الطفلة المسكينة، ذلك الشجن والبكاء لمصيرها، يا لبراءة الاطفال.
 
 طارق العربي طرقان زرع فينا قيمة حبّ الوطن في أغنية في صقور الارض، فكان الوطن مرآة وسيفا ورمحا في وجه المحن، الوطن كل شيء جميل، ومن منا لم يبك لبكاء ريمي وتأفف سخطا من قسوة الحياة عليها، من منا لم يتأمّل تفاصيل أخيه أو أخته بكل ما أوتي من براءة كلما شاهد " انا وأخي".
 
تعلمنا الحماسة والإقبال من "الرمية الملتهبة" و"هزيم الرعد" و"سلاحف النينجا" و"داي الشجاع"  وقيمة العلم والتعلم من "باص المدرسة"، والحب والإخلاص من "سيمبا" و"عهد الأصدقاء"، سيل من القيم الإنسانية والأحاسيس النبيلة بثّها طارق العربي في أرجاء مدينة الثقافة فسافرت بالجميع إلى سنوات خلت.
 
"في جعبتي حكايا"، شعار رفعه طارق العربي طرقان  وأبناؤه محمّد وتالة وديما طيلة الحفل الذي شارك الجمهور في إحيائه من خلال ترديد كل كلمات أغاني الكرتون، كانوا يحفظونها عن ظهر قلب وكأنّها نُحتت في ذاكرتهم، وغنّى معهم طرقان  بتلك النبرة الطفولية التي لم يمسسها أثر الزمن، وكأنّ بالزمن يأبى أن يقترب من صوته المقدّس.
 
طارق العربي  طرقان، لا تغيب الابتسامة عن محياه، يفتح ذراعيه على مصراعيهما ويحتوي روح الطفل فيك، وهو يجيبك عن سؤال غلب عليه الطابع الطفولي، يقول إنّه سعيد جدّا بإحيائه ثاني حفل في تونس وسط أبنائه الذين ترعرعوا على أغانيه، يؤكّد انّه يغني لأبناء تقاسم معهم عمرا.
 
وروح الطفل خيّمت على كل المسرح، تراها في وجوه العازفين وفي حركات المايسترو جورج قلتة  الذي أكّد أن الجمهور التونسي مثقّف وتجاوبه مع اغاني طرقان العربي طرقان لمس الطفل داخله وداخل العازفين فكان أن قاد الفرقة بروح طفل، طفل تنقّل بين أغاني الكرتون كما تتنقّل الفراشات بين الازهار.
 
ومرّة أخرى، ينجح الفنّ فيما فشلت فيه السياسة، وجمعت مدارج قاعة الأبرا في مدينة الثقافة شبابا من مختلف المشارب والانتماءات الثقافية والفكرية، شباب فرّقتهم الرؤى والتوجّهات الفكرية والسياسية وجمعتهم أغاني الكرتون التي غناها طارق العربي طرقان، وعلى أعتاب الطفولة توحّدت الاختلافات واضمحلّت التناقضات.
 

مقالات ذات صلة

مهرجان قلعة المسرح يبحث سبل التسويق للفن الرابع

21 افريل 2019 21:15

محمد علي الصغير- كيف يمكن الترويج للأثر المسرحي والتسويق له ؟ اي مستقبل للمسرح ...

كان مبرمجا اليوم: الاحتلال الصهيوني يتسبب في إلغاء حفل ...

17 افريل 2019 10:36

قسم الأخبار- كشفت إدارة "مهرجان الكامنجاتي - رحلة الروح " عن الغاء عرض ...

رحيل الفنان المصري محمود الجندي

11 افريل 2019 08:24

قسم الاخبار- توفي الفنان المصري الكبير محمود الجندي عن عمر ناهز 74 عاما، بأحد ...

الفنان عبد الرزاق قليو في ذمة الله

06 افريل 2019 15:23

حقائق أون لاين-  توفي اليوم السبت 6 أفريل 2019، الفنان الشعبي عبد الرزاق قليو، ...

روى قصة وطن غيرت وجهه الحرب: الكاتب اللبناني سليم بدوي ...

04 افريل 2019 12:25

حقائق أون لان- يشارك الكاتب اللبناني سليم بدوي في معرض تونس الدولي للكتاب، بكتابه ...

المسرح في عيون الإعلاميين والمسرحيين

03 افريل 2019 22:18

رشاد الصالحي- أسدل الستار على المهرجان الدولي 24 ساعة مسرحا في دورته 18 بمشاركة ...