08 اكتوبر 2018 11:39

بين حركة النهضة والشاهد: زواج متعة أم لعبة خداع إستراتيجي؟

 بقلم محمد اليوسفي -

تطرح علاقة رئيس الحكومة يوسف الشاهد اليوم بحركة النهضة في خضم الأزمة السياسية والتعثر الذي يشهده المسار الديمقراطي عديد التساؤلات والالتباسات حول مستقبل هذا التقارب بين الطرفين.

لا شكّ في أنّ حركة النهضة هي الداعم الأكبر سياسيا وبرلمانيا لحكومة الشاهد التي كانت قاب قوسين أو أدنى من السقوط المدوي لاسيما بعد تعمّق خلافه مع نداء تونس ومديره التنفيذي حافظ قائد السبسي وكذلك رئيس الجمهورية فضلا عن تدهور العلاقة مع اتحاد الشغل الذي يتجه نحو التصعيد من خلال شنّ إضراب في القطاع العام والوظيفة العمومية.

من المهم البحث عن أسباب زواج المتعة الحالي بين الشاهد وحركة النهضة التي اختارت صفّ رئيس الحكومة والداعمين له على حساب التوافق مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي الذي ساءت علاقته بشكل ملحوظ في الفترة الاخيرة مع زعيم الحزب الاسلامي راشد الغنوشي بعد فترة طويلة من الودّ والانسجام ساهمت في ايجاد مناخ من التعايش والتسويات المرّة بالنسبة للجهتين على ضوء مخرجات لقاء باريس الشهير في صائفة 2013.

كثيرة هي الاسئلة التي وجب طرحها في هذا المضمار: لماذا تتمسك حركة النهضة بالشاهد رغم حصيلة حكومته التي تعدّ في مجملها دون الانتظارات المرجوة وفقا للمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على وجه الخصوص؟ هل تبحث حركة النهضة فعلا عن حليف استراتيجي أم في الامر مناورات وتكتيك سياسي يمكن فهمه من منطلق الانحناء في وجه العاصفة تحت وطأة اكراهات داخلية واقليمية ودولية؟ وكيف يمكن أن يمنح الحزب الاسلامي الذي عانى ويلات ثقة شبه مطلقة منحها في فترة من الفترات للرئيس السابق زين العابدين بن علي في أواخر ثمانينات القرن الماضي وقد عادت عليه وعلى مناضليه لاحقا بالوبال ليوسف الشاهد الذي بات في نظر خصومه ومنافسيه منقلبا على أبيه الروحي الباجي قائد السبسي الذي عبّد له طريق السلطة وأضواء الشهرة السياسية بعد أن كان مجرد ناشط سياسي مغمور؟

وأهم من يعتقد أنّ حركة النهضة قد حسمت أمرها من الناحية الاستراتيجية في ظلّ التوازنات الحالية غير المستقرة والواضحة. ففي التمسك بمقولة الاستقرار الحكومي مقاربة الهدف منها التمطيط في الأزمة التي كلّما زاد حجم تعمقها إلاّ وساهمت في إضعاف وتشتيت صفوف منافسها الندائي الذي انقسم إلى ملل ونحل تفرقت دماؤهم في جمهورية القبائل.

صحيح أنّ النهضة التي تستعد للعودة إلى موقعها الطبيعي في المشهد السياسي بعد الفوز الذي حققته في الانتخابات البلدية الأخيرة تخشى فتح باب المحاسبة حول حصيلة الحكم لما بعد انتخابات 2014 التي ساهمت فيها مساهمة فعّالة عبر أبرز قياداتها وفي مقدمتهم أمينها العام زياد العذاري الذي حافظ على حضوره الوزاري منذ حكومة الحبيب الصيد الأولى. لكنّ المحرّك الأساسي لطريقة إدارتها للعبة الشطرنج السياسي في المرحلة الراهنة يتجاوز هذا المعطي الجزئي.

إنّ الانقسام الحالي الذي تشهده حركة النهضة داخلها سواء في علاقة بالموقف من حكومة الشاهد وبعض الممارسات المثيرة للجدل الصادرة عنه أو ترتيباتها استعدادا لقادم الاستحقاقات الانتخابية في سنة 2019 والتي قد تشهد الدفع لأول مرّة بزعيمها التاريخي راشد الغنوشي لخوض غمار السباق نحو قصر قرطاج يمكن أن ترفع النقاب عن جزء من خلفيات إصرارها على التمديد في أنفاس الأزمة السياسية الراهنة. غير أنّه في الطرف المقابل يعلم يوسف الشاهد رئيس الحكومة جيّدا أنّ دعم حركة النهضة له لا يمكن أن يكون دائما ودون شروط وتنازلات باهضة الثمن سياسيا ومجتمعيا خاصة وهو الذي يبحث اليوم عن التموقع في موضع الرجل القوي القادر على توحيد العائلة الديمقراطية التقدميّة لقيادة الدولة في قادم المحطات الحبلى بالرهانات والتحديات. 

في حقيقة الأمر، العلاقة الحالية القائمة بين النهضة ويوسف الشاهد أقل ما يقال عنها إنّها معقدة ومتشعبة فالشاهد الذي خبر أجهزة الدولة العميقة وما تخفيها من ملفات ثقيلة وصناديق سوداء لن يكون فريسة سهلة أو مجرد دمية متحركة في يد الحزب الاسلامي الذي أضحى في الأيام الأخيرة على صفيح ساخن بعد الاتهامات التي وجهتها له الجبهة الشعبية ومن خلفها لجنة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي حول ما بات يسمى إعلاميا وسياسيا بالجهاز الخاص السرّي وهي ورقة قد تعيد خلط الأوراق والحسابات.

إنّ العلاقة الملتبسة والملغزة بين الطرفين لا يمكن فهمها خارج دائرة الخداع الاستراتيجي مثلما يقع في لعبة الأجهزة المخابراتية الكبرى فالنهضة التي سبق أن دعت يوسف الشاهد إلى إعلان تفرغه للعمل الحكومي والاصلاحات الكبرى المنتظرة بما يجعله بعيدا عن دوائر المنافسة في قادم الاستحقاقات الانتخابية لم تضع جميع ما تملك من بيض في سلّة واحدة، ورئيس الحكومة هو الآخر مازال يصارع من أجل البقاء في سباق الرهان على لعب دور سياسي محوري في المرحلة القادمة بعد أن تمكن من تشكيل حزام مالي وسياسي برلماني وإعلامي، حوله وخاصة نجاحه بدهاء ملحوظ في تصفية وإبعاد العديد من المنافسين والخصوم في سبيل طريق صناعة مجده الشخصي.

بيد أنّ الأسابيع القادمة ولاسيما تلك التي ستلي الحسم في قانون المالية وميزانية الدولة لسنة 2019 وحدها ستكون الكفيلة بالكشف عن ملامح آفاق التقارب الآني الوثيق بين الجهتين فزواج المتعة أو المؤقت كما تعرّفه الأدبيات الفقهية هو عادة ما يستمرّ إلى أجل لا ميراث فيه للزوجة ولذلك تقع الفرقة عند انقضاء الأجل وهنا بالذات قد يكون للمسؤول الكبير الذي تحدث عنه الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية في إحدى اطلالته التلفزية دور مركزي.

ننتظر ونراقب كما يتردّد في المقولة الانقليزية الشهيرة.

مقالات ذات صلة

"تونس ..التّافهون يحصلون على كل شيء"

25 نوفمبر 2018 20:02

بقلم: رياض عمايرة عام 2017 صدرت للكاتب العراقي علي بدر رواية بعنوان "الكذابون ...

يتبدّلون ولا يتغيّرون.. الإسلاميون وخدعة ربطة العنق

24 نوفمبر 2018 14:00

أثبتت تجارب بعض التيارات الإسلامية التي تمكّنت من الحكم خلال العقدين الأخيرين، ...

عشية الإضراب العام: اتحاد الشغل الحزب الاجتماعي ...

21 نوفمبر 2018 17:50

بقلم: طارق الكحلاوي   راجت في الايام الاخيرة نصوص دعائية اقرب الى التمني تدعي ...

إعلام السلطة!

14 نوفمبر 2018 12:13

 بقلم: محمد علي الصغير لعل تغير الخارطة السياسية في بلادنا وانقسام السلطة بصفة ...

تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني

07 نوفمبر 2018 20:09

حسن عزالدين الدياب-     أكد التونسيين على مساندتهم المطلقة للقضية ...

في الذكرى الثانية لوفاته: خلدون والموسيقى العابرة ...

28 اكتوبر 2018 22:15

 بقلم: طاهر بشير يوم 28 اكتوبر 2016، غيب الموت الاستاذ الجامعي والعازف المبهر ...