09 سبتمبر 2021 20:00

مالك لخوة وأصدقاؤه في حيدرة.. عن عناق الموسيقى والآثار

 يسرى الشيخاوي- 

على امتداد الطريق المؤدية إلى الموقع الأثري بحيدرة، تتخفى الشمس وتتبدى في خجل من تاجروين مرورا بالقلعة الخصبة، تراود الحنين داخلك فتستسلم لتفاصيل الطريق إذ وشحتها بطلاتها المفاجئة. 

كل الطرق هنا مطرزة بالتاريخ وحكايا العابرين، من ثناياها يضوع عبق الماضي حتى أن المتأمل في المشاهد على جنبات الطريق يخيّل إليه أنها مشاهد من فيلم من زمن الأبيض والأسود. 

هي التوليفة بين إيقاع الحنين ورقصات السحاب تجعلك تغرق في الخيال وعلى نسق الهدوء الصاخب يتنفي الزمان والمكان من حولك وتتخذ كل الأشياء من حولك أبعادا ومعاني أخرى. 

السيارات القليلة العابرة تتخذ حلة اخرى فرضتها المشهدية التي خلقها الخيال، تبدو كعربات قادمة من زمن آخر والسكة الحديدية على شمال الطريق تحضن حكايا المارين حذوها، وراعي الأغنام يناجي الخرفان ويبتسم للأثير. 

النسمات الثائرة تداعب الثرى وتغازل السماء وتردّ عليها الشمس بغمزات متقطّعة، ويلوح المعلم الأثري وتأسرك الحجارة التي تحمل تاريخ الحضارات والإنسانية، حجارة مبعثرة على جنباته ولكنها صامدة.

حالة من النشوة والذهول تنتابك وأنت على أعتاب حيدرة أو "أميدرا"، المدينة التي مازالت تقاوم الزمن والمناخ والتهميش والنسيان  لتظل شاهدة على سنين من الحياة، وأنت لا تملك إلا أن تتأمّل هذه التولفية الساحرة التي شكلتها تفاصيل ضاربة في القدم.

في حيدرة تخرج الحجارة الصماء عن صمتها، وتروي قصص  العابرين من هنا، وأنت تجول بناظريك في المكان تسافر في التاريخ وتعاضدك الموسيقى المنبعثة من الضفة الأخرى من الموقع الأثري حيث التمرينات الموسيقية للفنان مالك الاخوة وأصدقائه في عرض آخاذ ضمن مهرجان سيكا جاز.

ومن بين نغمات الساكسفون تهمس لك الحجارة بأسرارها وتشدّك النقوش إلى تفاصيلها وكأنها تناشدك التفكّر والتأمل في تاريخ مضى، وتلاحق الحجارة المتناثرة من حولك قبل أن تمتطي سلّما يطل على واد كساه الماء.

على الأعمدة الشامخة، اتكأت الشمس وأسدلت جفونها لتتسلل خصلاتها الصفراء وترتمي على عتبات الآثار حيث يعزف الغروب لحنه الشاعري، ويتزين الأثير بألوان نارية وتحمر خدود "أميدرا" ويلقي الليل خيوطه السوداء المطرزة بالنجوم وتعلن موسيقى مالك الأخوة وأصدقاؤه ميلاد لحظة جديدة يسكت فيها الزمن وتصدح فيها الحياة بأحلامها. 

وعلى تخوم الأحجارة المبعثرة كمشاعر عاشق ساعة الهجر، تلاشت خيوط الظلام وبدت الآثار مشعة متوهجة وكأنها قدت من نور، ساحرة أخاذة تأسرك بتفاصيلها فيسري الخدر في جسدك وكأنك حجارة المكان القت عليك تعويذة عاضدتها موسيقى الجاز والبلوز.

الواقع بكل ما فيه من جمال  تمرّد وجنون وتعايش وتواصل وحب وألم وانكسار وإرادة ورغبة، ترجمه العازفون في قلب حيدرة، موسيقى تنفرد في زمن ما وتتشابك في أزمنة أخرى حكت قصص الحياة على إيقاع الموسيقى.

سفر في التاريخ، صرخة في وجه كل السياقات التي قد تشدّك الى الواقع، ونشوة سرمدية تعتريك على نسق حماسة الدرامز إذ هوت عليها عصي مالك لخوة، وصرخات السكسفون إذ ناجاه أحمد عجابي، وبوح البيانو إذ لامسته أصابع عمر الواعر، وحكايات الغيتار باص إذ غازلته انامل أحمد علم، والحرية اذ تغنى بها صوت سوار بن سلامة.

قدرة عالية على التواصل بين العازفين فيما بينهم ومع المغنية ومع الجمهور الذي جذبته نغمات الجاز والبلوز ، حوارات ثنائية بين كل عازف وآلته الموسيقية، سرعانما تتحوّل إلى خطاب موسيقي واحد يحاكي الروح ويستلهم سحره من روح المعلم الأثري.

لا مباني على الطريق، الإضاءة خافتة جدا مسرح الموسيقى تغويك بالحلم، أخيلة تداعب بصرك وتتراقص على وقع النسمات الصاخبة والألحان المتحررة من كل قيد تخترق القلوب والحدود.

ومرة اخرى، يثبت مالك لخوة وأصدقاؤه أن الموسيقى ليست إيقاعات مجرّدة، إنّما هي متنفّس يعبّر عن الإنسان ويعبّر به الإنسان عن نفسه، يزهد بها عن قتامة الواقع ويفتح بها أبواب الخيال، هي تختزل تجارب عيش في ألحان أعمق من المعاني، تترجم الضيق وتسبطن الصرخات المنادية بالانعتاق والتحرّر.

مزيج من الألحان الجذّابة وفلسفة تعلي راية الانعتاق، الآهات والزفرات والشهقات والصرخات حضرت في أنغام السكسفون التي روت قصص حرية لا يخبو بريقها والمسارات والمنعرجات حضرت في نوتات البيانو الرقيقة أحيانا والثائرة كل حين والانفعالات والجنون والتمرّد، اختزلها الدرامز من خلال الإيقاعات التي أحدثها للحفاظ على حركية الموسيقى، وإنشاء تغييرات على مستوى النسق الموسيقي والمعاني الجمالية تلخّصت في الباص غيتار، العمق والإرادة والعزيمة تسللت من بين النغمات والنوتات التي أحدثها.

وما أحلى الموسيقى في رحاب الآثار.. 

صورة: خالد النصراوي

 

 

 

مقالات ذات صلة

"أكتوبر الثقافي".. فلسفة اخرى لترويج الموسيقى في ...

23 اكتوبر 2021 21:40

يسرى الشيخاوي- "أكتوبر الثقافي".. فلسفة اخرى لترويج الموسيقى في تونس وخارجها

"آخر مرة" لوفاء الطبوبي.. استنطاق المسكوت عنه

22 اكتوبر 2021 21:51

 يسرى الشيخاوي-  "آخر مرة" لوفاء الطبوبي.. استنطاق المسكوت عنه

مسرحية "Pas de Signal".. كيف تتحوّل الأوطان إلى مقابر

21 اكتوبر 2021 21:47

 يسرى الشيخاوي-  مسرحية "Pas de Signal".. كيف تتحوّل الأوطان إلى مقابر

"حجر الواد".. متاهة وحيرة وأشياء أخرى

20 اكتوبر 2021 21:08

 يسرى الشيخاوي- "حجر الواد"، تعبيرة عامية تحيل إلى أولائك الصامدين والثابتين في ...

عين على أيام قرطاج السينمائية في السجون

20 اكتوبر 2021 13:57

يسرى الشيخاوي- حمل الدورة السادسة لأيّام قرطاج  السينمائية في السجون، الممتدة ...

ومضة أيام قرطاج السينمائية في السجون بإمضاء مودعي سجن ...

20 اكتوبر 2021 12:01

يسرى الشيخاوي- أنتج المودعون في سجن المهدية الومضة الدعائية لقسم"أيام قرطاج ...