22 اكتوبر 2021 21:51

"آخر مرة" لوفاء الطبوبي.. استنطاق المسكوت عنه

 يسرى الشيخاوي-

 على الخشبة في قاعة الريو، تتجلى ملامح أخرى للعلاقة بين المرأة والرجل، ويتخذ الصراع الأزلي بين آدم وحواء أبعادا أخرى، وتتهاوى المسلمات والثوابت وتسقط أوراق التوت وتتفتق الجراح التي لا تندمل على إيقاع عمل مسرحي مسكون بالنقد والرفض ومحمل برسائل تمتد من الألم إلى الأمل. 

"آخر مرة" مسرحية من إخراج وفاء الطبوبي المرأة المنتصرة لكل النساء والفنانة المتيّمة بالمسرح، وهي بمثابة المرآة التي تنعكس فيها ملاحم الشد والجذب بين "الهو" و"الهي".

من تشريح العلاقة بين المرأة والرجل واستنطاق المسكوت عنه إلى الغوص في في الاجتماعي والنفسي، تمرر الطبوبي أصابعها على الجراح المفتوحة وتزيح عنها أكوام الملح وتحرر الصرخات المكتومة وتلقي بخيوط النور في الخانات المظلمة. 

ما إن تقع عيناك على عنوان المسرحية تغرق في التساؤل عن المغزى من وراء استعمال هذه التعبيرة التي نلجأ إليها حينما يعترينا الندم أو الخوف من تكرار تجربة ما أو الرهبة من إدمان شيء ما أو شعور ما أو شخص ما، وهي التعبيرة ذاتها التي نقطع بها وعدا حينما نقلع عن تصرف ما أو سلوك ما، وفيها أيضا إحالة إلى الحسرة والذكريات وإحصاءات المرات الأخيرة. 

وعلى إيقاع الوضعيات الدرامية، تتواتر التعبيرة وتتخذ في كل مرة معنى جديدا، وتتبدى معالم نص مسرحي يراوح بين بساطة الكلمات وعمق الدلالات، نص وهبته  الطبوبي الكثير من روحها وشحنته بالقضايا التي تسكنها.

والنص في هذه المسرحية يقحمك في نفسيات الشخصيات ويغرقك في أمراض المجتمع، ويحملك في كل مرة إلى قصة ما او حادثة ما أو ذكرى ما يتجلى فيها الصراع الذي لا ينتهي بين المرأة والرجل.

مع انسياب السرد المسرحي، تتبدى ملامح المسرحية في ثلاث وضعيات مختلفة تجمع إمرأة ورجلا، مدير وسكريتيرة، أم وابنها، وزوجان، وضعيات تعري فيها المخرجة هشاشة هذه العلاقات ولكنها أيضا تبرز مكامن الصلابة فيها.

وليس نقد هذه العلاقات إلا انطلاقة لنقد المجتمع والدولة وسياساتها ومؤسساتها، ففي المشهد الاول كان الصراع بين "السكريتيرة" و"المدير" مجالا لطرح آفات المحسوبية والمحاباة والتحرش بالنساء في فضاءات العمل وعدم تكافؤ الفرص.

هي معاناة العديد من النساء اللاتي تضطرهن الظروف إلى العمل في بيئة تهين كرامتهن وتستنقص من كفاءاتهن وتستبيح اجسادهن وتستعبدهن لمن هم أقل معرفة وعلما منهن، هي كل مشاعر اليأس والخضوع والسؤم والغضب تجسّدت على الخشبة.

من العلاقة الشغلية بين إمرأة ورجل، عرّجت المسرحية على أزمة النقل في تونس وعلى اختلال التوازن داخل العائلة والعلاقات المصلحية والبنية التحتية التي لا تستوعب شاعرية الامطار.

في خاتمة المشهد تستبطن المرأة كل ضغوطات المجتمع ويثقلها جسدها وينطلق المشهد الثاني بروح أخرى ومعاني أخرى، ومن علاقة الأمومة والبنوة تتهاطل ظواهر مجتمعية كثيرة على الركح. 

ومن الجدال بين الام وابنها، تتجلى الفوارق بين الأجيال وتسعى الام إلى فرض سيطرتها وفي المقابل يخوض ابنها حرب التحرر من نفوذها ويحتدم الصراع بينهما ليفضي إلى واقع قاس عنوانه العنف والإدمان والبطالة ومواضيع اخرى لمحت لها المسرحية دون ان تغرق في المباشرتية.

أما المشهد الثالث والاخير، ففيه إعادة صياغة لقصة التفاحة، بعد تقارب وتنافر، وتواصل وانفصال بين الزوجين ينتهي الامر إلى وفاة الزوج مسموما ليخرج من بوتقة الحب إلى عالم الموت.

أسئلة كثيرة تعتريك وأنت تتامل تفاصيل هذا المشهد، فتشارك غصبا عنك في اللعبة التي تؤدّي إلى الموت على إيقاع تلاشي حقوق المرأة في مجتمع يحتكم إلى عادات بالية ويخاف التغيير.

المشاهد الثلاثة كانت مشحونة بطاقة الممثلين أسامة كشكار ومريم بن حميدة اللذين طوعا اجسادهما في خدمة المسرحية فتناغمت حركاتهما وسكانتهما وتعانقت إيماءاتهم وتعبيراتهم ليخلقا في كل مرة حياة أخرى على الخشبة. 

سبعون دقيقة ملأتها الطاقة التي لا تخفت ولا تخبو، وزينتها خطواتهما وانفاسهما المنسابة في اتساق وتناغم، لينساب جسديهما على امتداد المسرحية بمرونة رغم ثقل النقد المحمول عليها.

قدرة جسدية وحسية جعلتهما يلتهمان الخشبة ويشدان إليهما الانظار وكل منهما ينتقل بسلاسة بين ثلاث شخصيات بأبعادها الجسدية والنفسية وخلفياتها المتبدّلة في كل مرة، ويأخذك إلى دواخل الشخصيات بنفس الحماسة.

وفي الكوريغرافيا التي اوجدتها مريم بوحديدة ووفاء الطبوبي، بدا جسدا الممثلين طيعين لينين يتماهيان مع الموسيقى التي شكّلها صالح الشرقي ويترجمان الانفعالات إلى خطوات وحركات حتى ظهرا وكأنهما جسد واحد.

أما السينوغرافيا، فقد نهلت هي الاخرى من معين البساطة إذ اعتمد اسكندر الشريف على ديكور بسيط يتمثل في طاولة وكرسيين تتغير مواضعهم تظل دلالاتهم واحدة، الجلوس إلى طاولة الحوار لا يعني أبدا انتهاء الصراع، فيما كانت الإضاءة التي حرّكها يزيد بلهادي دليلا لتفاصيل المسرحية وتذكرة عبور بين الانفعالات وامتدادا بين مشاعر اليأس والأمل.

 

 

مقالات ذات صلة

"أما بعد".. عن التجربة القصصية التي كسرت القيود

29 نوفمبر 2021 12:16

يسرى الشيخاوي- "أما بعد"، مجموعة قصصية تماهت فيها هواجس شابات وشبابمن منطقة الكرم ...

تعاونية الفنانين تعقد جلستها العامة الانتخابیة يوم 29 ...

29 نوفمبر 2021 11:13

حقائق أون لاين- أعلنت تعاونية الفنانين والمبدعين والتقنيين في المجال الثقافي

غدا بمدينة الثقافة: ندوة حول تحولات الرواية ...

24 نوفمبر 2021 17:04

 ناجح مبارك- تفتتح وزيرة الثقافة حياة قطاط القرمازي، مساء غد الخميس، ندوة ...

المطالعة تذكرة حرية للمودعين بسجن حربوب

23 نوفمبر 2021 16:08

يسرى الشيخاوي- وسط الضبابية التي تلف المشهد العام في تونس، ووسط أخبار البؤس ...

معرض "فيرجيل أبلوه" في متاحف قطر:  عين على ...

20 نوفمبر 2021 18:35

قسم الأخبار- افتتحت متاحف قطر المعرض الاستعادي فيرجيل أبلوه: "إبداع بلا ...

الكتاب من المهد الى المجد".. حينما تعبق الدهماني ...

15 نوفمبر 2021 17:03

 يسرى الشيخاوي- "الكتاب من المهد الى المجد" تظاهرة ثقافية نظمتها المكتبة ...