26 سبتمبر 2021 19:20

تونس تخضع لنظام "الملك المؤقت": فأي ضمانات دستورية لقبر الدكتاتورية؟

  بسام حمدي-

كثيرا ما أثرت تقلبات المشهد السياسي في تونس على طبيعة النظام  الذي تحتكم إليه البلاد وتقريبا في كل الحقبات التاريخية، بدءا فترة من الحبيب بورقيبة الذي أرسى نظام رئاسي ومرورا بفترة بن زين العابدين علي الذي غيره إلى نظام رئاسوي وكذلك فترة ما بعد الثورة التي خضعت فيها البلاد إلى نظام مؤقت للسلط قبل صياغة دستور 2014 الذي أرسى النظام المختلط أو ما يسمى بالنظام شبه البرلماني وصولا إلى زمن الرئيس الحالي قيس سعيد الذي يسعى بدوره إلى إرساء نظام جديد.

 

وبعد سنة 2011، تغيرت طبيعة النظام بتغير موازين القوى الخاضعة لأهواء قادة الحكم، ومرت تونس من نظام شبه برلماني خلال فترات تولي رؤساء الحكومات السابقين حمادي الجبالي وعلي العريض الخاضعين إلى تسيير برلماني نظرا لانتمائهما للحزب الأول في البرلمان، قبل أن ينتقل الحكم إلى نظام شبه رئاسي خلال فترة حكومة الحبيب الصيد المأمور بتوجهات رئيس الجمهورية الراحل الباجي قائد السبسي، ثم عاد الحكم مجددا إلى نظام شبه برلماني طيلة الفترة التي تولى فيها يوسف الشاهد رئاسة الحكومة المجسد لخيارات الحزب الأول في البرلمان حركة النهضة.

 

أما اليوم، أحدثت تطورات المشهد العام في البلاد تغييرا جذريا لطبيعة النظام وأحيا قيس سعيد،بصفة مؤقتة،النظام السياسي الذي يجمع بين السللطتين التنفيذية والتشريعية والذي يتقارب في جوهره مع النظام الملكي.

 

وباسثتناء الخلافة أوالوراثة، يتضح أن عقل رئيس الدولة قيس سعيد قاد البلاد إلى فرض نظام سياسي يشترك مع النظام الملكي في جملة من الخصائص ويتماهى معه في جملة من وسائل ممارسة السلطتين التنفيذية والتشريعية، ما يحيلنا بالضرورة إلى القول أن تونس تحكتم حاليا إلى نظام ملكي مؤقت يثير تخوفات الشعب التونسي من فتح أبواب الدكتاتورية على مصراعيها في حال لم تنُجر ضمانات دستورية تقطع همزة الوصل بين المشروع السياسي لسعيد والنظام الدكتاتوري ذو صبغة الحكم الفردي.

 

وحتى لا تطغى المزاجية والقراءة الانطباعية على هذا التوجس من بسط النظام الملكي المؤقت في تونس، فلا بد من الإشارة إلى أن الثوابت الدستورية تؤكد  أن طبيعة النظام السياسي المؤقت الذي أقره سعيد سعيد بتدابير استثنائية يتطابق مع الأنظمة الملكية التي ينفرد فيها السلطان بالحكم ويجمع بين السلطتين التشريعتين والتنفيذية.

 

وتُجمعُ كل المراجع الدستورية على أن الجمع بين سلطتي التشريع والتنفيذ هو نظام فردي يتقاطع كليا مع الديمقراطية وهي ممارسات تزدهر في كل الأنظمة الملكية التي ينتفي فيها مبدأ التفريق بين السلطات الثلاث.

 

وبمقتضى الأمر الرئاسي المتعلق بفرض تدابير استثنائية في السلطتين التنفيذية والتشريعية الصادر عن قيس سعيد، تحول الحكم في تونس من نظام مختلط إلى نظام الملكية الدستورية المقيد ببعض أحكام الدستور وهي أحكام باب الحقوق والحريات وكذلك أحكام باب السلطة القضائية التي لم يتم تعليق العمل بها.

 

وفي نظام الملكية الدستورية يمارس الملك سلطته بموجب إطار مجموعة من القوانين التي ينص عليها الدستور، والحال نفسه في تونس اليوم.

 
وبمقارنة النظام المؤقت الذي اختاره قيس سعيد والنظام الملكي، ألفينا الكثير من الخصائص المشتركة لعل أهمها أن السلطة التنفيذية في البلاد هي التي تشرّع لنفسها، فتشريعات الدولة التي سيلتزم بها رأسي السلطة التنفيذية، رئيس الدولة ورئيس الحكومة، ستصدر عن الرئيس، والحاكم هنا أصبح يشرّع لنفسه وينفذ ما يشرع وهو ما ينطبق في البلدان التي تحكتم إلى الأنظمة الملكية أينما تجد الملك يصيغ التشريعات لنفسه.
 
نقطة أخرى توحي بأن البلاد باتت تحت سلطة الملك مؤقتا، وهي أن رئيس الجمهورية لا يخضع لأي رقابة، فلا برلمان يراقب ولا محاسبة برلمانية تثير مخاوف الملك، ولا أوامر ومراسيم الرئيس قابلة للطعن بالرفض، وهو ما يدفعنا بالضرورة إلى طرح سؤال قد يستفز رئيس الدولة بشأن الضمانات الدستورية التي سيجنب بها البلاد من براثن الدكتاتورية.
 
وبالعودة إلى خطابات سعيد وأوامره الرئاسية، يتضح أن الضمانات الدستورية لغلق الباب أمام الدكتاتورية، اقتصرت فقط على التأكيد على عدم المس من الحقوق والحريات من خلال الابقاء بالعمل وفق باب الحقوق والحريات في الدستور، لكنها ضمانات أضعفتها القرارات المطلقة المتعلقة بالجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فالأمر الرئاسي الأخير المتعلق بالتدابير الخاصة في السلطتين المذكورتين لم يحدد آجال تنفيذ أحكام هذا الأمر الذي نُشر بالرائد الرسمي بصيغة تحاكي صياغة الدساتير.
 
وفي الحقيقة لا يمكن أن يكون صدق شخصية قيس سعيد ونزاهتها ضمانات من شأنها أن تغلق الباب أمام كل سبل الاستبداد والدكتاتورية، واكتفائه بالقول أن السلطة للشعب، لا يعني أن الشعب اختاره ملكا ينفرد بكل دواليب الدولة تشريعا وتنفيذا.
 
وأهم ما سيحدد مصير البلاد، هو ما ستحدده لجنة الاصلاح السياسي التي سيشكلها رئيس الجمهورية لصياغة اصلاحات سياسية قد تشمل تعديل الدستور وتغيير النظام السياسي وفق أحكام دستورية نهائية وإنهاء فترة النظام الملكي المؤقت.

مقالات ذات صلة

غرق مركب مهاجرين بسواحل المهدية: انتشال جثث أب وطفليه.. ...

19 اكتوبر 2021 13:52

مروى الدريدي- في متابعة لحادث غرق مركب مهاجرين

حمة الهمامي: تونس أصبحت موضوع حفل شواء اقليمي ودولي

17 اكتوبر 2021 18:24

يسرى الشيخاوي- قال الأمين العام لحزب العمال حمة الهمامي إن تونس أصبحت موضوع حفل ...

نبيل حميدة.. المعلّم الذي كسب الرهان

17 اكتوبر 2021 17:00

يسرى الشيخاوي- هو معلّم اختار أن يغرّد خارج السرب، أن يصنع لنفسه منهجا مختلفا، أن ...

"مصادرها غير معروفة": الدولة يجب أن توفر 10 مليار ...

16 اكتوبر 2021 13:01

مروى الدريدي- أبدى مجلس إدارة البنك المركزي التونسي، خلال اجتماعه

من أمام مسجدي"الفتح" و"اللخمي": حزب التحرير ...

15 اكتوبر 2021 19:17

 حقائق أون لاين- أطلق حزب التحرير، اليوم الجمعة، تحركاتجديدة تُستغل فيها ...

التحقيق مع مسؤولين في الدولة بتهم تخص جرائم فساد إداري ...

15 اكتوبر 2021 18:34

 بسام حمدي- تجري الوحدات الأمنية والجهاز القضائي تحقيقات واسعة مع مسؤولين في ...