28 نوفمبر 2021 13:18

نساء "البرباشة"حياة دون ضمانات.. "مللنا البكاء على عتبات المسؤولين ونخاف الموت وسط القمامة "

إعداد الصحفية رانية رزيق-
جامعات النفايات، ساكنات القمامة أو "شعب البرباشة" هي تسميات متعددة لنساء امتهن جمع البلاستيك لإعالة عائلاتهّن، "رحلتي تنطلق منذ السابعة صباحا، أجوب الشوارع وأنبش داخل أكوام النفايات علني أظفر بأكبر عدد ممكن من علب البلاستيك"، هكذا استهلت دليلة العياري حديثها معنا وهي احدى النساء اللاّتي امتهنّ جمع البلاستيك في حي التضامن منذ 14 سنة بعد أن توفي زوجها وأصبحت المسؤولة الوحيدة عن ابنها ذو العشر سنوات.
 
اصطحبتنا دليلة في رحلة من روتين صباحاتها اليومية، فيومها يبدأ في الساعة السابعة صباحا، تعدّ فطور ابنها ثم تنطلق باحثة عن قوت يومها "نحن مواطنون درجة ثانية وأعتقد أننا غير مدرجين ضمن المواطنين، فنحن لا نتمتع بحقوقنا في هذا البلد الذي نحبه رغم حجم الفقر الذي نعيشه فيه" تحلم دليلة بالحصول على بطاقة علاج مجّاني منذ سنوات وفي كل مرّة يرفض طلبها من السلط المحليّة، لذلك اخترناها بطلة ريبورتاج اليوم لنسلط الضوء على نساء "البرباشة "وقصصهنّ مع ماراطون الحياة بحثا عن حلول تؤمن حياتهنّ بعد أن تعبنّ من تقديم الشكاوى إلى السلطات المحلية، معاناة تتضاعف مع إرتفاع نسب الفقر في تونس وزيادة أعداد جامعي البلاستيك الذي بلغ 8000 شخص بحسب منظمة "انترنشيونال الارت".
 
"محرومة من العلاج لأني برباشة"
وجه شاحب وأياد مرتعشة تملؤها التشققات هي ملامح دليلة العياري المرأة المناضلة كما يسميها أبناء وبنات حي التضامن ،حدثتنا عن مخاوفها من خسارة ابنها قائلة "كدت أخسر إبني  عندما مرض ولم أتمكن من معالجته لاني لا أملك بطاقة علاج"، تجدون وتجدن قصة دليلة في الفيديو التالي:
 

 
ازداد الوضع قتامة خلال أزمة كوفيد 19 فقد أثر على الوضع الاجتماعي والاقتصادي والنفسي لمنقّبي النفايات. فقد أجرى المعهد التونسي للعمل الشامل دراسة امتدت على 8 أشهر شملت 62 إمرأة تعمل في مجال النفايات ببلديّة دوّار هيشر،سكرة، المنيهلة وحي التضامن وشخّصت ضعفهّن الاجتماعي والعائلي وطرق عيشهنّ وكيفيّة تحسين وضعهنّ الماليّ.
 
إلتقينا في إطار بحثنا عن الموضوع والوقوف على تفاصيل الدراسة نائبة رئيس المعهد التونسي للعمل الشامل رانية الحاجي التي اعتبرت أن الدراسة أنتجت العديد من المعطيات الهامّة التي وجب مشاركتها مع السلط المحليّة والمجتمع المدني لتكوين صورة واضحة عن هذه الفئة. 
 
وتفيد الدراسة أن 95 بالمائة من الناشطات يفوق سنهنّ الأربعين سنة كما أن 88.7 بالمائة تعلن عائلاتهنّ وأطفالهنّ وهو ما يعتبر دافعا لممارسة هذا النشاط.
 
وتقول رانية الحاجي إن الدراسة أثبتت أن أكثر فئة تعرضت  للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية هن النساء البرباشة فقد تعرضن في فترة الكوفيد لصعوبات ولم يتمكن من التمتع بالمساعدات التي رصدتها الدولة لهن لأن السلط المحلية لا تملك قائمة بأسمائهن.
وتضيف الحاجي " أردنا من خلال الدراسة تشريك السلط المحلية والمجتمع المدني من أجل إيجاد حلول منها خلق مؤسسات اقتصاد إجتماعي وتضامني لضمان العيش للبرباشة في مجال رسكلة النفايات أو قطاعات أخرى.
 
 
"وجدنا الرحمة في أكوام النفايات ولم نجدها لدى المسؤولين"
"أم أمين" كما اخترنا تسميتها، رغم حالتها المنهكة استقبلتنا بابتسامتها الجميلة ،كانت تتحدث إلينا وهي تجمع قوارير البلاستيك " أعمل  في جمع  النفايات منذ سنوات " المهم عندي أن أؤمن عشاء أطفالي ووالدتي ولا يعنيني كلام الناس ونظراتهم التي تحتقرني دائما، لم يدم لي أحد منهم العون وانا لست بحاجتهم" ومن خلال حوارنا مع "أم أمين " علمنا أنها تقدمت بشكاوي عديدة للسلطات المحلية كالبلدية والولاية والمعتمدية "استخدمت كل الطرق وبكيت على عتبات كل الإدارات وتوسلت إلى كل المسؤولين الذين لم يعيروني أدنى إهتمام".
 
طلبت منا "أم أمين " ايصال صوتها إلى المسؤولين علها تستطيع إيجاد حل ينقذ أبناءها من الجوع والفقر.
 
  
48.4 بالمائة دون تغطية اجتماعية وصحية، فما هو موقف بلدية  بلدية دوار هيشر؟
طبقا للبحث الميداني الذي أجراه المعهد العربي للعمل الشامل تبين أن 48.4 بالمائة من النساء العاملات في جمع البلاستيك "البرباشة " لا تتمتعنّ بأي آلية للتغطية الاجتماعيّة والصحيّة. كما أن دخلهنّ اليوميّ لا يتجاوز 10 دينارات ممّا يجعلهنّ غير قادرات على تحمّل مصاريف العلاج.فهن تعملن صباحا مساء دون حماية،لاقفازات ولا كمامات وفي أغلب الاحيان تصاب النساء بجروح بليغة نتيجة بقايا الفضلات البلورية أو الإبر التي تلقى من النفايات الطبية،ورغم ذلك تداوين أنفسهن بطريقة بدائية لأنهن لا تملكن الحق في العلاج.
 
توجهّنا الى رئيسة لجنة الشؤون الاجتماعية  ببلديّة دوّار هيشر سميرة النفزي،محملين بطلبات النساء اللاتي إلتقينا،وقد اعتبرت ان الأغلبيّة عاطلات عن العمل و لا تتوفر فيهن الشروط للحصول على التغطية الإجتماعيةّ. كما اعتبرت أن "البرباشة" يستسهلون هذا العمل لأنه لا يتطلّب مشقّة التنقّل.بقية تصريح رئيسة لجنة الشؤون الاجتماعية ببلديّة دوّار هيشر تجدونه في هذا الفيديو:
 

 
يتحدى " البرباشة " ظروف العمل الصعبة و الأمراض والمخاطر الصحية المحيطة بعملهنّ و سيطرة الوسطاء على هذا القطاع.  حيث تنتشر نقاط لتجميع البلاستيك ،  تقوم بدور الوسيط بينهن وبين المصانع،  لتشتري منهن المواد البلاستيكية بأبخس الأثمان ثم تبيعها لمصانع إعادة التدوير بأسعار أعلى بكثير.
وقد حاولنا الحديث مع مجامع شراء البلاستيك إلا أن أغلبهم رفض ذلك لكنّنا علمنا من خلال  حديثنا مع النساء أن الكيلوغرام من البلاستيك يتراوح  سعره بين 500 و 1000 مليّم.
 
 
 
سنة 2018 دشنت منظمة « انترناشيونال ألرت » المشروع النموذجي وحدة الرسكلة للبرباشة في حي التضامن، الذي يتمثل في إحداث وحدة لرسكلة النفايات البلاستيكية اعتمادا على مبادئ الاقتصاد الاجتماعي التضامني.ويأتي هذا المشروع في إطار شراكة بين « إنترناشيونال ألرت » وجمعية حماية البيئة والرسكلة ويهدف إلى تمكين جامعي النفايات من ضمان مصادر دخل منصفة ومستدامة وتمتعهم بنظام للتغطيّة الاجتماعية.لكن المشروع أفلس بسبب سوء التسيير وتم إغلاق وحدة الرسكلة وعادت مجامع البلاستيك في الانتشار مستغلة جامعي وجامعات البلاستيك.كما علمنا أنه وفي سنة 2019 تم تدشين نفس  المشروع من قبل المنظمة  في ولاية تطاوين. 
 
 
وإلى جانب عملها "برباشة " ترأس دليلة العياري جمعيّة الرسكلة وحماية المحيط في حيّ التضامن، وقد أخبرتنا ان وضعيتهنّ تدهورت بعد إغلاق المجمع و تبخرت جميع آمالهم في الحصول على تأمين صحي واجتماعي لهنّ "جميع النساء المنخرطات في الجمعيّة يعشن نفس المأساة ويواجهنّ وضع هشّ وصعب في ظلّ المخاطر الصحيّة و ضعف المداخيل التي لا تكفي لتسديد قوتهّن اليومي.توجهنا برسائلهنّ إلى لجنة الصحة ببلدية دوار هيشر علنا نجد حلا لهن.
 
"صلاحياتنا محدودة وتدخلنا مرتبط بقاعدة البيانات"
يقول رئيس لجنة الصحة ببلديّة دوّار هيشر صبري حمدي أن البلديّة لم ترصد ميزانيّة مخصّصة "للبرباشة" وأن صلاحيتها محدودة،ورغم كل محاولاتهم لتقديم المساعدة لهم إلا أن ذلك غير ممكن لغياب قاعدة بيانات تحدد هوياتهم واعدادهم.
 

  
ومن بين التجارب النموذجية والتي  تطمح بلدية دوار هيشر الى النسج على منوالها تجربة  بلدية سكرة التي اهتمت به الفئة المهمّشة من خلال عمليّة الفرز الانتقائي للنفايات المنزليّة في مارس الفارط إحتفالا باليوم العالمي للرسكلة. وقامت  بتركيب 100 قفص بالقرب من الحاويات المخصّصة للبلاستيك فقط وهذا ما يسهّل العمل "للبرباشة".
 
ويضيف رئيس لجنة الصحّة  قائلا "نعم نستطيع ذلك لكن البلديّة لا تملك قائمة في أسماء "البرباشة" بالمنطقة لتتمّكن من مساعدتهم ورغم ذلك وفرّت لهم القفازات في أزمة كورونا،وتكمن الصعوبة في انتقال هذه الفئة المهمّشة من المنظومة غير المهيكلة إلى المنظومة المهيكلة فالعديد منهنّ غير مدرجات في قاعدة البيانات".
 
رحلتنا مع نساء تونسيات امتهن جمع البلاستيك دامت أسبوعا رافقناهنّ وهن تنتقلنّ بين أكوام النفايات تبكين تارة وتضحكن تارة أخرى،هنّ لا تحلمنّ بمنازل وأموال،هن تحلمن بحياة تتمتعن فيها بحقوقهن،دون خوف من الموت وسط النفايات…فتونس رفعت منذ 10 سنوات شعار"النفايات مصدر للثروات "سعيا منها لخلق مؤسسات بيئية،نعم هذا جيد لكن أين حقوق  جامعات وجامعي البلاستيك في تطبيق هذا الشعار؟.
 
في انتظار تفاعل  لجنة الصحة ولجنة الشؤون الاجتماعية ببلدية دوار هيشر سنتابع الموضوع ونواصل الدفاع عن هذه الفئة علنا نكون سببا في تغيير حياتهن من خلال مناصرة قضاياهن.

مقالات ذات صلة

موقف حركة الشعب من خروج أحزاب للتظاهر يوم 14 جانفي ومن ...

20 جانفي 2022 13:13

مروى الدريدي- قال عضو المكتب السياسي لحركة الشعب

عماد الخميري: النهضة ستتسلح بكل الوسائل القانوينة ...

20 جانفي 2022 11:18

هبة حميدي- افاد  القيادي يحركة النهضة عماد الخميري خلال ندوة صحفية عقدتها الحركة ...

وفاة شاب تعرض إلى العنف من قبل دورية أمنية.. تفاصيل ...

19 جانفي 2022 19:44

 يسرى الشيخاوي- توفي أمس، الشاب شكري مفتاح، بمستشفى الطاهر المعموري بنابل حيث ...

أميرة محمد: وعود رئيس الجمهوية باحترام العمل الصحفي ...

19 جانفي 2022 13:42

حقائق أون لاين- ثمّنت نائبة رئيس نقابة الصحفيين التونسيين

ماجل بلعباس: مريض بالسرطان يخوض اضراب جوع اثر تنكر ...

19 جانفي 2022 11:39

مروى الدريدي- دخل المواطن عمر فارحي أصيل معتمدية

خيام الشملي: السلطة مسؤولة عن الإفلات من العقاب.. و234 ...

18 جانفي 2022 20:50

 يسرى الشيخاوي- قال الممثل عن ائتلاف الأمن والحريات، خيام الشملي، إن 234 بطاقة ...