02 سبتمبر 2021 17:20

الانتظار سيدُ الملل ويُفقد الأمل..

بقلم: رشيد الكراي-

منذ عقد من الزمن لم تفارق التونسيين دوامة البحث عن حلول لمشاكلهم دون جدوى ، حتى صار البحث عنها شغلهم الشاغل ، بدل البحث عمّا يعينهم على مواكبة التطور الذي تعدُو فيه بلدان العالم عدْوًا.

والحديث عن مشاكل العقد الماضي بات عقيما ، ذاك أن أسس المشاكل وجدرانها يتجدد ويستحدث كل حين بطريقة تكاد تكون أوتوماتيكية ، وعلى ما يبدو بل قل من المؤكد ، أن هناك متخصصين باستحداثها والإتيان بالجديد منها بين الفينة والأخرى دون كلل أو ملل ، إذ ما فتئنا نعيش همومنا المتزايدة من يوم إلى يوم ، ومن عام الى عام ، ومن حكومة الى حكومة ، فكأن الحزن مختوم على التونسيين منذ عقود.
 
فعكس ما يشغل سكان الأمم التي تلت حضارتها حضارة بلاد حنبعل ، تشغل بالنا اهتمامات يومية عديدة ، لا تتجاوز السؤال عن غلاء المعيشة وزحمة الشوارع واضطرابات توزيع المياه ، وكذلك التحسب من غيمة تبدو في السماء خوف المطر وغرق منازلنا وشوارعنا ، فضلا عن هموم القلق المتزايد من انحدار اقتصاد البلاد ، وتقاطعه مع مصدر قوت المواطن ومعيشته. 
 
فلو استذكرنا يوميات التونسيين في الأعوام السابقة ، تبرز صورة التشكي والتذمر والامتعاض فيها ، إذ ما اجتمع تونسيان صباحا أو مساءً ، إلاّ وذهب بهما الحديث الى الترديات والإخفاقات بمفاصل الحياة في البلد. إنه الهمّ الذي باتت علامات الاستفهام والتعجب تتسع فيه ، وأمست أصابع الاتهام لا تكفي لعدّ الأسباب وتعداد المتسببين به ، فعشرة أصابع لا تفي بحساب الأعداد الهائلة من الشخصيات التي تقف وراء هذا المصير الذي آلت اليه البلاد .
 
فبدءًا ، الهمّ المتوارث في كل عام والذي يتعلق بميزانية الدولة وأبواب تمويلها والمديونية التي تصاحبها كل سنة وبلغت مستويات قياسية ، أضحى سيد الهموم السنوية دون منازع ، وقد تناسلت منه هموم أخرى كثيرة لعلّ أبرزها دون منازع تفشي الفساد المالي والإداري في كل هياكل الدولة ومفاصل المؤسسات مركزيا وجهويا.
 
لقد أصبح لمؤسسات الدولة المسؤولة عن الخدمات ، باعٌ طويل وحضورٌ فعلي في جملة الهموم المتراكمة ، والذي يُحزن المواطن المهموم أنه في واد وساسته ومسؤولوه في واد ناءٍ عنه ، وما همومه كلها إلا نتاج صراعاتهم ومناكفاتهم ومناكراتهم ، في وقت كان حريا بهم جميعا أن يوحّدوا النية الخالصة والكلمة الصادقة والتصرف السليم ، لتلد لهم مجتمعة قرارات صائبة ، تسفر عن أداء جيد في الواجبات خالٍ من التقصير، وبالتالي تنجلي هموم أبناء شعبهم بفضل الحلول الناجعة التي تأتي في التوقيت المناسب ، لا بعد فوات الأوان . ولقد قيل سابقا : الأفكار الجيدة تأتي دائما متأخرة ، ونقول بلهجتنا التونسية الدارجة : بعد ما اتّخذ شرى مكحلة ...
 
فوات الأوان إذا ، هو آفة الحلول ، إذ ينعدم النفع منها إن جاءت متأخرة ، وما يؤسف أن هذا بات دأبنا الذي أدمنّاه ، فاعتدنا على التقاعس في استنهاض عقولنا في الوقت المناسب لإيجاد الحلول والمخارج لما نقع فيه من مآزق في توقيت صحيح ، وما نجنيه اليوم ، هو زرعنا فيما مضى ، فما دمنا أسأنا في الزرع نحصد سوء فعلنا ، وقد قيل من يزرع الريح لا يجني غير العاصفة .
 
ومع ذلك لا مناص لنا إلاّ الأمل والتفاؤل بمستقبل أفضل عملا بذلك المثل القائل : أن تأتي متأخرا خير من ألاّ تأتي أبدا ...
 
فرئيس الجمهورية قيس سعيّد عاصر في أقل من سنتين منذ انتخابه ثلاث حكومات عيّن هو نفسه منها رئيسي حكومتين سقطت إحداها بعد أقل من ستة أشهر من أجل هوى في نفس يعقوب النهضاوي ، وتمرّد عليه الأخير منهما بعد أن اختار السقوط في حضن ذات اليعقوب . وقد رافق ذلك مزيد سقوط هيبة الدولة وتفكيك أوصالها وهاجس السيطرة على مفاصل دوائر القرار فيها الأمني والاقتصادي علاوة على السياسي .
 
لذلك كانت قرارات الخامس والعشرين من جويلية التي اتخذها رئيس الدولة مطلبا شعبيّا قبل أن تكون مبادرة شخصية منه ، حظيت بشبه إجماع من الطيف السياسي والمجتمعي رغم نشاز بعض قوى اليسار المتكلّس الذي استوفي كل رصيده . وها نحن بعد أكثر من شهر عن ذلك التاريخ المفصلي ننتظر استتباعاته الملحّة وأولها تعيين حكومة ورئيس جديد لها يؤمّنان الفترة الاستثنائية والانكباب على أزمة المالية العمومية ومسار التفاوض مع الجهات المانحة وتحضير ميزانية الدولة وقانون المالية للسنة القادمة ، في انتظار وضوح الرؤية حول مآل المسار السياسي في البلاد وفرضيات تنقيح الدستور الحالي أو إقرار دستور جديد ونظام انتخابي آخر وقانون أحزاب وجمعيات يقطع مع ظاهرة الإسهال التي تطبعه حاليا ، إلى جانب طبعا المعركة مع الفساد ومحاربة رموزه وعُرّابيه في الأحزاب والإدارة وعالم المال والأعمال .
 
إنها استحقاقات مستعجلة لا تتحمّل مزيد التأجيل ، ولا قدرة للبلاد على تحمّل حالة انتظار مفتوحة ، فأصعب الأشياء هو انتظار حدوث شيء دون أن يحدث ، وعندما يطول الانتظار يشعر الإنسان بالحزن ويبدأ بفقدان الأمل تدريجيًّا ، وعند فقدان الأمل ستتحرّك النيران الخامدة تحت الرماد وتبدأ في الاشتعال إلى حين اندلاع الحريق الذي لا يُبقي ولا يذر ، لا قدّر الله ...

مقالات ذات صلة

"التغيير الجديد بعد ندائي الأخير قبل نهاية ...

14 اكتوبر 2021 19:41

بقلم أحمد وسيم العيفة   "عشر سنوات بعد الثورة التونسية: نداء أخير قبل نهاية ...

أوراق الورد 26/ "وتاهت مني"

14 اكتوبر 2021 13:46

الشاعر سليم بوخذير (أغنية جديدة بالعامية "وتاهت مني")

خذوا من مصبّ كذب الإخوان ما شئتم ، هنيئا لكم ...

09 اكتوبر 2021 12:06

بقلم : رشيد الكرّاي كنت أعجب دائما من قدرة "الإخوان" على الكذب وافتعال ...

الوريمي يكتب لحقائق أون لاين: الإستقالات وبعد؟ هل ضاق ...

01 اكتوبر 2021 22:12

 بقلم: العجمي الوريمي مثل خبر الاستقالة الجماعية لعدد من مناضلي الحركة قبل ...

دعُوهم يَفْتَرُون .. فهم إخوان إلى يوم يُبعثون

30 سبتمبر 2021 14:19

بقلم : رشيد الكرّاي سألني صديقي وهو يزبد ويرعد في معرض حديثنا عن تلك المليونية ...

بين ديمقراطية طيّعة وأخرى لها مخالب..

24 سبتمبر 2021 12:41

بقلم رشيد الكراي- تبقى الديمقراطية التونسية متميزة حتى في غرابة أطوارها، ويصعب