11 سبتمبر 2021 14:15

"المنسيات".. حينما يروي " زنوس" ملحمة المرأة الريفية

يسرى الشيخاوي- 

سبيل لا تلوح لها نهاية تمشي فيها شاحنة تؤوي في قلبها عاملات فلاحة، وبين خيوط الضباب تتبدى نظرات إمرأة تداوي جراحها بابتسامة لو اجتمعت كل لغات العالم لوقفت عاجزة عن تفسير كنهها، ومن بعدها إمرأتان تحملان حيرة العالم في أعينهما وتلاحقان أجوبة لأسئلة لاتنتهي، أسئلة عن العدل والعدالة.

ورجل يمتطي حمارا هو أنيسه ورفيقه في رحلة النسيان والتهميس، هو الآخر يلاحق تفسيرات لا تأتي لمشهدية غامضة، وأياد أنهكتها السنين تتحسس أوجاعها، وإمرأة أخرى تنتزع الشوك بأسنانها، ورجل آخر يترشف قهوته ويغمش عينيه لمرارتها. 

وشاحنة الموت تظهر مرة أخرى لتحملك هناك إلى الحقول حيث تضمن النساء الأمن الغذائي بالعرق والدم والموسيقى تتخذ منحى آخر يخاطب أعماقك ويدعوك إلى الثورة والغضب على واقع تُستباح فيه الإنسانية في اكثر من تجلّ. 

هذه بعض من ملامح أغنية " المنسيات" لفريق "زنوس"، أغنية ضمن الألبوم الثالث "زنوسلاند 3" تروي ملحمة المراة التونسية الريفية الكادحة فيشاحنات الموت والحقول المغتصبة والمجتمع الظالم.

قد تعجز الكلمات عن وصف مأسوية واقع التونسيات اللاتي يعملن في قطاع اللاحة ونقل منسوب الوجع الذي نقف أمامه صامتين، ولكنها إذا ما اجتمعت بالألحان قد تكون معبّرة ولو قليلا، إذ أن الموسيقى تأتي في المرتبة الثانية بعد الصمت عندما يتعلق الأمر بما لا يوصف، كما يراها الفيلسوف الصيني لاوتزه.

وفي "المنسيات" تظافرت الكلمة واللحن  ليخلّدا أوجاع النساء الكادحات، نساء كنّ ومازالن ضحايا التهميش والنسيان ولا ذنب لهن سوى أنهن خلقن في أماكن انعدمت سبل المسؤولين إليها.

بكلمات بسيطة بعمق وإمكانية أكثر بساطة، خلقوا  أغنية حكوا فيها معاناة النساء الكادحات وخاطبوا أرواح حرائر السبالة وغيرهن من النساء اللاتي يركبن شاحنات الموت من أجل دنانير يبذلن في سبيلها عرقهن ودماءهن.

كلمات وألحان مغمّسة بالوجع والنسيان، تحكي وجع يتامى فقدوا امهاتهم في حوادث نقل العاملات الريفيات ونسيان دولة جعلت من هذه الحوادث تستنسخ نفسها في أماكن مختلفة.

إخراج بسيط، رواح بين صور تختزل واقع العاملات في قطاع الفلاحة تعبّر عن الوجع حينما تسكت الكلمات، وإذ صدحت الكلمات تحضر خلفية تحاكي " الفولارة" التي ترتديها نسوة " الدوار" توقيا من لفح البرد والحر.

بألحان مارقة عن التصنيف وكلمات موشحة بالثورة والتمرّد، خاطبت "زنوس " جمهورها  كافرة بكل الأطر وهادمة بموسيقاها قوالب السكّر التي تنشؤها السلطة والمجتمع،

"زنوس فريق موسيقي ﭘانك روك تونسي مقيم في ضميرما تبقّى من وعي هذا الشعب المنكوب".

حليمة وحمّة وجابر، ثلاثي خلق عالمه الموسيقي الذي يشبهه وصارت الموسيقى والكلمات هوياته يتخفّى وراءها ليسلم شر البوليس والمأدلجين وحراس الأخلاق والناطقين باسم الرب.

وفي "المنسيات" يشاركهم الغضب محمد التونسي، ومن ثنايا صوت حمة ونغمات غيتارته الثائرة، تتجلى  الأحداث كلّها نابعة من بكاء الأهالي على شهيدات الخبز، تلك النساء اللاتي يغادرن منازلهن فجرا ينشدن دنانير يجابهن بها الفقر المدقع.

ومن نغمات الباص إذ تبث فيها حليمة الشكوى والسخط، يتسارع نسق المقاومة وكأنها تريد أن تمحي رائحة الموت المنتشرة في الأرجاء وتتجلى آهات الأطفال وصرخات اليتم المكتومة، وألم الفقد والفراق.

ومن إيقاعات البطري والجلود والقراقب إذ لامستها أصابع جابر تتبدى أنفاس الأهالي وهم يترقّبون أخبار الموت ووقع ارتطام أجساد العاملات على الاسفلت ساعة حوادث النقل. 

 كلمات بسيطة واقعية وصادقة حدّ البكاء، وصوت قادم من العنق يجعل الوجع شفافا جدا وعاريا ويحرر صرخات الحزن حتى تخال أنه سيتخطّى كل السماوات ويحمل بوح المعذبات في الأرض بعيدا عن وعود السلطة الزائفة وتواكل رجال يقتاتون من عرق النساء.

"ثارت على الفجاري صبحت تنزف على الفلوس/ راجلها كالبوهالي عايش عالة كالفيروس/ جو باقي البنات من تالي ركبت في الكميون/ وغطت راس كلاه صهيدي البرد وبرشا هموم/ تلموا على البراد وغنوا بش تدفى اليدين"، بعض من الكلمات التي تصدح بها حنجرة حمة قبل أن تسكت وتعود الموسيقى إلى صخبها دونها فلا كلمات تصف مشهد النساء في الشاحنات وعذاباتهن في الحقول.

وبعد صمت تملأه الصور حكايات حزينة، تسترسل الكلمات من جديد " الشمس في قلبه صارت هم قالوا جاء وقت الفطور/ عمس بالخبز البايت ياغورطة والتاي يدور/ جو صحاب الشركة هزو الغلة وحطو الشقف/ اللي جابته الأرض اللي فوق الأرض لكل تلهف/ نبح الكلب وفت الراحة تلموا البناويت/ نبح وما يرتاح كان ما يخرج منهم زيت/ طاحت شمس عشية ورجعت بانت الايسوزو/ الكلب تجلى يحسب في الغلة ويصلي على النبي".

مرة أخرى تسكت الكلمات وتعود الصور لتختزل كل العذابات، وتنتهي الاغنية لا ينقطع صدى كلماتها الأخيرة في داخلك وصوت حمة يردد "لااا دمك في الكياس / دمك طعمو مر/ لعنة أرض وناس/ الدولة والبشر/دمك/دمك/دمك/ دمك في ارقابنا"، والشاشة تهتز امامك كما تهتز روحك لأخبار الموت.

 

 

 

 
 
:
 

 

مقالات ذات صلة

مسرحية "Pas de Signal".. كيف تتحوّل الأوطان إلى مقابر

21 اكتوبر 2021 21:47

 يسرى الشيخاوي-  مسرحية "Pas de Signal".. كيف تتحوّل الأوطان إلى مقابر

"حجر الواد".. متاهة وحيرة وأشياء أخرى

20 اكتوبر 2021 21:08

 يسرى الشيخاوي- "حجر الواد"، تعبيرة عامية تحيل إلى أولائك الصامدين والثابتين في ...

عين على أيام قرطاج السينمائية في السجون

20 اكتوبر 2021 13:57

يسرى الشيخاوي- حمل الدورة السادسة لأيّام قرطاج  السينمائية في السجون، الممتدة ...

ومضة أيام قرطاج السينمائية في السجون بإمضاء مودعي سجن ...

20 اكتوبر 2021 12:01

يسرى الشيخاوي- أنتج المودعون في سجن المهدية الومضة الدعائية لقسم"أيام قرطاج ...

ياسر جرادي: أسوأ فكرة خلقها البشر هي السجن.. ولدي ...

20 اكتوبر 2021 11:36

يسرى الشيخاوي- قال الفنان ياسر جرادي إن أسوأ فكرة خلقها البشر هي السجون، مضيفا ...

برمجة أيام قرطاج السينمائية في السجون

20 اكتوبر 2021 10:44

قسم الاخبار- سيتم خلال الدورة السابعة من أيام قرطاج السينمائية داخل السجون عرض 11 ...